تعودنا من صناع الدراما في مصر على وصفة درامية جاهزة ومضمونة لضمان نسب مشاهدة عالية وركوب موجات التريند: هات قضية شائكة تهم المرأة في المقام الأول، أضف إليها رجلًا خائنًا، متعدّدًا، أو متحرشًا، وبلا إحساس بالمسؤولية أو الإنفاق، واخلط الجميع بمشاهد بكاء، وتوليفة بين الانتقام والتضحية!
وبما أننا أمام حبكة تغلب عليها قضايا المرأة، فالتعاطف الفطري يدفعنا لأن نكون صفًّا واحدًا مع الزوجة المقهورة، ربما لأن كلًّا منا يرى في هذه الشخصية احتمالًا لزوجة أو امرأة قد تقابلها ظروف مشابهة يومًا ما. هذا بالفعل هو أصدق وصف لحالة العلاقات والتوترات التي تشهدها الشاشات.
ولكن... لو تأملنا قليلًا في تفاصيل الأزمات التي تعرضها هذه الأعمال، سنكتشف أن كثيرًا من هذه المشكلات كان حلها أولًا الشجاعة، وثانيًا الصراحة!
فهناك أزمات تُحل بكلمة واحدة أو جملة واحدة، وبعدها يأتي الكثير من الأحداث؛ لأننا في مصر، الأمور تختلف.
في مصر، رؤية «التعدد» حكاية خاصة جدًا؛ فكثيرًا ما يُستخدم كغطاء للهروب أو كنوع من «الترضية المؤقتة» بدلًا من المواجهة الحقيقية، تحت مسميات مختلفة... فهناك الزواج الشرعي الذي يُعقد سرًّا بعيدًا عن علم الزوجة الأولى، وقد يظل الأمر طي الكتمان حتى يُفاجأ به الأبناء أو الورثة، وهناك الزواج العرفي الذي قد تلجأ إليه بعض العلاقات بعيدًا عن التوثيق الرسمي، بما قد يترتب عليه من تعقيدات في إثبات الحقوق وحمايتها، بحسب ظروف كل حالة.
ولن أتطرق هنا إلى زواج المتعة أو زواج الويك إند، لكنني أتوقف أمام سؤال طرحه عليَّ أحد الأزواج المصريين ذات مرة: لماذا ترفض الزوجة المصرية التعدد، رغم أن الأمر في بعض مجتمعات الخليج يبدو أكثر قبولًا، بل إن الأهل قد يباركون الزواج الثاني، وفي بعض الحالات تشارك الزوجة الأولى في اختيار الزوجة الثانية؟
ورغم أنني لم أبحث في هذه المسألة بشكل موسع يسمح لي بالتعميم، فإنني أرى أن للتجربة المصرية خصوصيتها؛ فالأمر لا يتعلق بمجرد زواج رجل من امرأة أخرى، بل بمنظومة كاملة تبدأ من تأسيس بيت الزوجية، الذي تتحمل الزوجة جزءًا من تكاليفه، مرورًا بعملها ومساهمتها في نفقات الأسرة، ثم رعايتها للبيت والأبناء دون الاستعانة بخادمة، وقد تمتد مسؤولياتها إلى رعاية والدي الزوج إذا احتاجا إلى ذلك.
وفي النهاية، قد تجد المرأة نفسها أمام سؤال موجع: بعد كل ما قدمته، هل أصبحت امرأة واحدة لا تكفي؟ وهنا، في رأيي، يكمن مربط الفرس.
فالمرأة قد ترى في المرأة الأخرى سارقةً، قامت بالسطو على أنوثتها وكيانها، وترى أن الأخرى أصبحت أفضل منها في نظر الرجل، وربما تتسامح في كونها عشيقة، لكنها لا تتسامح بسهولة مع فكرة أن امرأة أخرى سلبت قلب زوجها، وأصبحت تشاركها مكانتها، رغم كل ما قدمته من تضحيات.. ولها الكثير من الحق في ذلك؛ فالأمر لا يتعلق بمجرد وجود امرأة أخرى، بل بما قد يمثله ذلك من شعور بالتهميش، أو بأن كل ما قدمته لم يكن كافيًا.
ولكن لماذا توافق امرأة على الزواج من رجل مرتبط بامرأة أخرى، كما تسمح العادات والتقاليد المصرية في بعض الحالات؟ لماذا ترضى بنصف الأشياء، ونصف قلب، ونصف كيان، ونصف رجل؟ ولماذا تقبل أن تكون في الظل، على الرغم من أن كثيرات يرفضن التعدد، وربما انفصلت إحداهن عن زوجها لأنه تزوج عليها، بينما تقبل أخرى أن تكون الزوجة الثانية؟
ربما تختلف الإجابة من امرأة إلى أخرى، فهناك من ترى أن الزواج الثاني حق للرجل، وهناك من تتعلق بالرجل إلى حد يجعلها تقبل بما لم تكن تتصوره يومًا، وهناك من تظن أن بإمكانها الحصول على نصيبها من السعادة حتى لو كانت في الظل. لكن ما يبدو غريبًا أن بعض النساء يرفضن هذا الوضع لأنهن يرينه انتقاصًا من كرامتهن، بينما تقبله أخريات رغم إدراكهن لما قد يترتب عليه من ألم وتعقيدات.
ونأتي إلى الأهم: لماذا توافق المرأة من الأساس؟
سواء وافقتني أم لا، فإننا نعيش في مجتمع ذكوري؛ إذا تأخرت البنت في الزواج، تصبح في نظر البعض عانسًا، وإذا طُلقت، يُنظر إليها أحيانًا على أنها سهلة المنال، وإذا لم تكن تعمل، احتاجت إلى من يعيلها، وإذا كانت تمتلك الحد الأدنى من الجمال، فقد تجد نفسها تحت ضغط اجتماعي يدفعها إلى البحث عمن يحميها أو يوفر لها الأمان.
وهناك امرأة أحبت رجلًا، فتغاضت عن مخاوفها ووافقت على الزواج منه، رغم ارتباطه بأخرى. وسواء كانت محقة أم لا، فهناك دائمًا استثناءات للقواعد، وظروف لا يمكن الحكم عليها من الخارج.
ونعود إلى الرجل الذي يتزوج ويرغب في الارتباط بأخرى: ألم يكن الأجدر به أن يقولها بصراحة، ويواجه زوجته بالحقيقة، ويمنحها فرصة الاختيار، بدلًا من أن يتركها تكتشف الأمر بالمصادفة؟ وإذا كان يرى أن حياته مع زوجته الأولى لم تعد تناسبه، ألم يكن الأجدر به أن ينفصل باحترام قبل أن يبدأ حياة جديدة، بدلًا من أن يهدم بيتين بطريقة عشوائية؟ أم أن مصارحة الزوجة الأولى وترك الاختيار لها هو الحل، حتى لو كان قرارها لا يتفق مع رغبته؟
في النهاية، لا أظن أن الحكاية كلها تتعلق بحق الرجل في التعدد، ولا بحق المرأة في رفضه، بقدر ما تتعلق بالمسؤولية التي تسبق القرار، والصدق الذي يجب أن يصاحبه.
فليس كل ما أباحه الشرع يصلح أن يُمارَس بلا تقدير للعواقب، وليس كل ما يملكه الإنسان من حقوق يبرر له أن يتجاهل ما يترتب عليها من مسؤوليات. فالزواج ليس مجرد علاقة تُضاف إلى حياة الرجل، بل حياة كاملة قد تتغير بسبب قراره، وقلوب قد تُجرح، وأبناء قد يدفعون ثمن اختيارات لم يكونوا طرفًا فيها.
وإذا كان التعدد حقًا، فالصراحة مسؤولية، والعدل ليس شعارًا يُرفع لتبرير القرار، بل التزام ثقيل لا يُقاس بالكلام وحده.
أما المرأة التي ترفض أن تكون واحدة من اثنتين، فليس بالضرورة أنها تعترض على حكم شرعي، ولا يعني قبول امرأة أخرى أنها أقل كرامة أو أكثر تسامحًا؛ فلكل امرأة حساباتها وظروفها وحدودها التي لا تستطيع تجاوزها.
لكن يبقى السؤال الذي يستحق أن نواجه به أنفسنا: لماذا نطلب من المرأة أن تتفهم كل شيء، وأن تضحي وتتحمل وتعتاد، بينما نعجز أحيانًا عن منحها أبسط حقوقها في المعرفة والاختيار؟
ربما لم تكن أزمتنا يومًا في أن امرأة واحدة لا تكفي، بل في أن بعض الرجال يريدون أكثر من حياة، دون أن يتحملوا بصدق مسؤولية الحياة التي يتركونها خلفهم.
فالمشكلة ليست دائمًا في أن يبدأ الرجل حياة جديدة، بل في الطريقة التي يختار بها أن يبدأها؛ لأن الصراحة قد تنهي علاقة، لكنها على الأقل لا تجعل الخداع أساسًا لعلاقة أخرى.
-----------------------------------------
بقلم: أسماء حامد







