01 - 11 - 2026

هل يحمل الاتفاق التركي الليبي تهديدًا لمصر أم فرصة لإعادة التفاوض؟

هل يحمل الاتفاق التركي الليبي تهديدًا لمصر أم فرصة لإعادة التفاوض؟

بين الحسابات التركية والمصالح المصرية.. قراءة استراتيجية في مقال صاحب «الوطن الأزرق»

في شرق المتوسط، لا تُرسم الحدود البحرية بالحبر وحده؛ بل تتقاطع عند كل خطٍّ مصالح الدول، وحسابات الطاقة، واعتبارات الأمن القومي، وتوازنات القوة، وقد تتحول مساحة من البحر لا تبدو على الخريطة سوى لون أو إحداثيات إلى ورقة استراتيجية تحدد من يمتلك حق استكشاف الثروات، ومن يملك حرية الحركة، ومن يستطيع التأثير في مستقبل التحالفات الإقليمية.

ومن هذه الزاوية، يستحق مقال الأميرال التركي المتقاعد البروفيسور جهاد يايجي، أحد أبرز المنظِّرين الأتراك لعقيدة "الوطن الأزرق"، قراءة تتجاوز الجدل السياسي المباشر حول الاتفاق التركي الليبي لترسيم مناطق الاختصاص البحري، فالرجل لا يكتفي بالدفاع عن الاتفاق الذي ارتبط اسمه بالتخطيط له، وإنما يوجِّه إلى مصرسؤالًا يحمل في ظاهره طابعًا قانونيًا، بينما يخفي في عمقه دعوة استراتيجية إلى إعادة النظر في خيارات القاهرة البحرية وعلاقاتها الإقليمية.

ففي مقاله المنشور يوم 24 أكتوبر 2026 تحت عنوان "أسأل مصر: أي منطقة بحرية ينتهكها الاتفاق التركي الليبي؟"، يطالب يايجي القاهرة بتحديد المنطقة البحرية التي ترى أن الاتفاق قد انتهكها، ويجادل بأن تعارض الاتفاق مع المطالب اليونانية لا يعني بالضرورة أنه اعتدى على حقوق مصر، ثم ينتقل من الدفاع عن الاتفاق إلىطرح أكثر طموحًا، مفاده أن التفاوض المباشر بين مصر وتركيا قد يتيح للقاهرة، وفق حساباته، مساحة بحرية أوسع من تلك التي حصلت عليها بموجب اتفاقاتها القائمة.

وهنا تبدأ أهمية المقال الحقيقية؛ فالسؤال ليس فقط ما إذا كانت الحجة التركية صحيحة أو خاطئة، بل لماذا يطرحها صاحب "الوطن الأزرق" في هذه اللحظة، وما الذي يريد تحقيقه من مخاطبة مصر بهذه اللغة، وهل تتضمن رؤيته فرصة يمكن للقاهرة اختبارها، أم أنها محاولة لإعادة تشكيل الموقف المصري بما يخدم الاستراتيجية التركية في شرق المتوسط؟

ومن الدفاع عن الاتفاق إلى استدراج مصر نحو معادلة جديدة ينطلق يايجي من قاعدة تبدو، في حد ذاتها، منطقية: الاعتراض على اتفاق لترسيم الحدود البحرية ينبغي أن يستند إلى خريطة وإحداثيات وأسانيد قانونية محددة، فلا يكفي، في نظره، إعلان رفض الاتفاق أو وصفه بالبطلان؛ بل يجب بيان المنطقة التي وقع عليها الاعتداء المزعوم، وطبيعة الحق البحري الذي جرى المساس به، والأساس القانوني الذي يستند إليه الاعتراض.

وبناءً على ذلك، يفصل الكاتب بين مطالب اليونان البحرية وبين الحقوق المصرية، معتبرًا أن تعارض الاتفاق التركي الليبي مع التصورات اليونانية بشأن امتداد المناطق البحرية للجزر، وفي مقدمتها كريت، لا يثبت تلقائيًا وقوع انتهاك لحقوق مصر.

هذه هي نقطة الارتكاز الأساسية في حجته، فهو يحاول نقل النقاش من مساحة التضامن السياسي بين القاهرة وأثينا إلى مساحة الحسابات القانونية المستقلة، وكأنه يقول للمصريين: لا تجعلوا الخلاف التركي اليوناني هو الذي يحدد موقفكم، بل انظروا إلى ما تحقق لمصر فعلًا، وما يمكن أن تحققه من خيارات أخرى.

لكن هذا الانتقال، على الرغم من أهميته، لا يحسم المسألة، فإثبات عدم وقوع تداخل مع منطقة بحرية مصرية يتطلب فحص الإحداثيات والخرائط ذات الصلة، ولا يكفي فيه رأي أحد أطراف النزاع، كما أن الاعتراض المصري على الاتفاق لا يمكن اختزاله في ترديد الموقف اليوناني، مثلما لا يمكن اختزال الدفاع التركي عنه في القول إن الحقوق المصرية لم تتأثر.

إن السؤال القانوني الصحيح ليس مجرد: هل انتهك الاتفاق منطقة مصرية؟ وإنما أيضًا: ما الأثر الذي يمكن أن يترتب عليه في توزيع الحقوق البحرية، وما علاقته بالاتفاق المصري اليوناني، وما مدى إمكانية الاحتجاج به في مواجهة دولة ثالثة، وما الخيارات القانونية المتاحة لكل طرف؟ وهذه أسئلة لا تجيب عنها الشعارات، بل الأدلة والخرائط وقواعد القانون الدولي. 

ولفهم خطاب يايجي، ينبغي النظر إلى مفهوم "الوطن الأزرق" في سياقه الاستراتيجي، فهذه العقيدة لا تتعامل مع البحر بوصفه حدودًا جغرافية فحسب، بل باعتباره امتدادًا لمجال الأمن القومي التركي، ومصدرًا للثروة، ومساحة للمنافسة على النفوذ، وأداة لتعزيز المكانة الإقليمية، فهو عقيدة استراتيجية وليس مجرد خريطة بحرية. 

ومن هذا المنطلق، فإن الاتفاق التركي الليبي الموقّع في 27 نوفمبر 2019 لم يكن مجرد إجراء فني لترسيم حدود بحرية بين دولتين؛ بل مثَّل خطوة سياسية وقانونية تهدف إلى تثبيت تصور تركي للحدود البحرية في شرق المتوسط، يقوم على إعطاء وزن كبير للسواحل الرئيسية المتقابلة، وعدم منح الجزر تأثيرًا يؤدي، وفق الرؤية التركية، إلى إغلاق الامتداد البحري للبر التركي.

وتختلف اليونان مع هذا التصور، إذ تتمسك بحقوق الجزر في توليد مناطق بحرية وفق قواعد قانون البحار، مع اختلاف مدى تأثير هذه الجزر عند إجراء الترسيم، وهكذا، لا يدور الخلاف حول ملكية الجزر ذاتها فقط، بل حول الأثر الذي ينبغي أن يُمنح لسواحلها عند رسم الحدود البحرية بين الدول.

ومن هنا، فإن الاتفاق التركي الليبي يؤدي وظيفة تتجاوز علاقته المباشرة بليبيا؛ فهو يمنح أنقرة أداة لتثبيت موقفها في مواجهة التصورات اليونانية، ويضع خطوط الترسيم في قلب شبكة أوسع من التنافس على الطاقة والتحالفات ومشروعات البنية التحتية البحرية.

وعندما يخاطب يايجي مصر، فإنه لا يتحدث من فراغ، ولا يقدم مقترحًا هندسيًا محايدًا تمامًا عن مصالح بلاده، إنه يتحدث من داخل استراتيجية تركية تريد أن تجعل تصورها للحدود البحرية أساسًا لأي تفاوض لاحق في المنطقة.

وهذا لا يعني أن كل ما يطرحه غير صحيح، لكنه يعني أن قراءته يجب أن تبدأ من إدراك موقعه ومصالحه، فالدول والخبراء الذين يدافعون عن سياسات بلادهم قد يقدمون حججًا فنية تستحق الفحص، لكن قبول هذه الحجج يجب أن يأتي بعد اختبارها، لا قبل ذلك.

ومن أكثر عناصر المقال إثارة للانتباه حديث يايجي عن إمكانية حصول مصر على مساحة بحرية إضافية إذا تفاوضت مع تركيا وفق التصور الذي يطرحه، فيستند إلى حسابات ينسبها إلى دراساته السابقة، ويذكر أن مصر قد تحصل، وفق المقارنة التي يقدمها، على مساحة إضافية تبلغ 6,443 كيلومترًا مربعًا مقارنة بما يتيحه اتفاقها مع اليونان، و14,860 كيلومترًا مربعًا مقارنة باتفاقها مع قبرص، بإجمالي يصل إلى 21,303 كيلومترات مربعة.

وهذا الرقم كبير بما يكفي لجذب الانتباه، ويبدو أن أنقرة تدرك جيدًا جاذبية هذا الطُّعم حين تضع أمام القاهرة احتمال الحصول على مساحة بحرية إضافية تتجاوز 21 ألف كيلومتر مربع؛ وكأنها تحاول إغراء مصر بمكسب جغرافي ضخم قد يدفعها إلى إعادة النظر في موقفها من الاتفاق التركي الليبي، وإعادة حساب علاقاتها البحرية والإقليمية. 

غير أن هذا الإغراء، مهما بدا مغريًا على الورق، لا ينبغي أن يحجب حقيقة أن الرقم يظل تقديرًا يطرحه الجانب التركي وفق حساباته ورؤيته الخاصة، وليس حقًا مصريًا ثابتًا ثبت التفريط فيه، ولا مكسبًا مضمونًا يمكن تحصيله بمجرد تغيير الموقف السياسي، فبين المساحة التي تُرسم على الخريطة، والحق الذي يثبته القانون، والثروة التي يمكن استخراجها فعليًا، مسافات لا يجوز اختزالها في رقم لافت أو وعد جذاب.

ولكي يصبح هذا الطرح قابلًا للتقييم، لا بد من نشر الخرائط التي بُني عليها، والإحداثيات المستخدمة، ومنهجية حساب المساحات، والافتراضات المتعلقة بأثر الجزر والسواحل المتقابلة، كذلك فإن مقارنة اتفاقين بحريين لا تعني بالضرورة أن الفارق بينهما يمثل مساحة يمكن إضافتها مباشرة إلى المنطقة الاقتصادية الخالصة المصرية، فكل اتفاق يُقيّم في ضوء نطاقه الجغرافي، والأطراف المعنية به، والحقوق المتداخلة، والقواعد القانونية التي تحكم الترسيم.

وهناك تمييز آخر لا يقل أهمية: المساحة البحرية ليست ثروة مكتشفة بالضرورة، فوجود منطقة إضافية على الخريطة لا يعني وجود احتياطيات مؤكدة من الغاز أو النفط فيها، ولا يضمن أن استغلالها سيكون مجديًا اقتصاديًا، لكن حق الاستكشاف والاستفادة من الموارد المحتملة يظل عنصرًا استراتيجيًا مهمًا، حتى عندما لا تكون تلك الموارد قد اكتُشفت بعد.

لذلك، فإن الموقف العلمي الصحيح ليس رفض الرقم لأنه صادر عن خبير تركي، ولا قبوله لأنه يعد بمكسب لمصر؛ بل إخضاعه لمراجعة مصرية مستقلة، يشارك فيها خبراء القانون الدولي والعلاقات الدولية والاستراتيجية والهندسة البحرية والجغرافيا والاقتصاد والطاقة.

فإذا ثبتت قوة الحسابات، وجب أن تُدرس بجدية، وإذا كشفت المراجعة عن افتراضات خبيثة أو غير سليمة أو مبالغات في تقدير المكاسب، وجب توضيحها بالأدلة.

وينتقل يايجي من الدفاع عن اتفاق بلاده مع ليبيا إلى طرح سياسي أكثر دلالة: لماذا لا تبحث مصر إمكانية التوصل إلى تفاهم بحري مع تركيا، يستند إلى السواحل الرئيسية المتقابلة ويحقق، بحسب تصوره، نتيجة أكثر إنصافًا للقاهرة؟

والفكرة تستحق الدراسة من حيث المبدأ؛ فالدول ليست ملزمة بأن تبقى خياراتها الدبلوماسية ثابتة إلى الأبد، والتنافس السياسي لا يمنع التفاوض عندما تتوافر مصالح مشتركة، كما أن وجود خلافات بين مصر وتركيا في مرحلة سابقة لا يعني استحالة التفاهم بينهما في ملفات محددة، لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول احتمال التفاوض إلى افتراض بأن تركيا تستطيع ببساطة أن تمنح مصر مساحة بحرية إضافية.

فلا تركيا تملك حقوق مصر البحرية، ولا تستطيع أي دولة أن تمنح دولة أخرى حقوقًا لا تملكها أو أن تحسم بمفردها حقوق الأطراف الثالثة، وما يمكن أن يحدث هو تفاوض على ترسيم منطقة بحرية مشتركة بين الطرفين، وفق قواعد القانون الدولي، وبما يراعي الحقوق ذات الصلة للدول الأخرى.

وبالتالي، فإن القيمة الحقيقية لأي تفاهم مصري تركي لن تكون في مجرد توقيع اتفاق جديد، بل في مدى سلامة أساسه القانوني، وقابليته للدفاع عنه أمام الاعتراضات المحتملة، والنتائج الاقتصادية والاستراتيجية التي يمكن أن يحققها، والتكلفة السياسية التي قد تترتب عليه.

ولا بد كذلك من مقارنة المكاسب المحتملة بالمخاطر والتهديدات، فإعادة فتح ملف الحدود البحرية قد تؤثر في علاقات مصر مع اليونان وقبرص، وفي حسابات التعاون الإقليمي في مجال الطاقة، وفي المشروعات المشتركة التي تتطلب استقرارًا قانونيًا طويل الأجل، وفي المقابل، قد يفتح التفاهم مع تركيا مسارات جديدة للتعاون أو يخفف بعض أوجه التنافس.

فليس المطلوب إذن رفض الفكرة لمجرد أن صاحبها تركي او بمعنى أدق نابعة من توجه سياسي تركي، ولا تبنيها لمجرد أنها تعد بمساحة أكبر، والمطلوب هو حساب استراتيجي متكامل يحدد ما الذي ستكسبه مصر، وما الذي قد تخسره، وما قد تقع فيه من أشراك، وما البدائل المتاحة أمامها.

ويستند الجدل في شرق المتوسط إلى اختلافات حقيقية في تفسير قواعد ترسيم الحدود البحرية، خصوصًا فيما يتعلق بتأثير الجزر وموقعها بالنسبة إلى السواحل الرئيسية، ففي حين تؤكد تركيا أن الترسيم ينبغي أن يراعي أطوال السواحل واتجاهاتها، وأن الجزر لا ينبغي أن يؤدي تأثيرها إلى حرمان الساحل الرئيسي المقابل من امتداده البحري بصورة غير منصفة، نجد اليونان تتمسك بأن الجزر يمكن أن تولِّد مناطق بحرية وفق القانون الدولي، مع مراعاة الظروف ذات الصلة عند إجراء الترسيم.

ولكن القانون الدولي لا يختزل المسألة في قاعدة مطلقة تقول إن السواحل الرئيسية تتغلب دائمًا على الجزر، أو إن كل جزيرة تستحق الأثر الكامل نفسه الذي يستحقه الساحل القاري، فالمادة 74 من اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار تتناول ترسيم المنطقة الاقتصادية الخالصة، والمادة 83 تتناول ترسيم الجرف القاري، وكلتاهما تشددان على التوصل إلى اتفاق يستند إلى القانون الدولي بهدف تحقيق حل منصف.

وقد تؤثر الجزر في نتيجة الترسيم بدرجات مختلفة، بحسب موقعها وحجمها وسائر الظروف الجغرافية والقانونية ذات الصلة، ولذلك لا يكفي الاستناد إلى مبدأ الإنصاف من دون بيان كيفية تطبيقه على الحالة المعنية، وهنا ينبغي التعامل بحذر مع حجة يايجي، فكونها تستند إلى اعتبارات جغرافية قابلة للنقاش لا يجعلها بالضرورة النتيجة القانونية الوحيدة الممكنة، كما أن وجود اعتراض يوناني لا يجعل التصور التركي باطلًا تلقائيًا.

فالمعيار هو الحجة القانونية، والوقائع الجغرافية، وطبيعة الحقوق المتداخلة، والاتفاقات ذات الصلة، ومدى اتساق خط الترسيم المقترح مع قواعد القانون الدولي، ومن المهم أيضًا التمييز بين تسجيل اتفاق لدى الأمم المتحدة وبين إصدار حكم قضائي بشأن صحته، فتسجيل الاتفاق التركي الليبي في مجموعة معاهدات الأمم المتحدة إجراء يتعلق بتسجيل المعاهدة ونشرها، ولا يمثل في ذاته تصديقًا أمميًا على سلامة كل أحكامها أو حسمًا للنزاع القائم حول آثارها.

كذلك، فإن الاتفاق الثنائي لا يحسم تلقائيًا حقوق دولة ثالثة لم تكن طرفًا فيه، ولذلك يجب الفصل بين مدى سريانه بين تركيا وليبيا، ومدى إمكانية الاحتجاج به على مصر أو غيرها، ومدى توافقه مع حقوق تلك الدول، وهذه ليست تفاصيل قانونية هامشية، بل هي صلب المسألة التي ينبغي أن تبني مصر موقفها عليها.

ولعل ما يمنح هذا الجدل بُعدًا استراتيجيًا أكثر تعقيدًا هو التحول في الموقف الليبي خلال أكتوبر 2026؛ إذ صوَّت مجلس النواب الليبي في شرق البلاد، في 20 أكتوبر، لصالح الاتفاق البحري التركي الليبي، في تحول عن موقفه السابق الرافض له، وقد أثار هذا التطور اعتراضات مصرية ويونانية وقبرصية، بينما اعتبرته أنقرة خطوة تعزز موقفها السياسي والقانوني، ومن هنا، لا يعود السؤال مقتصرًا على مضمون الاتفاق وحدوده البحرية، بل يمتد إلى دلالات إعادة اصطفاف المؤسسات الليبية، وما قد يترتب عليها من تغيِّر في موازين التفاوض شرق المتوسط، وهو ما يستدعي التوقف عند أبعاد هذه الخطوة وانعكاساتها المحتملة على المصالح المصرية.

وتكمن أهمية التصويت في أنه يغيِّر المشهد السياسي الليبي المحيط بالاتفاق، ويمنح تركيا فرصة للقول إن الاتفاق يحظى بدعم أوسع داخل المؤسسات الليبية، لكنه لا ينهي تلقائيًا كل التساؤلات القانونية المتعلقة بظروف توقيعه الأصلية، أو الصلاحيات التي استند إليها، أو مدى تأثيره في حقوق الدول الأخرى، فالقرار البرلماني الليبي تطور سياسي وقانوني مهم، لكنه لا يستطيع بمفرده تغيير الجغرافيا، ولا يحسم نزاعًا دوليًا لمجرد أن أحد الأطراف عزز موقفه الداخلي.

وهنا تظهر ضرورة ألا تتعامل القاهرة مع التطور باعتباره مجرد خلاف مع تركيا، بل باعتباره ملفًا يتطلب مراجعة دقيقة للموقف القانوني، والتواصل مع المؤسسات الليبية المختلفة، وتقدير انعكاساته على المصالح المصرية في شرق المتوسط، فليبيا ليست مجرد طرف في اتفاق بحري؛ إنها دولة جوار ذات أهمية استراتيجية مباشرة لمصر، واستقرارها وتماسك مؤسساتها وعلاقاتها الخارجية عوامل تؤثر في الأمن القومي المصري على أكثر من مستوى.

ومن ثم، فإن إدارة الخلاف البحري ينبغي ألا تتحول إلى قطيعة مع المسار الليبي الأوسع، ولا إلى تجاهل لحقوق مصر بحجة الحفاظ على العلاقات السياسية.

ومن النقاط التي يسعى يايجي إلى ترسيخها أن تحدد مصر مصالحها البحرية انطلاقًا من حساباتها الوطنية المستقلة، لا من مجرد التوافق مع المطالب اليونانية، وهذه دعوة تستحق المناقشة، شريطة التمييز بين استقلال القرار المصري وبين التضحية بشراكات إقليمية قائمة؛ فليس مطلوبًا من القاهرة أن تختار بين اليونان وتركيا اختيارًا مطلقًا، وإنما أن تقيِّم كل تفاهم أو شراكة وفق ما يحققه من مصالح فعلية، وما قد يرتبه من التزامات ومخاطر، ومدى اتساقه مع حقوقها البحرية وقواعد القانون الدولي.

والعلاقات الدولية ليست معسكرات مغلقة دائمًا، فقد تتعاون الدول في ملف، وتختلف في ملف آخر، وتعيد تقييم مواقفها عندما تتغير الظروف، ولا توجد ضرورة استراتيجية تفرض على مصر الاختيار بين أثينا وأنقرة، فالشراكة المصرية اليونانية لها أبعاد سياسية واقتصادية وأمنية، كما أن التعاون مع قبرص يرتبط بمصالح الطاقة والتنسيق الإقليمي، وفي الوقتنفسه، فإن تحسين العلاقات المصرية التركية قد يفتح فرصًا للتجارة والاستثمار والتنسيق الإقليمي، وربما يتيح معالجة بعض الخلافات من خلال التفاوض.

فالسؤال الاستراتيجي إذن ليس: مع من تقف مصر؟ بل: كيف توظف مصر علاقاتها المختلفة لتحقيق مصالحها، من دون أن تتحول الشراكات إلى التزامات غير قابلة للمراجعة، أو تتحول الخلافات إلى خصومات دائمة؟ ومن هذا المنظور، يمكن لمصر أن تدرس المقترحات التركية، وأن تطالب في الوقت نفسه بتوضيحات قانونية بشأن الاتفاق مع ليبيا، وأن تحافظ على تعاونها مع اليونان وقبرص، فالتفاوض ليس تنازلًا تلقائيًا، كما أن التحالف لا يعني التخلي عن استقلال القرار الوطني.

ولكن أي إعادة ترتيب للعلاقات ينبغي أن تتم على أساس المصالح المحسوبة، لا على أساس وعود غير مختبرة أو افتراضات بأن كل طرف قادر على تقديم مكاسب مجانية للطرف الآخر.

وفي شرق المتوسط، ترتبط أهمية الحدود البحرية بما يمكن أن تمنحه من حقوق في استكشاف الموارد الطبيعية واستغلالها، لكنها ترتبط أيضًا بالبنية التحتية اللازمة لتحويل هذه الموارد إلى قيمة اقتصادية، وتتمتع مصر بأهمية خاصة في هذا المجال بفضل منشآت إسالة الغاز القائمة لديها، وقدرتها على استقبال الغاز ومعالجته وتصديره ضمن شبكة من العلاقات التجارية والإقليمية، وهذه البنية التحتية تمنح القاهرة ورقة استراتيجية تتجاوز مجرد امتلاك مساحة بحرية أو اكتشاف حقل جديد.

ولكن يجب التمييز بين ثلاثة مستويات مختلفة: الحق القانوني في المنطقة البحرية، ووجود موارد قابلة للاستخراج، والقدرة الاقتصادية والتقنية على إنتاج هذه الموارد وتسويقها، فكل مستوى منها يحتاج إلى شروط مستقلة، ولا يترتب أحدها تلقائيًا على الآخر، فقد تكون لمصر مصلحة في توسيع مجالها المحتمل للاستكشاف، لكن ذلك لا يعني أن كل مساحة إضافية ستنتج غازًا، أو أن كل اكتشاف محتمل سيحقق عائدًا اقتصاديًا مجديًا، كما أن الاستفادة من الموارد تتطلب استثمارات وتكنولوجيا ووقتًا، فضلًا عن استقرار الإطار القانوني الذي يسمح للشركات بالعمل.

ولهذا، فإن التقييم الاستراتيجي لأي اتفاق بحري ينبغي ألا يقتصر على حساب الكيلومترات المربعة، بل يجب أن يربط المساحة بالموارد المحتملة، وتكلفة الاستكشاف، ومخاطر الاستثمار، وطرق النقل والتصدير، والعائد الاقتصادي المتوقع، فإن القيمة الحقيقية للبحر لا تكمن في المساحة وحدها، بل في قدرة الدولة على تحويل حقوقها البحرية إلى إنتاج وثروة ونفوذ.

فإذا أرادت مصر التعامل مع الطرح التركي المتمثل في فكرة جهاد يايجي بمنهج استراتيجي، فإن البداية ينبغي أن تكون بإجراء مراجعة فنية وقانونية مستقلة لجميع السيناريوهات ذات الصلة، بما فيها التصور الذي يطرحه الكاتب التركي.

ويجب أن تتضمن هذه المراجعة نشرًا أو فحصًا متخصصًا للإحداثيات والخرائط، ومقارنة واضحة بين الاتفاقات القائمة والبدائل المحتملة، وتقييمًا لأثر الجزر والسواحل الرئيسية وفق قواعد القانون الدولي، كما ينبغي أن تفصل بين المساحات البحرية التي تدخل بالفعل في نطاق الحقوق المصرية، والمساحات التي مازالت محل نزاع أو افتراض.

وبعد ذلك، يمكن دراسة الخيارات الدبلوماسية المتاحة، بما في ذلك الحوار مع تركيا، وتطوير التنسيق مع اليونان وقبرص، والتواصل مع المؤسسات الليبية، مع تجنب تحويل أي مسار تفاوضي إلى التزام مسبق بالتنازل عن حقوق قائمة.

وكذلك، ينبغي ألا تُترك القضية حبيسة دوائر السياسة الخارجية وحدها، فالمصالح البحرية تتطلب تنسيقًا بين خبراء القانون والبحوث الجغرافية والطاقة والاقتصاد والأمن القومي، لأن القرار السليم لا يُبنى على خط مرسوم على الخريطة فقط، بل على فهم كامل لما يمثله هذا الخط من حقوق وتكاليف وفرص ومخاطر، والأهم أن تمتلك مصر تصورها المستقل، بدل أن تكتفي بالرد على الخرائط التي يطرحها الآخرون، فالدولة التي لا تصوغ خياراتها بنفسها قد تجد نفسها مضطرة إلى الاختيار بين بدائل وضعها خصومها أو شركاؤها وفق حساباتهم الخاصة.

وتكمن أهمية مقال جهاد يايجي في أنه يفتح بابًا للنقاش حول بدائل الترسيم البحري المصري، ويطرح سؤالًا يستحق الإجابة بالأدلة: هل يمكن لمصر أن تحقق مصالح بحرية أوسع من خلال تفاهم جديد مع تركيا؟

لكن المقال، في الوقت نفسه، يعكس رؤية استراتيجية تركية تسعى إلى تعزيز شرعية التصور الذي قامت عليه عقيدة "الوطن الأزرق"، وإلى توسيع مساحة قبوله إقليميًا، ومن ثمة، ينبغي قراءة مقترحاته بوصفها طرحًا صادرًا عن طرف له مصالح واضحة، لا باعتبارها حكمًا قانونيًا نهائيًا أو عرضًا محايدًا لمكاسب مصرية مؤكدة.

وليس مطلوبًا من مصر أن ترفض كل فكرة تأتي من تركيا، كما ليس مطلوبًا منها أن تتبنى حسابات يايجي لمجرد أنها تبدو مغرية، والمطلوب هو أن تضع هذه الحسابات تحت الاختبار، وأن تقارنها ببدائلها، وأن تحكم عليها وفق ما تحققه من حقوق ومصالح فعلية.

فالقوة الاستراتيجية لا تعني التشبث بالموقف السابق لمجرد أنه أصبح جزءًا من السياسة القائمة، ولا تعني تغيير المواقف لمجرد أن طرفًا آخر يعد بمكاسب أكبر، إنها القدرة على مراجعة الخيارات دون التفريط في الحقوق، والتفاوض دون الوقوع في التبعية، وبناء التحالفات دون التنازل عن استقلال القرار.

وفي شرق المتوسط، لا تكفي مساحة البحر وحدها لصناعة النفوذ، كما لا تكفي قوة الأسطول وحدها لحسم النزاعات القانونية، إنما تتكامل القوة حين تلتقي سلامة الموقف القانوني مع كفاءة الدبلوماسية، ووضوح الرؤية الاقتصادية، والقدرة على بناء التحالفات وإدارة التنافس.

ولعل الدرس الأهم الذي ينبغي أن تستخلصه مصر من مقال صاحب "الوطن الأزرق" ليس أن تركيا تملك الحل، ولا أن الاتفاق التركي الليبي يمثل بالضرورة خسارة مصرية، بل أن كل خريطة يطرحها الآخرون يجب أن تقابلها خريطة مصرية مدروسة، وكل رقم يعلنونه يجب أن يخضع للتدقيق، وكل فرصة تفاوضية يجب أن تُقاس بمصالح الدولة لا بحسابات أصحابها.

ففي معركة خرائط المتوسط، لا تُحمى الحقوق بمجرد إعلان امتلاكها؛ بل بإثباتها قانونيًا، وتقدير قيمتهااقتصاديًا، وتحويلها إلى أوراق قوة تفاوضية واستراتيجية.
-------------------------------
بقلم: 
أحمد حمدي درويش️

مقالات اخرى للكاتب

حين تتمرد الشعوب على اقتصاد السوق