28 - 10 - 2026

رحلة البحث عن مواطن مفقود في زمن الحرب | قراءة في سيناريو فيلمي "حكايات الغريب" و "إنقاذ الجندي رايان"

رحلة البحث عن مواطن مفقود في زمن الحرب | قراءة في سيناريو فيلمي

إن التماثل في سيناريو الفيلم يعني تقاسم المتفرج نفس المعلومة مع بطل أو أبطال الفيلم. وفي فيلمي "إنقاذ الجندي رايان" (Saving Private Rayan) و"حكايات الغريب" فالمتفرج يتقاسم مع أبطال الفيلمين معلومة رئيسية) البحث عن شخص مفقود في زمن الحرب. (ومن هنا نبدأ رحلتنا في المقارنة بين الفيلمين من فرضية أساسية؛ أن فكرة الفيلمين واحدة.

في فيلم "انقاذ الجندي رايان" يبحث القائد ميلر "توم هانكس" وفرقته العسكرية، عن الجندي رايان المفقود خلف خطوط العدو بالقرب من شاطئ نورماندي إبان الحرب العالمية الثانية، وفي فيلم "حكايات الغريب" يبحث سيد "محمد منير" وصديقه حسن "شريف منير" عن صديقهما عبد الرحمن (محمود الجندي)، سواق الصحافة الذي اختفى في مدينة السويس إبان حرب أكتوبر في مصر.

والمقارنة هنا ليست بين الفيلمين بكافة عناصرهما، ولكنها مقارنة بين سيناريو الفيلمين وكيفية معالجتهما للفكرة الرئيسية: البحث عن شخص مفقود في زمن من أزمنة الحرب.

***

فيلم "حكايات الغريب" ليس إلا فيلم تليفزيوني إنتاج التليفزيون المصري، وفيلم "إنقاذ الجندي رايان" فيلم هوليودي تكلف إنتاجه ملايين الدولارات وحصد العديد من الجوائز. وسنبدأ بعرض فيلم "حكايات الغريب" لأنه الأقدم تاريخيا) إنتاج (1991) في حين أن فيلم "إنقاذ الجندي رايان" إنتاج سنة 1998.

"حكايات الغريب"، إخراج/ انعام محمد علي – قصة/ جمال الغيطاني - سيناريو وحوار/ محمد حلمي هلال – بطولة: محمود الجندي – محمد منير – شريف منير.

يبدأ الفيلم بلقطة مكبرة لآلة كاتبة تكتب قرارا بتشكيل لجنة للبحث عن سواق الصحافة الذي اختفى ومعه السيارة وكل ما عليها من جرائد ومجلات، بعد أن دخل مدينة السويس بمصر في 24 أكتوبر 1973 وحتى تاريخه في الفيلم (11 فبراير 1974)، أي بعد مرور أكثر من أربعة أشهر على اختفائه.

من الدقيقة السابعة في الفيلم سيعرف المتفرج أن كتيبة من الأفراد تتشكل بشكل عفوي وإنساني من أصدقاء عبد الرحمن للبحث عنه، ومع تطور الأحداث نتعرف على شخصية عبد الرحمن وخيبته في كل شيئ، حتى في الدفاع عن حبه وحبيبته التي كانت متمسكة به حتى آخر لحظة ولكنها أجبرت على تركه بدعوى أنه ضعيف وهزيل ولا يستطيع حتى الدفاع عن نفسه.

وعلى مدار الفيلم يبحث المتفرج مع أبطال الفيلم عن عبد الرحمن، وينتهي الفيلم دون أن يجدوه. ولكنهم في رحلة بحثهم عنه سيكتشفون بطولات الكثير من الشخصيات التي تشبهه أو تكاد تكون هو نفس الشخص الذي قام بالعديد البطولات دفاعا عن مدينة السويس. وسيخرج المتفرج وهو يعرف أن شخصية عبد الرحمن تعيش بداخله أو بداخل أحد من جيرانه أو أقاربه.
***

ولنتعرف الآن على فيلم "انقاذ الجندي رايان": إخراج/ ستيفن سبيلبرج، بطولة/ توم هانكس، مات ديمون، فان ديزل. قصة وسيناريو وحوار: روبرت رودات. رشح الفيلم لإحدى عشرة جائزة أوسكار نال منها أربعة من ضمنهم أوسكار أفضل إخراج.

ويعتبر الفيلم واحدًا من أهم الأفلام الحربية في تاريخ السينما العالمية، ومن أكثر الافلام التي ظهرت فيها الدماء على الشاشة كأنها دماء حقيقية، حتى أن "ستيفن سبيلبرج" ذكر في أحد الحوارات الصحفية أنهم استهلكوا في تصوير هذه المشاهد آلاف الجالونات من مادة الكورنفلاو المشابهة للدم (شراب ذرة ثقيل مخلوط باللون الأحمر.)

يبدأ الفيلم بلقطة مكبرة لعلم أمريكا يستتبعها لقطة طويلة لرجل عجوز يسير حثيثا في أحد الممرات التي تحوطها الخضرة من الجانبين، ويسير وراءه أفراد من أعمار مختلفة سنعرف لاحقا أنهم افراد أسرته الصغيرة (زوجته وأبنائه وأحفاده)، وأن هذا العجوز هو نفسه الجندي رايان الذي سوف نتابع طوال الفيلم رحلة البحث عنه، وينتهي المشهد بالرجل جاثيا على قدميه أمام أحد المقابر، دون أن نعرف الاسم المدون على شاهد المقبرة، والذي سنعرف لاحقا أنه القائد ميلر قائد الكتيبة التي أرسلت للبحث عنه وإعادته للوطن. وفي مشاهد لاحقة تستغرق أكثر من 40 دقيقة، نرى كم الفظائع والدماء والأشلاء الآدمية على شاطئ نورماندي في فرنسا في معركة تعد الأشهر في النزالات الحربية على مدار التاريخ، وفي مشاهد تعتبر من أكثر المشاهد التي صورت الحرب وجعلت المشاهد يعيش أجواء الفيلم وكأنه يعيش الحرب نفسها.

بعد كل هذه المشاهد الدموية ينقلنا الفيلم إلى مشهد في صالة سكرتارية تابعة لقيادة القوات المسلحة الأمريكية، حيث العديد من الفتيات يكتبن على آلات كاتبة، حتى نرى إحداهن تهتم بما برسالة تقرأها ثم تلتقط ثلاث ورقات أخرى من على المكتب، وتهرع إلى مكتب قائد عسكري.

ثم يأخذنا الفيلم في مشاهد سريعة متلاحقة من مكتب قائد إلى آخر لينتهي بنا في مكتب قائد الأركان. وهنا نعرف أن ثلاثة من الإخوة قد لقوا مصرعهم في مواقغ مختلفة في نفس الوقت وأن الأمر سيكون صعبا على أمهم حينما يخبرونها بوفاة أبنائها الثلاثة في نفس اليوم. ليس ذلك فحسب ولكن أيضا لهم أخ رابع موجود خلف خطوط العدو في فرنسا، في موقع من أكثر المواقع دموية في ذلك الوقت، وهنا يأمر رئيس أركان الجيش الأمريكي بتشكيل فرقة لإنقاذ الابن الرابع (الجندي رايان) وإعادته إلى الوطن ليكون بجوار أمه المكلومة بخبر وفاة أبنائها الثلاثة.

لاحظوا هنا الفرق بين معالجة الفكرة في الفيلمين: في فيلم حكايات الغريب تتشكل كتيبة بشكل عفوي وغير رسمي من أصدقائه المحبين له، وفي فيلم إنقاذ الجندي رايان يأتي تشكيل كتيبة عسكرية بقرار من رئيس أركان الجيش.
***

وهنا، نتعرف على رسالة الفيلم، البحث عن رايان من أجل المواطنة مهما كلفنا هذا الأمر، في حين أن الرسالة في فيلم حكايات الغريب لا يمكن أن تستشفها إلا في المشاهد الأخيرة من الفيلم، وهي نقطة أعتقد أنها في صالح حكايات الغريب حيث ظل المتفرج يبحث عن المعنى حتى نهاية الفيلم.

أيضا في فيلم حكايات الغريب يتعرف المتفرج على شخصية عبد الرحمن بالتدريج بداية من أول حوار لأمه وهي تحكي عنه: (أصغر ولادي .. فطمته على الحمص والزبدة .. حمال أسية .. فؤاد أخوه مات في الحرب اللي فاتت)، في حين أننا لن نعرف عن الجندي رايان شيئا قبل رحلة البحث عنه سوى معلومة أن له ثلاث أخوة ماتوا في الحرب.

كان فيلم حكايات الغريب أكثر براعة في أخذ المتفرج لمرجعيات بطل الفيلم الضاربة في جذور ثقافته البسيطة المستقاة من المجتمع من خلال استخدام الكثير من الأغاني الفلكلورية من التراث الغنائي لفرقة السمسمية المرتبطة بالمنطقة التي يتم البحث فيها عن عبد الرحمن. وفي المقابل حينما حاول فيلم انقاذ الجندي رايان أن يلعب نفس اللعبة فقد غنى أحد الجنود الأمريكان أغنية لمطربة فرنسية شهيرة في ذلك الوقت وهم محاصرون في فرنسا تحت رحمة القوات الألمانية.

في فيلم حكايات الغريب يظهر البطل على أنه شخص ضعيف وهزيل يبكي كثيرا على ما سنعرف لاحقا أنه دخل في أزمة نفسية بعد مقتل ابنة أخته (طالبة الابتدائي) في واحدة من هجمات إسرائيل على مدرسة بحر البقر سنة 1971، مما يجعل المشاهد أكثر تعاطفا معه وأكثر شغفا برحلة البحث عنه. في حين أن المتفرج لن يعرف أي شئ إنساني عن رايان إلا في الثلث الأخير من الفيلم حينما يجدونه ويحكي عن بعض ذكرياته مع أخوته الذين ماتوا في الحرب.

اعتمد أصدقاء عبد الرحمن في رحلة البحث عنه على صورة شخصية له لعرضها على الناس في السويس ليساعدونهم في التعرف على شخصه والوصول له. وفي فيلم "انقاذ الجندي رايان" تذهب كتيبة كاملة خلف خطوط العدو للبحث عن شخص دون أن يأخذوا معهم صورة فوتوغرافية له، في ثغرة لسيناريو الفيلم، حتى أن أحد المشاهد (في الدقيقة 59) كان هزليا وساذجا جدا حينما يجدون جندي اسمه رايان في أحد المواقع، ونرى القائد ميلر وهو يخبره بأنهم جاءوا من أجل إعادتة إلى الوطن لأن إخوته ماتوا في الحرب، ويجب ان يكون بجوار أمه المكلومة، فيبكي رايان ثم يستفيق فجأة ليسأله: كيف يموتوا في الحرب وهم لا يزالون أطفالا صغارا في المدارس؟، فيسأله عن اسمه كاملا ويعرف أنه رايان آخر غير رايان الذي يبحثون عنه وكل ما في الأمر أنه تشابه أسماء، حتى أن القائد ميلر "توم هانكس" يقول له: (مجرد غباوة مني.) قد يمكن النظر إلى الموقف باعتباره خطأً يرتكبه القائد داخل الأحداث، لكن السؤال الأهم يتعلق ببناء السيناريو: كيف تُرسل فرقة عسكرية في مهمة خطيرة للعثور على شخص محدد من دون وسيلة تعريف واضحة، مثل صورة فوتوغرافية، في زمن كانت الصور فيه معروفة ومتداولة؟ وكان من الممكن أن يمر هذا المشهد دون أن يلفت نظر المشاهد لو أنه لم يكن قد شاهد فيلم حكايات الغريب واستخدام الصورة الفوتوغرافية في البحث عنه.

"حكايات الغريب" بنى أحداثه عبر تفاصيل صغيرة مثل: الأغاني الفلكلورية ، وأظهر تطور الشخصية الرئيسية "عبد الرحمن" بشكل تدريجي وإنساني من خلال ذكريات اصدقائه ومحبيه ، بينما جاء السرد في سيناريو الجندي رايان في نطاق الحرب والواجب العسكري للمواطن الذي يضحي بنفسه من أجل الوطن.

في فيلم حكايات الغريب سيشارك المتفرج أبطال الفيلم في البحث عن إنسان، ولكن في فيلم انقاذ الجندي رايان سيشارك المتفرج أبطال الفيلم في البحث عن جندي بأمر من رئيس الأركان في رسالة قد يفهم منها أن ضمن أهداف الفيلم تمجيد الجيش الأمريكي وإيمانه بحقوق المواطنة، أما في فيلم حكايات الغريب فالرسالة واضحة وجلية لتمجيد المواطن الإنسان حتى ولو لم يكن جنديا في الجيش.

الكثير والكثير يمكن أن يقال عند المقارنة بين سيناريو الفيلمين يصب أغلبها في صالح الفيلم المصري على حساب الفيلم الهوليودي ويجوز أيضا أن نتساءل إن كانت فكرة فيلم إنقاذ الجندي رايان تم سرقتها من فيلم حكايات الغريب.
---------------------------------------
بقلم: محسن رشاد أبو بكر