27 - 10 - 2026

مولد وصاحبه غايب (٢-٤) | خبايا صناديق النذور بالملايين وأسرار المقاصير الحديدية

مولد وصاحبه غايب (٢-٤) | خبايا صناديق النذور بالملايين وأسرار المقاصير الحديدية

بعيدًا عن خناقة الموالد ما بين المؤيدين والرافضين، وما بين من يعمل على نشرها ويدعمها وما بين رافض لها ويعمل على محوها أو على الأقل الإقلال منها وتحجيمها بعد أن أصبحت منتشرة كالنار في الهشيم للعمل على تغيير هوية الدين الإسلامي وجعل المنهج الصوفي هو المقبول.

نتحدث في هذا المقال بعد المقال السابق عن الموالد والأضرحة بعد أن أصبحت بيزنسًا كبيرًا يحقق الملايين للبعض ويحقق لهم منافع كثيرة ووجاهة اجتماعية يبحث البعض عنها من خلال رئاسة الطرق الصوفية المتعددة. حيث هناك ملايين كثيرة تتصارع عليها جهات كثيرة لتتقاسم فيما بينها جزءًا من كعكة النذور التي توضع في صناديق المساجد الكبيرة التي يوجد بها أضرحة، والتي تختلف من مسجد لآخر حسب شهرة صاحب المقام وقربه من آل البيت.

وتخضع أموال النذور في المساجد الكبرى ذات الأضرحة الشهيرة (مثل مساجد الإمام الحسين، والسيدة زينب، والسيدة نفيسة، والمحمدي، والمسجد البدوي بطنطا، والإمام الشافعي، وغيرها) التي توضع في صناديق النذور بالمساجد وفي داخل المقاصير الزجاجية والفضية والنحاسية لأحكام قانونية وتنظيمية دقيقة تُشرف عليها وزارة الأوقاف المصرية بالتعاون مع الجهات المعنية وفقًا للقانون المنظم لمصارف النذور ولائحتها التنفيذية.

وتُقسم وتُصرف حصيلة هذه الصناديق وفق نسبة محددة: عشرة بالمائة لصالح المجلس الأعلى للطرق الصوفية، وجزء للعاملين بالمسجد وخدمة الأضرحة لضمان تحسين دخولهم، بينما يُخصص الجزء الأساسي لصالح صندوق عمارة المساجد والأضرحة وصيانتها، وجزء للخليفة الذي يتبع الطريقة الصوفية صاحبة مولد ومقام الولي التابع له المسجد، وجزء لوزارة الداخلية المتمثلة في مديرية الأمن التي يتبعها الضريح والمسجد. وتتم الجرديات عبر لجان مشتركة وبمتابعة الكاميرات والتوريد المباشر لحسابات البنك المركزي المصري.

وفقًا للبيانات الرسمية لوزارة الأوقاف بشأن صناديق النذور التي يبلغ عددها نحو مائتين وواحد صندوق تم إحصاؤها موزعة على قرابة مائة واثنين وتسعين مسجدًا على مستوى الجمهورية، فقد تجاوزت الإيرادات ثلاثين مليون جنيه مصري خلال فترة أحد عشر شهرًا، وسُجلت إيرادات إجمالية بلغت نحو مائة وسبعة وثلاثين مليون جنيه خلال سبع سنوات. وتصنّف هذه المساجد إلى درجات: الدرجة الأولى وتضم كبار مساجد آل البيت كالحسين والسيدة زينب والسيدة نفيسة والإمام الشافعي والسيد البدوي بطنطا، والدرجة الثانية كمسجد السيدة عائشة والإبراهيمي بدسوق والمرسي أبو العباس بالإسكندرية والقنائي بقنا، والعارف بسوهاج والفرغل بأسيوط، والدرجة الثالثة كالأضرحة المحلية بالقرى والمحافظات.

بالإضافة إلى الأموال التي تُلقى من الزائرين للأضرحة على الضريح نفسه من خلال فتحات في المقاصير وهي بالآلاف يوميًا، وتقدر بالملايين في الموالد الكبيرة مثل مولد أحمد البدوي بطنطا ومولد سيدنا الحسين بالقاهرة.

وتمنع اللوائح الصناديق العشوائية غير المعتمدة، كما تنظم فتح المقاصير بلجان خماسية رسمية في أوقات دورية شهريًا أو عقب انتهاء الموالد الكبرى مباشرة.

وتخضع جرائم سرقة أو اختلاس أموال النذور لأحكام قانون العقوبات المصري وقوانين حماية الآثار، حيث تُعتبر أموالًا عامة وتصل عقوباتها إلى السجن المشدد والمؤبد للاختلاس والتزوير، أو الحبس مع الشغل للسرقات بظروف مشددة داخل دار عبادة، إضافة إلى العقوبات الإدارية التي تشمل الفصل النهائي والعزل من الوظيفة.

وقد شهدت السنوات الماضية وقائع موثقة مثل تحقيقات اختراق صناديق مسجد السيد البدوي بطنطا، وضبط لصوص بمسجد المرسي أبو العباس بالإسكندرية، ومحاولة كسر صندوق عبد الرحيم القنائي بقنا؛ وهي حوادث دفعت الدولة إلى تشديد منظومة التأمين والميكنة وكاميرات المراقبة لدرء أي تلاعب بالمال العام.

ونستكمل في المقال القادم بإذن الله.
-------------------------------------
بقلم: محمد عبد الشكور



مقالات اخرى للكاتب

مولد وصاحبه غايب (٢-٤) | خبايا صناديق النذور بالملايين وأسرار المقاصير الحديدية