تتجه أنظار العالم إلى منطقة شيونغآن الجديدة شمالي الصين، التي توصف بأنها «مدينة المستقبل»، بالتزامن مع انطلاق منتدى الحوكمة العالمية لعام 2026، الجمعة، في تجربة تجمع بين التخطيط العمراني الذكي، والتحول الأخضر، والحوكمة الرقمية، وتقدم نموذجًا عمليًا للتعامل مع تحديات المدن الحديثة.
واستضافت شيونغآن، الواقعة في مقاطعة خبي شمالي الصين، المنتدى الذي يجمع شخصيات بارزة من مجالات الاستراتيجيات والسياسة والأكاديميا والأعمال والإعلام وشؤون الشباب من مختلف أنحاء العالم، لمناقشة قضايا تشمل الأمم المتحدة، وتغير المناخ، والحوكمة في مجال الذكاء الاصطناعي، والتجارة متعددة الأطراف.
وفي الوقت الذي يناقش فيه المشاركون مستقبل الحوكمة العالمية والتنمية الحضرية المستدامة، تبرز المدينة المضيفة باعتبارها نموذجًا تطبيقيًا لاختبار أساليب جديدة في إدارة المدن، من خلال توظيف التكنولوجيا الرقمية، وتطوير البنية التحتية، ودمج الاعتبارات البيئية في التخطيط العمراني.
شيونغآن.. مدينة تُبنى على ثلاثة مستويات
تقع شيونغآن على مسافة تقارب 100 كيلومتر جنوب غربي بكين، ولا تزال تشهد أعمال تطوير وتوسع عمراني متواصلة. ووفقًا لبيانات التقرير، بلغت مساحة المناطق الحضرية المطورة فيها 222 كيلومترًا مربعًا، مع اكتمال بناء أكثر من 5300 مبنى، بمساحة إجمالية تتجاوز 62.14 مليون متر مربع.
وفي أبريل 2017، قررت الصين إنشاء منطقة شيونغآن الجديدة ضمن استراتيجية تستهدف تعزيز التنمية المنسقة بين بكين وتيانجين وخبي، وتخفيف الضغط عن العاصمة عبر استيعاب الوظائف والأنشطة غير المرتبطة مباشرة بدورها بوصفها عاصمة البلاد.
وصُممت المدينة لتكون ذكية وخضراء ومبتكرة وصالحة للعيش، مع الحد من المشكلات الحضرية التقليدية، مثل الازدحام والضغط على الخدمات والبنية التحتية.
ويقوم التخطيط العمراني في شيونغآن على مفهوم إنشاء ثلاث مدن متكاملة في الوقت نفسه: مدينة ظاهرة فوق سطح الأرض، وأخرى رقمية في الفضاء الإلكتروني، وثالثة تحت الأرض، تضم شبكات المرافق والخدمات.
الحوكمة الرقمية.. المدينة التي تمتلك «عقلًا إلكترونيًا»
تمثل الحوكمة الرقمية أحد أبرز ملامح تجربة شيونغآن، إذ يضم مركز الحوسبة الحضرية بالمدينة أكثر من 40 مليار سجل بيانات عالي الجودة، ويؤدي دورًا محوريًا في متابعة حركة المدينة وإدارة مرافقها وخدماتها.
ويُنظر إلى المركز، الذي يتميز تصميم واجهته بشكل يحاكي العين، باعتباره «عقل المدينة»، حيث تعرض شاشاته الإلكترونية الضخمة بيانات آنية عن جوانب متعددة من التشغيل الحضري، بما يساعد على متابعة كثافة المرور، ورصد المشكلات المحتملة في شبكات الأنابيب تحت الأرض، ومراقبة احتياجات الأحياء السكنية.
وتعتمد المدينة على نماذج رقمية للمباني، إلى جانب تزويد الأنابيب وأجزاء من البنية التحتية بأجهزة استشعار، بما يعزز القدرة على مراقبة المرافق واكتشاف الأعطال والتعامل معها بصورة أكثر كفاءة.
كما أنشأت شيونغآن أكثر من 500 كيلومتر من الطرق الذكية، مع توظيف تقنيات الجيل الخامس في تجارب المركبات المتصلة والقيادة الذكية. وتضم هذه الطرق أعمدة إنارة متكاملة مع إشارات المرور وأجهزة استشعار متنوعة، بما يدعم تبادل البيانات وتحسين إدارة حركة السير.
ولا يقتصر التخطيط الذكي على ما يظهر فوق سطح الأرض؛ إذ تمر شبكات المياه والكهرباء والغاز والتدفئة داخل أنفاق مخصصة للمرافق، مع تخصيص مسارات احتياطية للخدمات اللوجستية، بهدف تسهيل الصيانة وتقليل أعمال الحفر المتكررة وتعزيز كفاءة تشغيل المدينة.
وفي تطور يعكس الأهمية المتزايدة للبيانات في الاستراتيجية الصينية، شهدت شيونغآن، الثلاثاء، الافتتاح الرسمي لشركة مجموعة البيانات الوطنية الصينية المحدودة، وهي شركة مملوكة للدولة وتتبع الإدارة المركزية مباشرة، وتستهدف أداء دور وطني في خدمات البيانات، وربط البنية التحتية الخاصة بها، وتعزيز الابتكار التكنولوجي في هذا المجال.
التنمية الخضراء.. حديقة كبيرة صُممت للسكان
على الجانب البيئي، تتبنى شيونغآن مفهوم «مدينة الحدائق»، حيث يستهدف التخطيط أن يتمكن السكان من الوصول إلى حديقة خلال مسافة مشي تبلغ 300 متر، وإلى منطقة غابات خلال مسافة ثلاثة كيلومترات.
ويضع التصميم العمراني المشهد الطبيعي في قلب عملية التطوير، بهدف توفير بيئة معيشية أفضل، وتحقيق التوازن بين النمو الحضري وحماية الموارد الطبيعية.
ومنذ عام 2019، أطلقت المنطقة مبادرة شاملة لمعالجة مياه الصرف الصحي والنفايات ومخلفات المراحيض في المناطق الريفية المحيطة ببحيرة باييانغديان، إحدى أبرز الأراضي الرطبة في شمال الصين.
ووفقًا لأحدث الأرقام الواردة في التقرير، أنجزت المدينة أعمال تشجير جديدة على مساحة بلغت 484 ألفًا و500 مو (نحو 32 ألفًا و300 هكتار)، لترتفع المساحة الخضراء الإجمالية إلى 744 ألفًا و500 مو، وتصل نسبة الغطاء الحرجي إلى 35.2%.
وتشير بيانات مكتب التخطيط والبناء في شيونغآن إلى أن المباني الخضراء تمثل 100% من المشروعات الجديدة، فيما تحقق بعض المباني مستويات منخفضة للغاية من استهلاك الطاقة، في إطار التوجه نحو تقليل الأثر البيئي للقطاع العمراني.
تخفيف الضغط عن بكين.. مؤسسات كبرى تنتقل إلى المدينة الجديدة
بعد تسع سنوات من أعمال البناء والتطوير، أصبحت شيونغآن مركزًا رئيسيًا لاستقبال عدد من الوظائف غير المرتبطة مباشرة بالدور السياسي والإداري للعاصمة الصينية.
وفي هذا السياق، يواصل المقر الرئيسي لمجموعة شبكة الأقمار الصناعية الصينية المحدودة أعماله بصورة مستقرة داخل المنطقة، كما استقرت مقار مجموعتي سينوكيم وهوايننغ وبدأت ممارسة أنشطتها المعتادة، فيما اقترب الهيكل الرئيسي لمقر مجموعة الموارد المعدنية الصينية المحدودة من الاكتمال.
وتشهد المنطقة كذلك أعمال إنشاء لأربعة جامعات وعدد من المستشفيات القادمة من بكين، من بينها جامعة بكين جياوتونغ ومستشفى الشعب التابع لجامعة بكين.
وحتى الآن، استقرت في شيونغآن أكثر من 400 شركة وفرع تابع لمؤسسات مملوكة للدولة وتخضع للإدارة المركزية مباشرة، إلى جانب أكثر من 600 شركة متخصصة في التكنولوجيا المتقدمة.
ويعكس انتقال هذه المؤسسات جانبًا أساسيًا من أهداف المشروع، والمتمثل في توزيع الأنشطة الاقتصادية والمؤسسية على نطاق جغرافي أوسع، وتعزيز التنمية المتكاملة بين بكين وتيانجين وخبي.
شبكة النقل تعزز ارتباط شيونغآن بالمراكز الاقتصادية
يمثل النقل أحد العناصر المهمة في تطوير شيونغآن، بفضل قربها من مطار بكين داشينغ الدولي، وافتتاح طريق سريع مباشر يربط المنطقة بالمطار عام 2023.
كما لا تستغرق الرحلة بالقطار فائق السرعة بين شيونغآن وبكين سوى نحو 30 دقيقة، ما يدعم حركة التنقل اليومية والتواصل بين المؤسسات والأنشطة الاقتصادية في المنطقتين.
وفي الشهر الماضي، افتتحت الصين أيضًا مقطعًا جديدًا للسكك الحديدية فائقة السرعة يربط شيونغآن بمدينة شانغتشيو في مقاطعة خنان بوسط البلاد، بما يسد فجوة في ممر السكك الحديدية المتجه جنوبًا من المنطقة.
وقالت ليو يانهونغ، نائبة المدير العام لشركة السكك الحديدية فائقة السرعة في شيونغآن، إن الخط الجديد يسهل تنقل العاملين والتبادل التجاري للمؤسسات والهيئات التي انتقلت إلى المنطقة، كما يدعم تعزيز التعاون الصناعي على امتداد مساره.
منتدى الحوكمة العالمية.. منصة لتبادل الخبرات الدولية
وأكد لي هواشيا، رئيس مكتب الدعاية وشؤون الفضاء الإلكتروني والمعلومات في منطقة شيونغآن الجديدة، أن استضافة المنتدى توفر منصة مهمة لتبادل الرؤى بشأن إدارة المدن، ومشاركة الخبرات والأفكار المتقدمة مع المجتمع الدولي.
وتتيح استضافة هذا الحدث الدولي للمنطقة عرض تجربتها في الحوكمة الحضرية والرقمية والتنمية الخضراء، إلى جانب اختبار قدرتها على استيعاب الفعاليات الدولية وتعزيز التواصل بين الخبراء وصناع السياسات.
وبين البنية التحتية الذكية، وشبكات المرافق المتطورة، ومشروعات التشجير، وانتقال المؤسسات الكبرى، تسعى شيونغآن إلى ترسيخ موقعها ضمن مشروع الصين الأوسع لتعزيز التنمية المنسقة في منطقة بكين وتيانجين وخبي.
وتطرح تجربة المدينة تساؤلات مهمة أمام النقاش العالمي حول مستقبل المدن: كيف يمكن توظيف البيانات والتكنولوجيا لتحسين الخدمات؟ وكيف يمكن الجمع بين التوسع العمراني وحماية البيئة؟ وما الدور الذي تستطيع المدن الجديدة أداءه في إعادة توزيع الأنشطة الاقتصادية وتخفيف الضغط عن العواصم الكبرى؟
وفي هذا السياق، لا تقتصر أهمية شيونغآن على كونها مشروعًا عمرانيًا حديثًا، بل تمتد إلى كونها تجربة صينية تسعى إلى تقديم حلول عملية لبعض التحديات التي تواجه المدن في عصر التحول الرقمي والتنمية المستدامة.








