إذا كان مجلس النواب الليبي قد أطلق النار على الحدود القانونية المستقرة في مياه شرق البحر المتوسط، من خلال التصديق على اتفاقية الحدود البحرية مع تركيا، فإن الشواهد تؤكد أن تركيا هي من اشترت المسدس، وعبأته بطلقات الرصاص، ثم وضعت المسدس في اليد الليبية، وأمرتها بالتصويب وإطلاق النيران، دون أن تعبأ بالتداعيات التي قد تحدث.
وهنا تكمن خطورة ماجرى في مدينة بنغازي، حيث المقر الرسمي لمجلس النواب الليبي، وصولا إلى العاصمة التركية أنقرة، حيث المقر الإقليمي المتحالف مع واشنطن في تنفيذ خطط تخريب المنطقة.
والسبب أن تركيا، وهي الدولة المحرومة من حقول الغاز الطبيعي في مياه شرق البحر المتوسط، تبحث منذ سنوات عن موضع قدم لها ضمن الدول المنتحة للغاز، ولذا سعت كدولة ذات إرث استعماري، إلى إبرام اتفاقية الحدود البحرية مع ليبيا، لأن ليبيا هي الحلقة الأضعف والطيعة لها في منطقة شرق المتوسط.
لقد حرصت تركيا على اصطناع هذه الإتفاقية كي تشرعن بها مناوشة كل من: اليونان وقبرص ومصر، وربما إسرائيل، وكي تحاول بها فرض واقع جديد في شرق البحر المتوسط. بعدما نجحت مصر وقبرص اليونان في تقنين حدودها البحرية، من خلال اتفاقيات رسمية وضعت أطرا مستقرة، فيما بينها، ومكنتها من التعاون النشط في مجالات الطاقة.
ومنذ أن رفض مجلس النواب الليبي، تحت رئاسة المستشار عقيلة صالح، التصديق على الإتفاقية، عقب توقيعها بيد فايز السراج، رئيس حكومة الوفاق الليبية السابقة، في 27 نوفمبر 2019، لم تهدأ تركيا طوال 7 سنوات، حتى تمكنت من تحقيق هدفها من وراء هذه الاتفاقية يوم الثلاثاء الماضي 20 أكتوبر الجاري، بتصديق البرلمان الليبي عليها، تحت رئاسة الصالحين العبيدي.
وتكمن خطورة المسعي التركي في محاولة تفعيل هذه الاتفاقية، المرفوضة قانونيا من مصر واليونان وقبرص، على 4 مستويات:
* الأول- أن الإتفاقية سوف تفتح بابا يهدد حالة الاستقرار القائمة في مياه شرق البحر المتوسط، حيث حقول الغاز الطبيعي، وهو ما يعني أن الحدود الشمالية لمصر في البحر المتوسط، قد تصبح في مرمى الإضطرابات، وخاصة بين اليونان وقبرص وتركيا، وبذلك تكتمل أضلاع مربع النار حول مصر، بل ان ثروات شرق المتوسط كله، بما فيها ثروات مصر، قد تصبح تحت التهديد في حالة نشوء أي نزاع.
فمنذ سنوات تشهد الدول المحاذية للحدود المصرية صراعات وحروبا دامية من 3 إتجاهات. ففي الشرق يشهد قطاع غزة، منذ طوفان الأقصى في أكتوبر 2023 عدوانا إسرائيليا دمويا قتل وأصاب مايقارب 250 ألف فلسطيني، مع السعي إلى تهجير سكان القطاع.
وفي الغرب لايزال الصراع قائما بين شرق وغرب ليبيا، منذ سقوط نظام العقيد معمر القذافي في أكتوبر 2011. وقد تسبب هذا الصراع في موجة إرهاب عابر للحدود طالت مصر.
وفي الجنوب تتواصل نيران الحرب الأهلية بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، منذ 15 أبريل 2024، ثم جاءت هجمات الدهابة على الأراضي المصرية، لتزيد من حجم التهديدات. وهو ما يعني أن أي اضطراب وراء الحدود الشمالية، جراء الاتفاقية التركية - الليبية سوف يزيد من التهديدات الأمنية المحيطة بمصر.
* الثاني- تعد اتفاقية الحدود البحرية بين تركيا وليبيا، امتدادا لمساعي أنقرة في محاولة السيطرة على سوق الغاز الطبيعي بالمنطقة العربية والبحر المتوسط، فهي تعتبر نفسها الأحق بذلك، انطلاقا من مركزيتها في مشروع نقل الغاز الروسي إلى أوروبا.
واذا تمكنت تركيا من وضع أقدامها في حقول غاز مياه شرق المتوسط، فمن المرجح أن يمس ذلك طموحات مصر في التحول إلى مركز إقليمي للطاقة، سواء على مستوى الغاز الطبيعي أو الربط الكهربائي مع أوروبا مستندة إلى الدعم الأمريكي لها. فتركيا تحظى- حاليا- بمساندة كبيرة من واشنطن، بعد التماهي مع السياسات الأمريكية في سوريا، وفي لبنان والسعودية وليبيا.
* الثالث- أن اتفاقية الحدود التركية-الليبية، قد تتسبب في وضع مصر في تناقض قانوني وسياسي واقتصادي مع ليبيا، وهو ما يصب في صالح تركيا، ويرسخ أقدامها في ليبيا، ويفتح الجغرافيا أمامها إلى دول في الجنوب.
وهذا التمدد التركي - الحالي والمستقبلي - يشكل تهديدا للأمن القومي المصري، ليس من الغرب فقط، وإنما من الجنوب الغربي، خاصة أن تركيا عضو في حلف الأطلنطي، وتلتزم بخططه ومشروعاته.
كما أن تركيا تحظى بتشجيع أمريكي واسع للتحرك في المنطقة العربية وافريقيا، بهدف إزعاج النفوذ الروسي، كي يخلو المجال أمام واشنطن. ولا عجب، فتركيا تمثل حاليا أحد أذرع واشنطن في المنطقة.
* الرابع - أن تركيا، لم تتغير، ولاتزال هي الحاضن الرسمي لتنظيمات الإرهاب الديني، بل إنها أسست لوجودها في ليبيا، بعد سقوط نظام القذافي، بالإعتماد على هذه التنظيمات، وهو ماجعل ليبيا، وخاصة الغرب، مفرخة تركية، لهذه التنظيمات، التي تشكل مع التنظيمات المماثلة في النيجر ومالي ونيجيريا تهديدا للأمن القومي المصري والعربي في الشمال الأفريقي.
ومن المرجح أن لدى تركيا طموحات وخطط لإستنساخ النموذج السوري في دول أخرى، بهدف توسيع نفوذها من أجل إستعادة الحلم العثماني.
الصدمة فيما جرى أن تركيا عجزت عن تحقيق أهدفها في عموم ليبيا، طوال سنوات الصدام مع مصر، التي أعقبت ثورة 30 يونيو 2013، لكنها احتالت وتمكنت يوم الثلاثاء الماضي، من الحصول على مبتغاها في اتفاقية الحدود البحرية مع ليبيا، رغم التقارب والتعاون الكبير الذي تشهده علاقاتها مع مصر.
ان ما فعلته تركيا وليبيا يستحق وقفة صارمة جدا، من كل الدول المتضررة من هذه الاتفاقية.
------------------------------
بقلم: أحمد الكناني






