29 - 10 - 2026

إنه زمن الرويبضة.. إلا من رحم الله!

إنه زمن الرويبضة.. إلا من رحم الله!

نعم زمن الرويبضة إلا من رحم الله تعالى، فمن رحمه الله لا يمكن بحال من الأحوال أن يهين نفسه وينخرط فى التفاهات والسفاهات، ولا يمكن بحال من الأحوال أن يبيع نفسه نظير بضعة دولارات، أو بعض العطايا المادية مقابل ألا يقول كلمة حق، أو لأن يقلب الحق باطلا والباطل حقا، أو لأن يخوض مع الخائصين.

أولئك الذين علموا علما يقينيا أن الدنيا ستزول وأنه لن يخلد فيها أحد، وأن هناك عالم آخر، عالم الحق والخير والجمال، عالم ينتظرون الذهاب إليه، فكيف لهم أن ينخرطوا في هذا العالم المادي الفاني، فماذا سيقولون للملك الواحد القهار، وهم وقوف بين يديه ينتظرون السؤال والحساب.

فعرفوا ذلك جيدا فلزموا الجادة من الأقوال والأفعال، ولم يبيعوا آخرتهم بدنياهم.

هؤلاء هم من رحمهم الله تعالى فوفقهم إلى معرفة الحقيقة كاملة، فلم يسخروا أقلامهم ولا علمهم لخدمة مآربهم الشخصية، فظلوا قابضين على رجولتهم كمن يقبض على الجمر، قابضين على أفكارهم على شخصياتهم لم يغيروا ولم يبدلوا مهما كلفهم الأمر، يعلمون أن ما يفعلونه سيكلفهم مناصبهم ومراكزهم، وقد يتعرضون للفاقة والعوز، لكن لا ضير.

لكنهم لا يزالون قابضين على الحق يقولونه لا يخشون فيه لومة لائم.

على النقيض تماما أولئك الذين أبسط ما يقال في حقهم أنهم رويبضة، الرويبضة الذين من الممكن أن نتأول قوله تعالى في حقهم، ما سلككم في سقر، (وكنا نخوض مع الخائضين)

في أي أمر نجدهم حاشرين أنوفهم، على المقاهي، فى النوادي، فى الشوارع إذا وجدوا حديثا فى السياسة يتحدثون دون أن يطلب منهم الحديث، إذا سمعوا حتى واحدا بتكلم عن غلاء الأسعار، يتصدون للحديث عن الاقتصاد حديث الجهابذة المتخصصين وهم أبعد ما يكونون عن التخصص.

فى الثقافة يناقشون وينظرون مع جهلهم بألف باء ثقافة.

حتى في أدق القضايا، قضايا التعليم، تجد أصواتهم تعلو وينعقون بما لا يعلمون.

حتى في أمور التشريع وسن القوانين، تجدهم يفتون فتاوى ما أنزل الله بها من سلطان، تحتاج إلى جهابذة وفقهاء التشريع.

وكذلك الأمر في الأمور الدينية، تجدهم قبل أن يقول الإمام أو الواعظ رأيه المبني على الكتاب والسنة، تجد واحدا يقول كذا وكذا، الواعظ يقول قال الله وقال الرسول وهو يقول كذا وكذا.

أليس هؤلاء هم الرويبضة الذين يفتون الناس بغير علم ويخوضون في أمور القوم بغير فقه ولا روية ولا رؤية.

وبكل أسف يسمع لهم الكثير ويعمل بما يفتون به، ولم لا، طالما أن ما يقولونه سيحقق مآربهم الشخصية

مآربهم الخفية، تضليل الناس، مثلهم في ذلك مثل السوفسطائية الذين كانوا يستخفون بعقول الشباب الأثيني، أولئك الذين تصدى لهم سقراط الحكيم فأبطل ألاعيبهم.

وإذا ما قام أحد كيما يتصدى لهم ويبطل فرياتهم وحججهم وأباطيلهم يحارب وتصب عليه اللعنات من كل حدب وصوب.

أنا لا ألوم على رابضة فسل صغير يطلع على الملأ واعظا وخطيبا فى الشباب واسما إياهم بألقاب هم أبعد ما يكونوا عنها، حتى وإن خرج علينا من يدافع عن  هذا الفسل قائلاً لفظ (صايع)، أو (صيع) مثلا ليس المقصود  القباحة وإنما الصايع دليل على الولد المفتح المدقدق الفاهم كل شئ، والولد مثلما يقال (مقطع السمكة وذيلها).

نعم سنجد من سيقول ذلك حتى يخرجوا أمثال هؤلاء الرويبضة من المآزق التي يضعون أنفسهم فيه.

نحن لا نعيب على هؤلاء، فهؤلاء مآلاتهم معلومة ومصائرهم معلومة، مجرد أن تنتهي مهامهم التي كلفوا بها سيضربون بالنعال، أو كأبلغ وصف ممكن يقال في حقهم (فوط حمامات، أو مناديل كلينيكس) ستستعمل ثم ستلقى فى المراحيض.

نحن لا نعيب على هؤلاء، وإنما عيبنا على من استضافهم ومن أجلسهم بجوارهم ومن أعطاهم ميكروفون ليخطبوا فى الشباب.

هل هذا هو خطاب الوعي، أو الخطاب التوعوي التثقيفي الذي نقدمه للشباب وخصوصا شباب الجامعات الذين هم في ريعان شبابهم، بدلا من أن نحييهم بأجمل وأحسن تحية، نناديهم بألفاظ خارجة، وأين في محراب الجامعة وعلى خشبة مسرح الجامعة.

عندما تصدينا لحفلات التخرج وما كان يحدث فيها من زمر ورقص وطبل من أولياء الأمور ومن الخريجين وقلنا أن الحرم الجامعي حرمته كحرمة محراب الصلاة، استجاب لنا المجلس الأعلى للجامعات، وضيق الخناق ووضع ضوابط لمثل هذه الحفلات وجعلها تحت إشراف الجامعة ضبطا وتنظيما وكلمات تلقى في مثل هذه المناسبات العامة.

لذلك أناشد وزير التعليم العالي بتشديد الرقابة على من تستضيفه الجامعات المصرية، لماذا، لأن شبابنا أمانة في أعناقنا وسنسأل عنهم أمام الله تعالى، والتاريخ لن يرحمنا، وأنه سيقال في يوم ما، في جامعة ما، استضافت المشخصاتي الفلاني ووسم الطلاب بألفاظ نابية، لا نحب أن نسمعها في مجتمعاتنا الجامعية.

فلا تدعو الرويبضة يتدخلون في أمورنا، فيوجد من بيننا في كل أطياف المجتمع من يستطيعون أن يخطبوا فى الشباب بعذب الكلام وأحسنه، من يقدمون معلومات حقيقية يستفيد منها الطالب، وتليق بحرمة المكان الذي تلقى فيه.
--------------------------------
بقلم: د. عادل القليعي
* أستاذ ورئيس قسم الفلسفة بآداب العاصمة.

مقالات اخرى للكاتب

إنه زمن الرويبضة.. إلا من رحم الله!