تطرح المواقف المصرية المعلنة بشأن ليبيا والسعودية سؤالًا مهمًا في دراسة السياسة الخارجية: كيف نوازن بين حماية الأمن القومي المصري، والالتزام بالتضامن العربي، وتجنب الانخراط في حروب قد تتجاوز أهدافها المعلنة؟
فالدولة التي تدرك مكانتها الإقليمية لا تستطيع تجاهل التهديدات المحيطة بها أو التخلي عن التزاماتها تجاه أشقائها، لكنها مطالبة في الوقت نفسه بأن تقدر بدقة تكاليف قراراتها العسكرية، وحدودها الجغرافية والسياسية، واحتمالات تطورها.
أولًا: ليبيا.. وضوح الردع وحدود التدخل
عندما أعلن الرئيس عبد الفتاح السيسي، في يونيو ويوليو 2020، أن سرت والجفرة تمثلان خطًا أحمر للأمن القومي المصري، في ظل تصاعد الصراع الليبي والتدخلات العسكرية الأجنبية، كان المعنى السياسي واضحًا: مصر لن تقبل بتحول الأراضي الليبية إلى مصدر تهديد مباشر لحدودها الغربية، ولن تتعامل مع تطورات الصراع باعتبارها شأنًا بعيدًا عن مصالحها الحيوية.
وقد اكتسب هذا الموقف أهميته من الجوار الجغرافي، والحدود المشتركة، واحتمالات انتقال الإرهاب والسلاح والفوضى إلى الأراضي المصرية، فضلًا عن ارتباط استقرار ليبيا بأمن المنطقة.
ولم يكن الإعلان مجرد موقف سياسي؛ ففي 21 يوليو 2020، وافق مجلس النواب المصري على اتخاذ التدابير اللازمة لحماية الأمن القومي، بما أتاح للرئيس التحرك عسكريًا وفق الضوابط الدستورية. ومع ذلك، لم يتحول هذا التفويض إلى اجتياح عسكري مصري واسع للأراضي الليبية، بل أدى الردع السياسي والعسكري، بالتوازي مع التحركات الدبلوماسية وتغيرات الميدان، دورًا في رسم حدود المواجهة.
وتكشف هذه التجربة أن إعلان الاستعداد لاستخدام القوة لا يعني بالضرورة استخدامها، وأن نجاح الردع قد يتحقق عندما يفهم الطرف الآخر أن تجاوز الخطوط المعلنة ستكون له تكلفة لا يرغب في تحملها.
كما أن هذا الموقف جاء في مرحلة اتسمت بتوتر العلاقات المصرية التركية، واحتدام التنافس الإقليمي، بما في ذلك الخلافات المتعلقة بترسيم الحدود البحرية وحقوق الطاقة في شرق المتوسط. ومع ذلك، لم تنزلق الدولتان إلى مواجهة عسكرية مباشرة.
وهنا تكمن إحدى أهم دروس التجربة الليبية: أن امتلاك القوة، وإعلان الاستعداد لاستخدامها، مع الإبقاء على المسار السياسي مفتوحًا، قد يحقق أهداف الأمن القومي بتكلفة أقل من الحرب.
ثانيًا: السعودية.. التضامن العربي بين الواجب والحسابات الاستراتيجية
في المقابل، أثار إعلان الرئيس السيسي، في أكتوبر 2026، استعداد مصر لاتخاذ الإجراءات اللازمة للدفاع عن السعودية إذا طلبت المملكة ذلك، نقاشًا عامًا وبرلمانيًا حول طبيعة الالتزام العسكري وحدوده.
وقد أكد الرئيس أن المقصود هو الدفاع عن السعودية، وليس الاعتداء على أحد، ثم أوضح أن أي تحرك عسكري لن يمتد إلى شن هجمات على اليمن، وأن المساندة المقصودة تتعلق بالدفاع عن أراضي الدول العربية وأمنها.
وهذا التمييز جوهري من الناحية الاستراتيجية؛ فالدفاع عن أراضي دولة تتعرض لهجمات ليس هو نفسه الدخول في حرب برية داخل دولة أخرى، تختلف فيها طبيعة الأهداف والخصوم والبيئة العسكرية والسياسية.
وتستند مساندة السعودية إلى اعتبارات عربية واستراتيجية واضحة؛ فالمملكة دولة محورية في المنطقة، وأمنها يرتبط باستقرار الخليج والبحر الأحمر، وسلامة الملاحة الدولية، ومصالح مصر الاقتصادية والاستراتيجية. كما أن العلاقات المصرية السعودية تقوم على روابط تاريخية ومصالح متبادلة، وشهدت محطات عديدة من التعاون والدعم المتبادل.
لكن التضامن لا يعفي صانع القرار من الإجابة عن سؤال بالغ الأهمية: ما طبيعة المساندة المطلوبة تحديدًا؟ وهل ستقتصر على الدفاع الجوي، أو تبادل المعلومات، أو تأمين الملاحة، أو تقديم دعم لوجستي، أم قد تتطور إلى عمليات عسكرية تتجاوز حدود السعودية؟
إن وضوح هذه المسائل ليس دليلًا على ضعف التضامن، بل شرط لنجاحه واستدامته.
ثالثًا: لماذا اختلف التفاعل الشعبي والبرلماني؟
قد يبدو للوهلة الأولى أن إعلان الخط الأحمر في ليبيا حظي بوضوح وقبول أوسع، بينما أثار إعلان الاستعداد للدفاع عن السعودية نقاشًا وانقسامًا. لكن التفسير الموضوعي لا ينبغي أن يقوم على افتراض أن المصريين أقل حرصًا على التضامن العربي، أو أن التحفظات تعني بالضرورة رفض مساندة المملكة.
هناك اختلافات جوهرية بين الحالتين.
أولها أن ليبيا دولة مجاورة لمصر مباشرة، وأن التهديد القادم من أراضيها يمكن أن يمس الحدود المصرية بصورة مباشرة. أما التدخل العسكري المرتبط باليمن فيطرح احتمالات أوسع، بالنظر إلى طبيعة الصراع الداخلي، والتدخلات الإقليمية، واتساع مسرح العمليات.
وثانيها أن الدفاع عن الأراضي السعودية قد يبدأ بمهمة محدودة، لكنه قد يواجه معضلة عسكرية إذا استمرت الهجمات من داخل الأراضي اليمنية. فهل تكتفي القوات المدافعة باعتراض الصواريخ والطائرات المسيّرة؟ وماذا يحدث إذا استمرت مصادر النيران في العمل؟ وهل يكون الرد داخل الأراضي اليمنية ضرورة عملياتية، أم توسعًا في المهمة يتطلب قرارًا سياسيًا جديدًا؟
هذه ليست أسئلة نظرية؛ إنها تتعلق مباشرة بسلامة الجنود المصريين، واحتمالات التصعيد، ومدى قدرة الدولة على التحكم في مسار العمليات ونهايتها.
وثالثها أن التجربة المصرية في اليمن خلال ستينيات القرن الماضي تركت أثرًا عميقًا في الذاكرة الوطنية. فقد تحولت المشاركة العسكرية المصرية في الحرب الأهلية اليمنية إلى التزام طويل ومكلف، استنزف موارد بشرية وعسكرية ومالية، في وقت كانت فيه مصر تواجه تهديدات إقليمية أخرى.
ولا يصح اختزال هزيمة يونيو 1967 في التدخل اليمني وحده؛ فالهزيمة ارتبطت بمجموعة من العوامل العسكرية والسياسية والاستراتيجية. لكن من الخطأ أيضًا تجاهل أن الاستنزاف في اليمن، وما صاحبه من تعقيدات إقليمية، كان أحد العوامل التي أثرت في قدرة مصر على إدارة التحديات المتزامنة.
والدرس هنا ليس الامتناع عن كل تدخل عسكري خارجي، وإنما تجنب التورط في حرب تتسع أهدافها وتتجاوز مدتها وتكاليفها التقديرات الأولية.
رابعًا: البرلمان ليس عقبة أمام التضامن
أثار تأجيل مجلس النواب المصري حسم التفويض المتعلق بالمساندة العسكرية المحتملة للسعودية تساؤلات سياسية، خاصة في ظل امتلاك الحكومة أغلبية برلمانية مؤيدة.
غير أن الأغلبية العددية لا تلغي أهمية المناقشة في القرارات المتعلقة بإرسال القوات المسلحة إلى مهام قتالية خارج الحدود. فالمسألة لا تتعلق بإجراء شكلي، بل بقرار قد تترتب عليه مسؤوليات عسكرية واقتصادية وسياسية ممتدة.
وتنص المادة 152 من الدستور المصري على ضوابط تتعلق بإعلان الحرب وإرسال القوات المسلحة في مهمة قتالية خارج حدود الدولة، بما يشمل التشاور مع مجلس الدفاع الوطني والحصول على موافقة أغلبية الثلثين في مجلس النواب وفق الأحكام الدستورية.
ومن ثم، فإن من حق النواب أن يسألوا عن طبيعة المهمة وأهدافها ومدتها وتكاليفها، وعن آليات إنهائها، وعن الضمانات التي تمنع تحولها إلى التزام مفتوح.
وقد أُرجئ التصويت على طلب التفويض إلى 26 أكتوبر 2026، بعد جلسات مناقشة برلمانية. ويعكس هذا التأجيل، في حد ذاته، الحاجة إلى استكمال النقاش، ولا يكفي وحده للحكم بأن المجلس يرفض دعم السعودية أو يعارض توجهات الرئيس.
والأجدى أن تتضمن أي موافقة إطارًا واضحًا للمهمة، يحدد طبيعتها ونطاقها، وآليات الرقابة على تنفيذها، والظروف التي تستدعي مراجعتها أو إنهاءها. فالموافقة البرلمانية الرشيدة لا تعطل القرار الوطني، بل تمنحه سندًا مؤسسيًا وسياسيًا أمتن.
خامسًا: غياب بيان سعودي مستقل.. ما دلالته؟
أثار عدم صدور بيان مستقل عن وزارة الخارجية السعودية، يرحب صراحة بالإعلان المصري الأول، تساؤلات حول الموقف السعودي. لكن من الضروري عدم تحميل الصمت الدبلوماسي دلالة لا تثبتها الأدلة.
فقد تتعدد قنوات التواصل بين الدول، وقد تفضل الحكومات التعبير عن مواقفها من خلال الاتصالات الرسمية والرسائل المتبادلة واللقاءات الثنائية، بدلًا من إصدار بيان منفصل بشأن كل تصريح.
وفي هذا السياق، شهدت العلاقات المصرية السعودية اتصالات وتحركات معلنة؛ ففي 21 أكتوبر 2026، نقل وزير الخارجية المصري ورئيس جهاز المخابرات العامة رسالة من الرئيس السيسي إلى ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، تضمنت تأكيد التضامن المصري مع المملكة، كما نقل الجانب السعودي تقديره للعلاقات الثنائية ومواقف مصر.
لذلك، لا يمكن اعتبار غياب بيان سعودي مستقل دليلًا على رفض المملكة للمبادرة المصرية. والأدق أن نميز بين عدم صدور بيان بالصيغة التي قد يتوقعها البعض، وبين وجود مؤشرات معلنة على استمرار التواصل والتنسيق بين البلدين.
ومع ذلك، فإن التنسيق السياسي والعسكري الواضح يظل ضروريًا حتى تكون أي التزامات متبادلة محددة، وتكون طبيعة الدعم المطلوب متفقًا عليها بين الطرفين.
سادسًا: ما السياسة الأكثر اتزانًا؟
إن حماية السعودية من الاعتداءات، شأنها شأن حماية الأمن القومي المصري، هدف مشروع من منظور المصالح الوطنية والتضامن العربي. لكن تحقيق هذا الهدف لا يتطلب بالضرورة أن تكون كل أشكال الدعم عسكرية هجومية أو برية.
فيمكن البدء بتحديد الاحتياجات الدفاعية الفعلية للمملكة، وتقييم إمكانات المساهمة المصرية في الدفاع الجوي، والإنذار المبكر، وتبادل المعلومات، وتأمين الملاحة، والتنسيق الدبلوماسي، وفق ما يتفق عليه الطرفان وما تسمح به القدرات والالتزامات المصرية.
وإذا اقتضت الظروف مشاركة عسكرية مباشرة، فينبغي أن تكون المهمة محددة الأهداف والنطاق والمدة، وأن تستند إلى تقدير واضح للمخاطر، مع وضع تصور للتعامل مع احتمالات التصعيد، لا الاكتفاء بتسمية المهمة دفاعية دون بيان حدودها العملية.
كذلك، يتعين أن تتحرك مصر دبلوماسيًا مع السعودية وسائر الأطراف المعنية، بما فيها الأطراف المؤثرة في الصراع اليمني، لوقف الهجمات، وحماية الملاحة، ومنع اتساع الحرب. فالتفوق العسكري لا يغني عن الحل السياسي، بل قد يكون الردع المنضبط وسيلة لتهيئة الظروف اللازمة له.
خاتمة: التضامن العربي يحتاج إلى قوة رشيدة
إن المقارنة بين الموقف المصري من ليبيا والموقف المعلن بشأن السعودية لا ينبغي أن تقودنا إلى المفاضلة بين دولة عربية وأخرى، أو بين موقفين لا تتطابق ظروفهما، بل إلى استخلاص قاعدة استراتيجية عامة:
تكون الدولة أكثر قدرة على حماية أشقائها ومصالحها عندما تجمع بين وضوح الالتزام، وقوة الردع، والحساب الدقيق للمخاطر، والرقابة الدستورية، والانفتاح على الحلول السياسية.
لقد أظهرت التجربة الليبية أن الاستعداد العسكري الواضح قد يحقق الردع دون الوصول إلى الحرب. كما أظهرت التجربة اليمنية التاريخية أن التدخل الذي تتسع أهدافه وتطول مدته يمكن أن يفرض أعباء تفوق التقديرات الأولية.
ومن ثم، فإن المطلوب ليس التراجع عن التضامن المصري السعودي، ولا الدخول في مواجهة عسكرية بلا حدود واضحة، بل صياغة سياسة تحقق الأمرين معًا: الدفاع عن أمن المملكة، وصيانة الأمن القومي المصري، وحماية أرواح الجنود، والحفاظ على الموارد الوطنية، ومنع انزلاق المنطقة إلى حرب إقليمية أوسع.
فمصر القوية ليست التي تستخدم قوتها في كل أزمة، ولا التي تتردد في استخدامها عندما يصبح ذلك ضرورة؛ بل هي التي تعرف متى تستخدمها، وكيف تستخدمها، وما الهدف السياسي الذي تريد تحقيقه، ومتى تتوقف.
---------------------------------
بقلم: كامل السيد







