"كنت رسول نوبل إلى نجيب محفوظ ... الوجه الآخر لزعيم الحرافيش كما عرفته"، هذا هو عنوان كتاب الكاتب الصحفي محمود الشربيني، والذي سعى من خلاله إلى توثيق اثبات حقه في أنه أول من أبلغ محفوظ بفوزه بجائزة نوبل للأدب.
الكتاب في تصوري عبارة عن ثلاثة أجزاء، الأول خاصة بما أراد أن يثبته الكاتب في حقه بإبلاغ صاحب نوبل بالجائزة في الساعة الثانية وعشر دقائق من ظهر يوم الأحد 13 أكتوبر 1988، والجزء الثاني هو تحليل من وجهة نظر المؤلف لشخصية زعيم الحرافيش وصفاته، وعاداته، وما عنون الكاتب بـ"الوجه الآخر"، أما الجزء الثالث إعادة الأجواء لزمن فوز نجيب بنوبل للآداب، وبإعادة نشر حوارات للأديب الكبير، أجراها المؤلف مع حاصد نوبل للأدب.
اختار المؤلف إصدار الكتاب في نفس توقيت ذكرى فوز محفوظ بنوبل بعد 38 عاماً من الحدث العظيم، بل ليس مصادفة أن يتم تنظيم ندوة وحفل توقيع للكتاب في يوم 13 أكتوبر، وفي نقابة الصحفيين، فالتاريخ هو ذكرى الفوز بجائزة نوبل، والمكان هو النقابة، لأن الجدل حول من أبلغ نجيب بإعلان الفوز بنوبل، هو حدث صحفي وعمل صحفي متعارف عليه بأنه "انفراد".
استحوذ هذا الجزء على جانب كبير من صفحات الكتاب "المئتين" وملأ الكاتب الجانب الأعظم من الكتاب بما يثبت حقه بأنه أول من أبلغ نجيب محفوظ بالجائزة وهو في مقهى بفندق شهرزاد على نيل العجوزة.
واستخدم المؤلف كل ما لديه من شهادات وصور ليثبت حقه في أنه اول من أبلغ محفوظ بفوزه بجائزة نوبل، إلا أن ما كسر ظهر "محمود الشربيني" هو التصريحات التي قالها محفوظ نفسه، بأن جريدة الأهرام هي من أول من أبلغه بالجائزة، باتصالات عبر التليفون المنزلي "الأرضي" وبهذا فقد أسقطت تفرد الشربيني بالإبلاغ.
القضية صعبة جداً في ظل توارد كتابات متعددة في كتب لعدد من كبار الكتاب كلها في صف رواية الأهرام، وهو ما أحزن مؤلف "كنت رسول نوبل إلى نجيب محفوظ"، ووصل به الأمر إلى إعلان فقدان الأمل.
إلا أن صفحات الكتاب تؤكد مراراً على توثيق حقه، قبل 38 عاماً، حيث ضمت صفحات الكتاب، صوراً تعود لأكتوبر 1988، وشهادات شهود لحظة الإبلاغ لمحفوظ بفوزه بنوبل، ووفاء محفوظ بمنح المؤلف أول حوار له.
قضية اثبات الحق في تأكيد تفرد المؤلف بأنه أول من أبلغ محفوظ بفوزه بجائزة نوبل، تقع على عاتق المؤلف نفسه والذي انتظر 38 عاماً ليفتح الملف وهذا زمن طويل جداً في عمر الكتابة، وليس في عمر "محاكم الملكية الفكرية"، وهو ما اعترف به المؤلف نفسه، وتلك قضية يتعلم منها الجميع أصحاب الحقوق في الانفراد بالأعمال الصحفية.
وهناك جانب إثبات الحق يقع على نجيب محفوظ نفسه، والذي تجاهل ابلاغ محمود الشربيني، في انحياز واضح لمقر عمله، وهو الأهرام، وربما لأن - (كما يرى كتاب ونقاد تحدثوا في الكتب مع المؤلف) – محفوظ ربما لم يصدق الشربيني، واعتبرها كذبة، بخلاف أن خبرا مهما مثل هذا لا يمكن أن ينال المصداقية – من وجهة نظر محفوظ – من صحفي في العشرينات من العمر.
والمسؤولية الأخرى تقع أيضاً نقع على ابنة نجيب محفوظ الشاهد على الحدث، وهو ما تثبته الصور أمام فندق شهرزاد، وفيها المؤلف وشهود أخرون، ومن حق المؤلف أن يتمسك بالأمل في ابنة نجيب محفوظ، خاصة في ظل معلومات عن اعدادها لإصدار كتاب عن أبيها.
أما المسؤولية الأخيرة، فيه على من أصدروا كتباً عن نجيب محفوظ، ونوبل وتاريخه واعماله، والمشهد "النوبلي" في حياته، وعدم الاجتهاد في مراجعة كل ما قيل عن لحظة ابلاغ محفوظ بالجائزة، وأين كان وكيف تلقى الخبر، وردود الفعل، حتى لو كان محفوظ متعففاً عن الجائزة.
ونأتي لما اراه مهما في كتاب الشربيني، وهو هذه القراءة في شخصية نجيب محفوظ، والتحليل الجديد لرؤية أخرى لوجه آخر لنجيب محفوظ، وقدم الكاتب أوجها عديدة "لأطباق" الاستقبال عند نجيب محفوظ والدقة في تحديد ما يقبله، وما لم يقبله، وبالذات فيما يخصه والأخبار عنه.
وفي هذا الجزء أعاد المؤلف نشر حوار نشره في جريدة الانباء الكويتية مع نجيب محفوظ، والحوار ليس ادبياً بمعني الكلمة بل حوار عن حياة محفوظ وبداياته، واهتماماته الثقافية، وذكريات الطفولة، وشكله خارج الإطار الأدبي، ورؤاه في المرأة، وفي التدخين والنكتة كبديل للتعبير عن المواقف السياسية والاجتماعية.
هذا الحوار الذي لم يتح للقارئ المصري قراءته لكونه نشر في صحيفة كويتية، يقدم صورة أخرى لصاحب نوبل، ومن وأهم ما قاله عن مصر "هي التي غاص قلمي في نيلها فكان مدادها ذهباً".
والجزء الآخر من الكتاب فقد تضمن حوارات مهمة مع أديبنا الكبير رحمة الله عليه، أعادتنا لعام الاحتفال بصاحب نوبل عندما نالها عن جداره، وتفيض بالعديد من الآراء حول قضايا مجتمعنا، وفي السياسة والأدباء الكبار والشباب في هذا الوقت قبل نحو أربعة عقود من الزمان.
أستطيع القول "إنني مع صدق رواية محمود الشربيني، وحقه في انفراده في رسالته "النوبلية" إلى نجيب محفوظ، والذي كافأه بحوار مهم أو أكثر، ولكن يبقى الأهم أنه حقق بكتابه معنى ومفهوم المقولة أو الحكمة المأثورة "أن تأتي متأخراً خيرٌ من ألا تأتي أبداً".
------------------------------
بقلم: محمود الحضري






