30 - 10 - 2026

الجافُّ جفَّ

الجافُّ جفَّ

التقيتُ به وهو خارج من المعهد الأزهري، ابتسمت في وجهه المتجهم، كان بشوشاً قبل اليوم، وكثيراً ما رأيته يخرج من محل عمله في مثل هذا التوقيت، قبل المواعيد الرسمية بساعة كاملة، قد اعتاد البشاشة في وجوه الجميع، اقتربت منه وسألته: ما بك متجهم اليوم؟ هل رفدوك من العمل؟

ابتسم وقال وهو يشير بيده يرسم خطاً على الطريق: كأنه أمس، كان شيخ المعهد فضيلة الشيخ محمد أبو العينين متعه الله بموفور العافية والصحة وأطال الله عمره، يقول لنا اسمكم بالرصاص، أتقنوا عملكم وإلا محوناه من سجلات الحضور والانصراف، واليوم وقد صار الاسم مكتوباً بالقلم الجاف، قد جف الحبر وضاع القلم وانتهى العمر.

لم أجد ما أقوله، فيبدو أنه خرج على المعاش، فعاد يقول: لقد سرقتنا الحكومة، سرقت أعمارنا، اليوم أخرج على المعاش براتب هزيل ومكافأة لا تكفي شراء توكتوك، بعد ثمانية وثلاثين سنة في خدمة الحكومة.

قال ذلك متألماً، ثم تركني ومضى، وأخذت أفكر في حال هذا الموظف الحكومي الذي يشكو الحكومة العظيمة التي أحالته إلى المعاش لبلوغه السن القانونية وهي الستين، في حين يظل كثير من الحكام في الحكومة لما فوق الثمانين في كثير من الأحيان، لكنه النظام والقانون المعروف، ولكن هذا الشكوى في غير محلها، ألم تحدد الحكومة هذه السن منذ عقود طويلة، حين يتم توظيف الموظف يعلم انه سيخرج إلى المعاش في سن الستين، فهل جاءت الستون فجأة؟

ثم إن شكواه في غير محلها، كيف سرقته الحكومة؟ هل يظن أن الحكومة مسؤولة عن إنجابه خمسة أو ستة أطفال؟ الحكومة تعاقدت معه هو فقط، ورضي براتبها، والعقد شريعة المتعاقدين، أما زوجته وبيته وأولاده ومصاريف إطعامهم وإعالتهم وعلاجهم وتعليمهم وملبسهم وخلافه فليست مسؤولية الحكومة في شيء.

اهتديت أن هذا التفكير يجب تعميمه، كيف أضمد جراح كل محال للمعاش، يخرج وهو يبكي كالذي يخرج من بطن أمه، فهل كانت الوظيفة تشبه الجنة التي يمثلها رحم الأم؟

لو فكر كل موظف في راتبه أنه يكفيه هو وحده دون تكوين أسرة وإنجاب أطفال كثيرين لما أكثرنا من الإنجاب ولما اتسع الخرق على الراقع.

إن مصر لا تتسع غذائياً لأكثر من 60 مليون إنسان، فكيف بضعف هذا العدد في مساحة 4% فقط من مصر؟

قال جفَّ الجاف، نعم.. وسينتهي العمر كله، وسنزول إلى تراب كما كنا، ولكننا بين التراب الأول والتراب الأخير نسينا أن نعيش، ونسينا أن نحيا، وكما فعل المصري القديم للمقاومة فإنه اخترع الحياة الآخرة واخترع إنجاب حياة أخرى في صورة أطفال.

وإلا فلماذا يكثر الأطفال لدى الفقراء فقط، أما الأثرياء فلا ينجبون كثيراً.

كيف أنشر تلك الثقافة الحقيقية عن واقع المصري المعاصر الذي لم يختلف شيئاً عن المصري القديم؟ أين تراكم الخبرات؟ أين المعارف الحديثة؟ أين الفهم والاستبصار؟

إننا نعاني من إنسان يعيش كجبل لا يتحرك مطلقاً، ويظل يردد أقوالاً مأثورة مثل: إن فاتك الميري تمرغ في ترابه.

هذه الأقوال ضيعت الدولة بترهل الدولاب الحكومي، وملأت الدواوين بموظفين غير منتجين وبالتالي لا رواتب حقيقية لهم، فقط شكوى وسكون كسكون الجبال الرواسي، فيا موظفي بلادي لا تكوني ممن ينتظرون أن يجفَّ الجاف حتى تستيقظوا من سباتكم العميق، أفيقوا، فالحكومة غير ظالمة، أنتم ظالموا أنفسكم.
--------------------------------------
بقلم: د. علاء الدين سعد جاويش

مقالات اخرى للكاتب

في ساحات الأولياء يتحقق الرجاء