في عرف الأمن الإماراتي، ضغطة "لايك" واحدة تعبيرا عن الإعجاب بمنشور ما في 'فيسبوك' قد تضع صاحبها في خانة "عدو" للدولة.
11,300 اسم مقيم بدولة الإمارات، جُمعت من "إعجابات" وتعليقات على فيسبوك، وسُلّمت على فلاشة USB إلى جهة أمنية، مقابل 55 ألف يورو.
هذا ما تكشفه وثائق مسرّبة من أرشيف شركة الاستخبارات الخاصة السويسرية "خدمات ألب" Alp Services (مقرها جنيف)، والتي نشرها موقع "دروب سايت نيوز" Drop Site News.
الوثائق المنشورة تُظهر أن الشركة أعدّت قاعدة بيانات بأسماء المقيمين في الإمارات الذين صُنّفوا "معادين"، لأن منشوراتهم أو حتى إعجاباتهم ارتبطت بمنابر إعلامية وأفراد وجماعات سياسية تعدّها أبوظبي خصماً لها.
ويضم الجدول الذي أُعدّ بين عامي 2017 و2018 أكثر من 11,300 سجل تشمل الأسماء وأماكن الإقامة وجهات العمل ومعلومات شخصية أخرى. ومعيار الإدراج به، كان الإعجاب بصفحات مؤسسات إعلامية أو جماعات سياسية تعدّها السلطات معادية.
وتشير وثائق الأرشيف إلى أن الشركة تقاضت 55 ألف يورو عن العمل الذي حمل الاسم الكودي "أرنيكا 2" (Arnica 2).
ووفقاً للتسريبات، فإن مشروع "الرصد" الإلكتروني بدأ في يونيو 2017، وبالتحديد في ذروة الأزمة مع قطر وفرض الحصار عليها، عندما حذّر النائب العام الإماراتي من أن التعبير عن التعاطف مع الدوحة أو الاعتراض على إجراءات الحكومة ضدها قد يعرّض صاحبه للسجن حتى 15 عاماً. وبعد شهر واحد فقط من ذلك التحذير، بدأت شركة "ألب" مهمتها لمساعدة أبوظبي في تحديد "التهديدات السياسية" بالداخل.
المفارقة أن مشروع المراقبة لم يقتصر على منتقدي سياسات الإمارات تجاه قطر، بل شمل أيضاً استهداف من يُشتبه في تأييدهم لجماعة الإخوان المسلمين (الهاجس الأكبر لدى حكام أبوظبي).
وفي مسودة التخطيط التي أعدتها الشركة السويسرية، تحت عنوان "استخبارات وسائل التواصل الاجتماعي لتحديد المؤيدين والمعادين في نطاق اختصاصكم"، برزت فقرة نصّها: "فريقنا الداخلي من محللي استخبارات وسائل التواصل الاجتماعي يمكنهم تحديد مئات الأفراد المقيمين في بلدكم ممن يضعون 'إعجاباً' علنياً على منشورات مجموعات معادية، وخصوصاً الإخوان المسلمين".
وتكشف الوثائق المسربة أيضا أن "ألب" عرضت استخدام "أدواتها الخاصة وبرمجيات الخرائط المتقدمة للوصول إلى معلومات استخباراتية وخيوط جديدة".
وفي تقرير بتاريخ يوليو 2017، قالت الشركة إنها حددت نحو ألف "مؤيد" للإخوان في الإمارات، وإن كثيراً منهم يعملون في مجالات مختلفة بالإمارات، من بينها الأجهزة الأمنية. وورد فيه : "يتضح أن بينهم أشخاصاً يعملون لدى شرطة دبي أو شرطة أبوظبي، فضلاً عن عدد كبير من المعلمين والطلاب وغيرهم من الموظفين".
غير أن الوثيقة، بحسب موقع "دروب سايت"، لم تقدم دليلاً على صلة أولئك الأشخاص بالجماعة سوى إعجابهم (عبر تعليقات أو لايكات) بصفحات يُفترض أنها مرتبطة بالجماعة أو بمواقع إخبارية ناطقة بالعربية تنتقد سياسات الإمارات.
القوائم المنشورة لا تقتصر على ناشطين معروفين فحسب، بل آلاف الأفراد من مهندسين وصيادلة وعمال في المطاعم ومعلمين الذين لم يرتبطوا بعضوية في مجموعات فيسبوكية بعينها. ومن بين الأسماء البارزة التي ظهرت في الأرشيف، ملف الناشط الحقوقي أحمد منصور، الذي كان يعمل في وظيفة استشارية مع "مركز الخليج لحقوق الإنسان" في دبي. وقد اعتُقل في مارس 2017، أي قبل أشهر من إعداد التقرير الاستخباراتي، وحُكم عليه في العام التالي بالسجن عشر سنوات بسبب منشورات على فيسبوك وتويتر دعا فيها إلى إصلاح سياسي في الإمارات.
وتكشف الوثائق بعض تفاصيل التنفيذ. إذ أعدّت الشركة في 28 أغسطس 2017، وثيقة عمل بعنوان "طلب العميل" تضم عشر صفحات فيسبوكية للتحقيق، مع روابط بحث تميّز بين المقيمين "المسالمين" في الإمارات و"الأعداء" الذين تلوثت أيديهم بـ"لايكات" على منشورات غير مريحة للسلطات. ومن بين الصفحات المرصودة، منابر إعلامية ناطقة بالعربية مثل: UAE71، وعربي21، والعربي، ورصد، ودراسات الإمارات، وشؤون إماراتية، والدبور.
وقد أسندت "ألب" جزءاً من العمل إلى شركة من الباطن هي Total Trust Investigations في العاصمة الرومانية بوخارست. وفي 31 أغسطس 2017، أرسل 'ليونيل بادال' الموظف بشركة "ألب" سبعة روابط بحث إلى الشركة الرومانية، طالباً الأسماء والمعلومات بصيغة "إكسل"، فكتب: "بعضها طويل جداً لدرجة أننا لا نستطيع حصر عدد الأشخاص فيه. فحبذا لو استطاع قسم تقنية المعلومات لديكم تطوير برنامج صغير ينجز المهمة تلقائياً"، مضيفاً: "وكالعادة، هذا الطلب سري للغاية".
وتكشف الوثائق أن طرف الاتصال الإماراتي في الصفقة كان 'مطر حميد النيادي'، الذي يشغل اليوم منصب سفير الإمارات لدى الكويت. إذ تسلّم في أكتوبر 2017، مقترحاً من "ألب" بميزانية 55 ألف يورو، لتحليل حسابات فيسبوكية وتفاعلات جمهورها. وتُظهر السجلات الداخلية أن الشركة فوترت المبلغ في ديسمبر على باسم شركة "أرياف للدراسات والأبحاث ذ.م.م" في أبوظبي، وسلّمت البيانات على "فلاشة" في يناير 2018.
وبينما لا تثبت وثائق "ألب" ما جرى لاحقاً لأصحاب الأسماء المرصودة، يقول 'أندرياس كريغ' الأستاذ بكلية دراسات الأمن بجامعة "كينغز كوليدج" في لندن: "لا يمكننا تحديد ما حدث للأشخاص الـ11,300 الذين تم تسجيل أسمائهم على قائمة الأعداء بعد تسليمها إلى أمن الدولة الإماراتي، وإن كان من الممكن تصور ما حدث لهم".
لكن اللافت أن شركة "ألب" بدأت جمع قوائمها الفيسبوكية في وقت كانت أحكام السجن للتعبير عن الرأي عبر السوشيال ميديا، ممارسة معتادة في الإمارات. ففي مارس 2017، قضت محكمة إماراتية بالسجن ثلاث سنوات وغرامة كبيرة على الصحفي الأردني تيسير النجار بسبب منشورات على فيسبوك انتقد فيها مصر وإسرائيل ودولاً خليجية. وفي الشهر ذاته، حُكم على الأكاديمي الإماراتي ناصر بن غيث بالسجن عشر سنوات بتهم منها تعليقاته على "تويتر".
وجدير بالتسجيل أن الموقع الإخباري الاستقصائي الفرنسي "ميديابارت" Mediapart كان أول من وصل إلى أرشيف مشروع "أرنيكا 2" (السويسري)، وقام بتمريره إلى كونسورتيوم "التعاون الاستقصائي الأوروبي" EIC بهدف التحقق من صحة وثائقه. كما سبق أن نشرت "نيويوركر" تفاصيل أخرى من الوثائق، شملت مخططاً draft لحملة إعلامية إماراتية "تستهدف سمعة بعض الناشطين المسلمين الأمريكيين"
----------------------------
تقرير: هاني الكنيسي
(نقلا عن صفحة الكاتب على فيس بوك)






