مرة كتب ديستوفسكي في قصة قصيرة جدا ..
احتفل زوجان بمرور 50 عاماً على زواجهما دون خصام ؛ وبكل ود واحترام.
سألوا الزوج : كيف مرت 50 سنة بينكما دون أي خلافات؟
قال: في أول أيام شهر العسل خرجنا.
ركب كل منا حصانه للتنزه؛ لكن الحصان أسقط زوجتي المسكينة على الأرض. قامت زوجتي ومسحت على رأس الحصان؛ وقالت له: لقد اوقعتني وهذه هى المرة الأولى.
وفي النزهه الثانية أسقطها أيضا؛ ومسحت على رأسه؛ وقالت: هذه المره الثانية.
وفي النزهة الثالثة أسقطها؛ فقامت بكل هدوء؛ وفتحت حقيبتها وأخرجت مسدسآ؛ وأطلقت النار على رأس الحصان.. فقتلته!
صرخت فيها وقلت لها: ماذا فعلت يا مجنونة يا مريضة؛ لماذا قتلت الحصان؟ أقتربت مني ومسحت على رأسي بكل هدوء؛ وقالت لي: أنت شتمتني؛ وهذه المرة الأولى.
ومن يومها.. ونحن نعيش في محبة وسلام وسعادة وهدوء تام .
الناس لا يحبون القوي ويحترمونه؛ ويحبون الضعيف.. ويحتقرونه!
وهذا حقيقي ..
اسأل أي حد تقابله في الشارع: بتحب مين؟
سيقول لك وعيناه تفيضان بالدموع والشهامة: أنا بموت في الضعيف الطيب الغلبان؛ اللي ماشي جنب الحيط؛ ده حبيب ربنا وحبيبنا!
لكن لو تقدم هذا الضعيف المحبوب لخطبة ابنته، سيتحول المواطن فجأة إلى تنين مجنح.. ينظر إليه باحتقار شديد قائلاً: بص في المرآة الأول يا بني؛ أنت لا تهش ولا تنش.. أبنتي لا تتزوج واحداً مستضعفاً!
أما لو جاءه القوي المفترى، الذي يكرهه المواطن علناً، تجد صاحبنا يرتعد انبهاراً، ويضرب له تعظيم سلام، ويقول له: يا باشا البيت بيتك والبنت بنتك؛ وإحنا نطول يناسبنا أصحاب النفوذ؟!
هذه هي المفارقة التي تجعل الناس؛ يمنحون الضعيف قلوبهم .. شفقة، لكنهم يمنحون القوي رقابهم.. احتراماً وطاعة!
ونحن في العمل نكره المدير الطاغية؛ الذي يخصم نصف المرتب لأنك عطست دون إذن رسمي .
لكننا نرتجف أمام مكتبه، ونصفق لقراراته العبقرية، ونحفظ مواعيد مجيئه؛ أكثر من مواعيد الصلاة!
ونحب الموظف الضعيف الغلبان، نربت على كتفه؛ وندعو له بالستر؛ ثم نلقي عليه بكل الشغل المتأخر، ونحمله ذنب أي مصيبة؛ تحدث في العمل!
والخلاصة ..
إذا أردت من الناس حباً صادقاً؛ مخلوطاً بنظرة شفقة واستصغار، فكن ذلك الحمل الوديع؛ الذي يمسح الجميع أحذيتهم .. في سجادة طيبته!
أما إذا أردت احتراماً يسبق خطوتك بأميال، فاكتم مشاعرك واظهر بمظهر من يملك القمع؛ وحينها سيكرهونك.. في سرهم؛ لكنهم سيقفون لك انتباهاً.. في علنهم !
والنصيحة لك خالصة.. لاتحزن لهذا ولا ذاك.
فسيأتيك الموتُ في يومٍ عادي، في منتصفِ خُططٍ لم تكتمل، وسيمضي العالَمُ في طريقهِ من دونك!
---------------------------------
بقلم: خالد حمزة
[email protected]







