تؤكد الاحتجاجات التي تشهدها فرنسا في أكتوبر 2026، والتي امتدت من مطالب الطلاب إلى قضايا غلاء المعيشة وارتفاع أسعار الوقود وتراجع القدرة الشرائية، أن الأزمات الاقتصادية لا تُقاس بمؤشرات النمو وحدها، وإنما بمدى انعكاسها على حياة المواطنين وقدرتهم على تلبية احتياجاتهم الأساسية. وقد أسهمت تداعيات الحرب الروسية الأوكرانية، ثم الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، في زيادة الضغوط على أسواق الطاقة وتكاليف المعيشة. [1]
وتعيد هذه الاحتجاجات إلى الذاكرة أحداث مايو 1968 في فرنسا، حين تحول الحراك الطلابي إلى حركة اجتماعية وسياسية واسعة شارك فيها العمال وملايين المضربين. وقد تجاوزت آثارها حدود فرنسا، لتصبح رمزًا عالميًا لرفض التهميش والمطالبة بالكرامة والعدالة وحق الناس في المشاركة والتعبير. [2]
والدرس الذي ينبغي أن نتعلمه في مصر هو أن العدالة الاجتماعية ليست عبئًا على الاستقرار، بل أحد أهم ضماناته. فحين تتراجع القدرة الشرائية للأسر، وتتزايد أعباء الغذاء والسكن والمواصلات والطاقة، يصبح تخفيف هذه الأعباء أولوية وطنية لا تحتمل التأجيل.
ومن هذا المنطلق، فإن عدم زيادة أسعار الوقود في الفترة الأخيرة، في ظل الضغوط التي يتعرض لها المواطن المصري، خطوة تستحق التقدير. لكن المطلوب أن تتكامل هذه الخطوة مع سياسات تحمي دخول أصحاب المعاشات والعمال ومحدودي ومتوسطي الدخل، وتواجه ارتفاع الأسعار، وتضمن توزيعًا أكثر عدالة لأعباء الإصلاح الاقتصادي.
وفي المقابل، فإن مشاهد الاستهلاك الباذخ لدى بعض الفئات الثرية، في وقت تعجز فيه أسر عن الوفاء باحتياجاتها الأساسية، تثير تساؤلات مشروعة عن العدالة الضريبية، وتكافؤ الفرص، ومصادر الثروة غير المشروعة. وليس المطلوب التضييق على الثروة المشروعة أو معاداة النجاح، وإنما تطبيق القانون على الجميع، ومكافحة الفساد والتهرب الضريبي، وإعمال مبدأ «من أين لك هذا؟» في مواجهة الثراء غير المشروع، حتى يشعر المواطن بأن القانون لا يحابي الأقوياء ولا يثقل كاهل الضعفاء.
لكن العدالة الاجتماعية لا تكتمل من دون إصلاح سياسي جاد. فنحن بحاجة إلى مراجعة نظام الانتخابات البرلمانية بما يضمن تمثيلًا حقيقيًا للإرادة الشعبية، ويمنح الناخب فرصة واضحة لمحاسبة ممثليه. ومن الضروري فتح نقاش وطني جاد حول توسيع نطاق النظام الفردي، الذي يتيح للمواطن معرفة نائبه ومحاسبته مباشرة، مع ضمان تكافؤ الفرص والتمثيل العادل لمختلف الفئات والقوى السياسية.
كما يتعين توسيع مساحة حرية التعبير، وإزالة القيود غير الضرورية أمام ممارسة الأحزاب أنشطتها المشروعة، لأن الحياة السياسية القوية لا تقوم على غياب الاختلاف، بل على إدارته بالحوار والتنافس السلمي واحترام القانون.
ويأتي الإسراع بإجراء انتخابات المجالس المحلية في مقدمة استحقاقات الإصلاح؛ فالمحليات المنتخبة والرقابة الشعبية الفعالة يمكنهما الإسهام في كشف أوجه القصور والفساد، وتحسين الخدمات، ومتابعة تنفيذ المشروعات. وقد أضعفت مشكلات الإدارة المحلية والرقابة في بعض المواقع قدرة المواطنين على جني ثمار مشروعات تنموية مهمة، ومنها مشروع «حياة كريمة»، الذي ينبغي تعظيم أثره على حياة الناس.
إن مصر تحتاج إلى تنمية ذات بعد اجتماعي، وإلى اقتصاد منتج ورأسمالية رشيدة، وإلى مؤسسات سياسية منتخبة وفعالة. فالتنمية الحقيقية ليست مجرد طرق ومبانٍ ومشروعات، وإنما إنسان قادر على العيش الكريم، ومواطن يثق في عدالة دولته، وشعب يشارك في صنع مستقبله.
إن حماية القدرة الشرائية للمواطن، وتحقيق العدالة الاجتماعية، وإجراء إصلاح سياسي وديمقراطي جاد، ليست مطالب متعارضة، بل أركان متكاملة لدولة قوية ومستقرة.
---------------------------
بقلم: كامل السيد
- المصادر المرجعية:
Euronews، تقرير عن احتجاجات فرنسا في 17 أكتوبر 2026: الاحتجاجات وغلاء المعيشة وأسعار الوقود.
CNRS، قراءة تاريخية في أحداث 1968: مايو 1968: نقطة تحول في التاريخ.







