تركنا أم سلمى في الحلقة الماضية والدفوف تدق خلف الباب، ونحن أطفال نقف على الدرج، تتنازعنا الرهبة والفضول ، أما اليوم، فندخل الشقة بعد أن ينفض الزار، وتنطفئ الأنوار، ويتبدد دخان البخور. فخلف كل ليلة صاخبة كان ينتظر أم سلمى صباح عادي، لكنه لم يكن هيّنًا: خبز لا بد أن يُشترى، وإيجار لا بد أن يُدفع، وكراسة وحذاء يحتاج إليهما طفل.
لم تكن أم سلمى تملك شهادة أو حرفة تضمن لها دخلًا ثابتًا، وكان المعاش أقل من أن يكفي أربعة أبناء. في طفولتي، كنت أراها امرأة لا يهزمها شيء، ولم أفهم إلا بعد سنوات أن بعض القوة ليس اختيارًا، بل ضرورة تفرضها الحياة على من لا يملك رفاهية الانكسار. لذلك لم ينعم أبناؤها بطفولة طويلة، إذ وجدوا أنفسهم مبكرًا شركاء في أعباء البيت.
ترك أسامة المدرسة صغيرًا، وبدأ العمل في الورش المنتشرة حول المنطقة، متنقلًا من ورشة إلى أخرى من دون أن يستقر طويلًا، كان حاد الطباع، سريع الغضب، يعلو صوته قبل أن يتروّى، وتلاحقه المشاجرات مع صبيان الشوارع، حتى بدت لنا، ونحن صغار، كأنها جزء من طبيعته.
كنا نخشاه من بعيد، ونتساءل كيف يخرج كل هذا الغضب من بيت تملؤه النساء، أما اليوم، فأرى في حكايته وجهًا آخر: صبي خرج إلى الشارع قبل أن يكتمل عمره، وتعلّم أن يحمي نفسه بنفسه، وأن يُظهر الصلابة حتى حين يعجز عن التعبير عما بداخله.
كان طفلًا غاب عنه الأب، ومع ذلك كان مطلوبًا منه أن يؤدي دور الرجل، هكذا تُلقى على أكتاف بعض الصغار مسؤوليات أكبر من أعمارهم، ثم يُحاسَبون حين تظهر الندوب التي تركتها فيهم.
أما سلمى، كبرى البنات، فخرجت للعمل في بيع الملابس في احد المحلات بالموسكي كانت تغادر العطفة صباحًا، ولا تعود إلا مساءً وقد أنهكها اليوم. لفت جمالها الأنظار أينما ذهبت، لكن الجمال في الأحياء الشعبية لم يكن نعمة خالصة؛ فقد يجلب الإعجاب، ويضع صاحبته في الوقت نفسه تحت أعين الآخرين وتأويلاتهم.
كانت تعرف أن أجرها، مهما قلّ، يدخل في حساب البيت كله، فهناك أختان تكبران، واحتياجات تتجدد كل يوم، وأسئلة لا تغيب عن البيوت التي تعيش على قدر ما يدخلها: ما الذي نستطيع شراءه؟ وما الذي علينا تأجيله؟
وبين يوم وليلة تبدلت أحوال الأسرة على نحو مفاجئ. تزوجت أم سلمى من أحد التجار، وبدأ البيت يعرف قدرًا من اليسر لم يألفه من قبل، صارت تخرج يوميًا وتعود في ساعات متأخرة وكانت قد أعلنت زواجها منذ البداية، وعرف الناس أنها تخرج برفقة زوجها؛ فلم يكن الأمر سرًا يحتاج إلى كشف.
لكن المعرفة لا تمنع الظنون دائمًا، والحقيقة لا تضع حدًا لكل كلام.
في العطفة، حيث تتقارب الأبواب وتتشابك الحكايات، يسهل أن تتحول متابعة أخبار الجيران إلى مراقبة تفاصيل حياتهم، وبدأت الهمسات تتنقل بين الأبواب والشرفات، في مفارقة قاسية: بعض النساء اللاتي وجدن في بيت أم سلمى مأوى حين احتجن إليه، أصبحن يتناقلن الكلام عنها بعد أن تغيرت أحوالها. كأن المجتمع يتعاطف مع المرأة حين يراها مكسورة، لكنه لا يمنحها الحرية نفسها حين تحاول النهوض.
ميثاق العطفة.. قواعد لا يكتبها أحد
لم يجتمع سكان العطفة يومًا لكتابة ميثاق يحدد ما يجوز وما لا يجوز، لكن الحياة بينهم صنعت أعرافًا وقواعد غير معلنة، تحدد ما يتوقعونه من بعضهم، وما يقبلونه في العلن، وما يتسامحون معه ما دام بعيدًا عن أعين الآخرين، لم تكن تلك القواعد بالضرورة عادلة، لكنها رسمت مكانة كل شخص داخل الجماعة.
بهذا المقياس، بدا خروج أم سلمى المتكرر وعودتها المتأخرة، رغم علم الجميع بأنها متزوجة وترافق زوجها، أمرًا لا ينسجم مع الصورة التي اعتادوا أن يروا المرأة في إطارها ، لم يقل لها أحد صراحة إنها غير مرغوب فيها، لكن الهمسات والمسافة التي أخذت تتسع حولها حملتا رسالة ضمنية.
ولعل أكثر ما يكشف تناقض هذا الميثاق أن سكان العطفة لم يكونوا ملائكة، ولم تخلُ حياتهم من الأخطاء، بل ارتكب بعضهم ما هو أشد من مخالفة الأعراف، ومع ذلك، تمسكوا بالصورة العلنية للعطفة وبمبادئ أصروا على احترامها أمام الناس، فالجماعات لا تقيس أفرادها دائمًا بما يفعلونه في الخفاء، بل بما يظهرونه في العلن، وبمدى التزامهم بالقواعد التي استقرت في وجدانها؛ وهي قواعد قد تكون أقرب إلى العرف والخوف من كلام الناس منها إلى العدل.
لم تكن العطفة استثناءً من تناقضات البشر؛ كانت صورة مكثفة لها، فيها الرحمة والخذلان، والتكافل والتدخل، والتسامح مع أخطاء، والقسوة على أخرى، وربما كان السؤال الذي لم نعرف كيف نطرحه ونحن أطفال: لماذا يُغضّ الطرف عن تجاوزات، بينما يُدفع شخص إلى الرحيل لأنه لم يعد ينسجم مع الصورة التي يريدها الآخرون للمكان؟
الرحيل من العطفة
اختارت أم سلمى الابتعاد عن صراع لا ينتهي مع ألسنة لا تتعب، غادرت الشقة وأخذت بناتها معها، ثم عرفنا من إحدى الجارات أن زوجها اشترى لها شقة في حي العجوزة، رحلت من دون وداع كبير أو مواجهة، كما يحدث حين يصبح البقاء في المكان أكثر كلفة من تركه.
ظل باب شقتها مغلقًا في الدور الأرضي، ولم يعد يتسلل من تحته خيط الضوء الذي ألفناه، غابت الدفوف عن العطفة، واكتشفنا أن للصمت صوتًا هو الآخر، لم تعد أم سلمى جزءًا من يومياتنا، وإن ظلت أخبارها تصل إلينا بين حين وآخر، عبر الجارات اللواتي كن يزرنها.
مع مرور الوقت، أخذ البيت الذي جمع الأسرة يتفرق أفراده، كما يحدث في بيوت كثيرة حين يمضي الأبناء إلى حيواتهم الخاصة.
تزوجت سلمى من رجل يحمل جنسية عربية، وأنجبت منه طفلة، لكنه سافر ولم يعد، فعادت إلى أمها ومعها ابنتها ثم تزوجت من أخر وتكفلت أمها بتربية ابنتها وتزوجت شقيقتاها تباعًا، ومضت كل واحدة إلى بيتها وحياتها.
أما أسامة، فظل مساره أكثر اضطرابًا، بقي فيه شيء من ذلك الصبي الذي عرفناه، سريع الغضب، حتى وقعت مشاجرة كبيرة مع أحد الشباب انتهت بالقبض عليه وسجنه عدة سنوات، وحين خرج، عاد إلى شقة الأسرة القديمة، لكنه لم يجد مكانه ينتظره كما كان، كانت السنوات قد غيّرت الناس والمكان، ولم يعد وجوده مقبولًا، فانتهى به الأمر إلى التنازل عن الشقة لصاحب المنزل مقابل مبلغ من المال، ومغادرة العطفة نهائيًا.
وهكذا أُغلق الباب الأخير؛ باب الشقة التي كانت تمتلئ بالنساء والدفوف ورائحة البخور. لم يكن إغلاقه نهاية حكاية أسرة فحسب، بل نهاية فصل من حياة المكان نفسه.
بعد ذلك، انقطعت أخبار أم سلمى، ولم نعرف على وجه اليقين أين استقرت بها الحياة، كل ما وصل إلينا أنها زوّجت بناتها، وسعت إلى توفير قدر من الاستقرار لهن قبل أن تتفرق الأسرة، وربما كان ذلك أقصى ما تطمح إليه أم حملت وحدها، لسنوات طويلة، همّ أن يبقى أبناؤها واقفين على أقدامهم، وألا يطرق الفقر أبوابهم كل صباح.
لو التقيت أم سلمى اليوم وسألتها عن حياتها، لربما سمعت حكاية تختلف عن تلك التي حفظناها نحن أبناء العطفة، عرفنا ملامحها من الخارج: امرأة شديدة الجمال، وأرملة تكافح لتربية أبنائها، ثم امرأة تحسنت أحوالها بالزواج، قبل أن تغادر المكان تحت ضغط كلام الناس، لكننا لم نعرف ما دار داخلها، ولا كيف عاشت تلك التحولات، ولا ماذا شعرت وهي تترك البيت الذي احتضن سنوات طويلة من عمرها.
تلك هي المسافة التي يصنعها الزمن بين ما نراه وما نفهمه؛ فالمشهد الذي يبقى في الذاكرة ليس بالضرورة القصة كاملة.
أفهم اليوم أن الحكاية لم تكن عن الزار وحده، ولا عن امرأة كانت تدق الدفوف خلف باب مغلق، كانت حكاية عن الفقر حين يدفع الأطفال إلى العمل قبل أوانهم، وعن مجتمع يراقب المرأة ويحاكمها حتى حين يعرف الحقيقة، وعن زواج قد ينقل الأسرة من العوز إلى اليسر من دون أن يحرر صاحبة القرار من أحكام الآخرين، وكانت أيضًا حكاية عن جماعة تحمي أعرافها وصورتها العامة، حتى حين لا تكون تلك الأعراف منصفة لكل من يعيش بين جدرانها.
لكن الذاكرة لا تجيد هدم بيوتها القديمة، كلما عدت إلى عطفة المحبة، وجدت شقة أم سلمى في مكانها داخل الذاكرة، وسمعت من خلف بابها دقات بعيدة، ورأيت أطفال العطفة يقفون على الدرج بين الخوف والفضول. وفي الداخل، امرأة جميلة تحاول، بما تملك وما تفرضه عليها ظروف زمانها، أن تعيش وتربي أبناءها.
كانت أم سلمى واحدة من نساء كثيرات عبرن حياتنا ثم اختفين، لكنهن تركن وراءهن حكايات أكبر من أعمارهن، انتهت دقات الزار منذ زمن، غير أنها ما زالت تدق في الذاكرة كلما أعادنا الحنين إلى عطفة المحبة؛ لا لتستعيد أصواتها وحدها، بل لتذكرنا بما لم نفهمه يوم كنا أطفالًا، وبأن وراء كل باب حكاية لا نعرف منها إلا ما سمح لنا الزمن أن نراه.
------------------------------------
بقلم: سحر الببلاوي






