لا يمكن للاقتصاد الرقمي أن يعمل بمعزل عن دعم الطاقة في العالم المادي. ومع التوسع السريع في الذكاء الاصطناعي والبيانات الضخمة والبنية التحتية للقدرة الحاسوبية، عادت المعضلة القديمة المتمثلة في "التوسع اولا ثم المعالجة لاحقا" لتظهر في صورة جديدة. وتتوقع وكالة الطاقة الدولية أن يرتفع استهلاك مراكز البيانات للكهرباء عالميا من 485 تيراواط ساعة في عام 2025 إلى 950 تيراواط ساعة في عام 2030. فكيف يمكن تحرير التقدم التكنولوجي من الاعتماد البسيط على زيادة مدخلات الموارد؟ بالنسبة للصين التي تواصل دفع بناء الصين الجميلة، أصبح هذا سؤالا جديدا لا بد أن تجيب عنه مسيرة التحديث الاخضر. وفي الاونة الاخيرة، اصدرت سبع هيئات حكومية صينية "خطة تنفيذ تعزيز التحول المنسق نحو الرقمنة والخضرة 2026-2030"، لتوضع الرقمنة والتنمية الخضراء ضمن إطار تنموي واحد.
يكمن المنطق العميق لهذا التكامل في اعادة صياغة العلاقة بين التقدم التكنولوجي واستهلاك الموارد. ففي الماضي، تركز النقاش بدرجة أكبر على كيفية استخدام التقنيات الرقمية في توفير الطاقة وخفض الانبعاثات، اما اليوم فقد أصبح الذكاء الاصطناعي نفسه جزءا من نطاق الحوكمة الخضراء. وتنص الخطة بوضوح على تطوير تقنيات ذكاء اصطناعي خضراء وعالية الكفاءة، بدءا من الحوسبة منخفضة استهلاك الطاقة وتحسين بنية النماذج وضغط المعاملات، وصولا إلى تقييم استهلاك الموارد على امتداد دورة الحياة الكاملة. ولا شك أن قدرات النماذج الكبيرة مهمة، لكن مقدار ما تستهلكه من قدرة حاسوبية وطاقة لإنجاز المهمة نفسها بدأ بدوره يصبح معيارا مهما لقياس الكفاءة التكنولوجية. ولن يتمكن الاقتصاد الرقمي من اكتساب مساحة تنموية اكثر استدامة الا إذا تجاوز المسار التقني القائم على التوسع المستمر في حشد الموارد.
ولم يعد هذا التحول مجرد تصور تكنولوجي بعيد المدى. فحتى نهاية يوليو 2026، بلغ اجمالي حجم الحوسبة الذكية في الصين 2.45 مليون PFLOPS (وحدة لقياس القدرة الحاسوبية، ويعادل كل PFLOPS نحو 10^15 عملية فاصلة عائمة في الثانية)، وشكلت قدرات الحوسبة الذكية التي تم بناؤها في المحاور الوطنية الثمانية للقدرة الحاسوبية ومناطق التنمية الثلاث للتنسيق بين الحوسبة والكهرباء أكثر من 85 بالمئة من اجمالي البلاد، فيما تم ادراج 1.45 مليونPFLOPS من قدرات الحوسبة الذكية ضمن منصة وطنية للرصد والتنسيق. وعندما تصل القدرة الحاسوبية إلى هذا الحجم، تصبح اسئلة مكان بناء المنشآت، ومصدر الكهرباء المستخدمة، ومستوى كفاءة التشغيل عوامل تؤثر مباشرة في تكلفة الطاقة على الاقتصاد والمجتمع. ومن خلال تعزيز التنسيق بين الحوسبة والكهرباء، تعمل الصين على ربط توزيع القدرة الحاسوبية بتخصيص موارد الكهرباء بعد أن كانا منفصلين نسبيا، بما يجعل الطلب على الحوسبة أكثر توافقا مع خصائص موارد الطاقة، ويحول مزايا المناطق الغنية بالطاقة النظيفة إلى قدرات جديدة تدعم التنمية الرقمية.
وفي الاتجاه المعاكس، تدفع المتطلبات الخضراء ايضا عملية تحديث البنية التحتية الرقمية. ففي قوييانغ وقويآن، انخفض معامل كفاءة استخدام مؤشر PUE (كفاءة استخدام الطاقة الكهربائية) في بعض منشآت الحوسبة إلى 1.12. وكانت تقنيات مثل التبريد بالسائل، واستعادة الحرارة المهدرة، والرقائق منخفضة استهلاك الطاقة، والتشغيل والصيانة الذكية تعد في السابق مجرد حلقات تقنية داخل غرف الخوادم، لكنها باتت اليوم تحدد بصورة متزايدة تكاليف تشغيل مراكز البيانات وقدرتها التنافسية. كما ادرجت “خطة تنمية قطاع المعلومات والاتصالات خلال الخطة الخمسية الخامسة عشرة” التي صدرت مؤخرا، معدل خفض انبعاثات ثاني اكسيد الكربون لكل وحدة من اجمالي خدمات الاتصالات، وكفاءة استخدام الكهرباء في منشآت الحوسبة الكبيرة وفائقة الحجم، ضمن مؤشرات التنمية. وفي المستقبل، لن تقتصر المنافسة بين البنى التحتية الرقمية على الحجم والسرعة، بل ستشمل ايضا القدرة على انجاز قدر أكبر من العمليات الحسابية باستخدام طاقة اقل.
وإذا كانت الخضرة تعيد تشكيل التكنولوجيا الرقمية نفسها، فإن الرقمنة تعيد بدورها صياغة اساليب توفير الطاقة وخفض الكربون في الصناعات التقليدية. وتتعدد مراحل الانتاج في القطاع الصناعي، وكان من الممكن في الماضي معرفة اجمالي كمية الطاقة التي تستهلكها شركة ما، من دون القدرة على تحديد الجهاز أو العملية الانتاجية التي يحدث فيها الهدر بدقة. اما الادارة الرقمية للطاقة والكربون فتربط في الوقت الفعلي بين بيانات تشغيل المعدات واستهلاك الطاقة والانبعاثات الكربونية وغيرها من المعلومات، بما يسمح للشركات بتتبع استهلاك الطاقة حتى كل مرحلة انتاجية محددة، ثم تعديل انماط التشغيل وفقا لحالة المعدات واحتياجات الانتاج. وهكذا ينتقل توفير الطاقة من التحكم الاجمالي واسع النطاق إلى داخل العملية الانتاجية نفسها، فتزداد دقة الادارة وتصبح عمليات التحديث التكنولوجي أكثر استهدافا. وكثيرا ما تتحقق زيادة كفاءة استخدام الموارد في هذه التفاصيل التي كان من الصعب ملاحظتها في السابق.
ومع اتساع نطاق الطاقة النظيفة، تصبح هذه القدرة على الادارة الدقيقة أكثر ضرورة. فحتى نهاية يونيو من العام الجاري، بلغت القدرة المركبة للطاقة المتجددة في الصين 2.455 مليار كيلوواط، بما يمثل 60.7 بالمئة من اجمالي القدرة المركبة لتوليد الكهرباء في البلاد، بينما بلغ حجم الكهرباء المولدة من الطاقة المتجددة خلال النصف الاول من العام 1.96 تريليون كيلوواط ساعة، بما يعادل 41.2 بالمئة من اجمالي توليد الكهرباء في الصين. وكلما ازدادت بنية الطاقة خضرة، لم يصبح تشغيل منظومة الكهرباء بالضرورة أكثر بساطة. فالرياح والشمس تتسمان بالتقلب، ويتطلب جانب التوليد مواءمة أكثر مرونة مع الطلب المتغير باستمرار على الكهرباء. ويمكن للذكاء الاصطناعي والبيانات الضخمة المشاركة في التنبؤ بإنتاج الطاقة الجديدة، وتنسيق شبكة الكهرباء، وادارة تخزين الطاقة، والاستجابة للطلب، بما يجعل عددا كبيرا من مصادر الطاقة الموزعة يعمل ضمن منظومة أكثر تنسيقا. وهكذا تنتقل تنمية الطاقة الخضراء من حل مسألة "هل تتوفر الطاقة النظيفة؟" إلى مسألة "كيف يمكن استخدامها بصورة أفضل؟"، وتصبح القدرات الرقمية والذكية دعامة متزايدة الاهمية في هذه العملية.
كما منحت التقنيات الرقمية والذكية حماية البيئة الايكولوجية نطاقا اوسع للرصد والملاحظة. فقد انشأت الصين حاليا 58 ألف محطة وطنية لرصد البيئة الإيكولوجية، فيما تعمل ثمانية اقمار صناعية متخصصة في البيئة ضمن شبكة واحدة، ما أسهم في تشكيل شبكة رصد متكاملة تشمل الفضاء والجو والارض والبحر بصورة اساسية. وخلال فترة الخطة الخمسية الخامسة عشرة، ستتجه شبكة الرصد الوطنية نحو مستوى جديد يقوم على “الاستشعار الشامل، والتعاون بين الانسان والآلة، والاستقلالية وقابلية التحكم، والذكاء عالي الكفاءة”. فالأقمار الصناعية ترصد التغيرات الايكولوجية من الفضاء، ومحطات الرصد الالية تعيد ارسال البيانات البيئية بصورة مستمرة، بينما تبحث الخوارزميات عن المؤشرات غير الطبيعية وسط كميات هائلة من المعلومات. وبذلك يمكن ادخال بعض المشكلات التي لم يكن من الممكن اكتشافها سابقا الا عبر عمليات التفتيش الميداني إلى نطاق الحوكمة في وقت أبكر. ولم تعد الحوكمة الايكولوجية تقتصر على البحث عن حلول بعد وقوع التلوث، بل اصبحت تملك شروطا أفضل لاكتشاف المخاطر مسبقا والتدخل في الوقت المناسب.
تستطيع التكنولوجيا أن تجعل المشكلات أكثر وضوحا، لكنها لا تستطيع حلها تلقائيا. فمن يتحمل مسؤولية التصحيح بعد اكتشاف خلل في الرصد؟ وكيف يجري التنسيق لمعالجة التلوث العابر للمناطق؟ وكيف تتحول البيانات إلى اساس لإنفاذ القانون؟ تظل الاجابة عن هذه الاسئلة مرتبطة بمنظومة الحوكمة نفسها. وقد وفرت آليات نقل المسؤولية في حماية البيئة، والرقابة والمساءلة، وضمانات سيادة القانون، ونظام التقييم التي بنتها الصين خلال السنوات الاخيرة، اساسا مؤسسيا لتمكين التقنيات الرقمية والذكية من اداء دورها الحقيقي. فالرقمنة تخفض تكلفة الحصول على المعلومات وترفع دقة الحوكمة، بينما تعالج المؤسسات مسألتي المسؤولية والتنفيذ. ومن خلال الجمع بين الجانبين، يمكن لقدرات الحوكمة التي تشكلت في مسيرة بناء الصين الجميلة أن تتجه بصورة أكبر نحو الدقة والذكاء.
وإذا نظرنا إلى هذا المسار في سياق التحول الاخضر العالمي، تتضح اهميته العملية بصورة أكبر. فضغوط الطاقة التي يفرضها الذكاء الاصطناعي ليست مشكلة تخص الصين وحدها، اذ تتوقع وكالة الطاقة الدولية أن يشكل استهلاك مراكز البيانات نحو 3 بالمئة من الطلب العالمي على الكهرباء بحلول عام 2030. وتبدو المسألة أكثر تعقيدا بالنسبة إلى كثير من الدول النامية، فهي تحتاج من جهة إلى بنية تحتية رقمية تدعم التصنيع والخدمات العامة، بينما تواجه من جهة اخرى نقصا في الطاقة وتحديات تغير المناخ وضغوط التحول الاخضر. وإذا ظل مسار الرقمنة مصحوبا بتكاليف مرتفعة للطاقة، فقد تجد الدول النامية نفسها امام عتبات تكنولوجية جديدة. ومن خلال تطوير الحوسبة الخضراء، وانظمة الطاقة الذكية، والحوكمة الايكولوجية الرقمية، وتعزيز التعاون في الاقتصادين الرقمي والاخضر عبر منصات مثل “الحزام والطريق” ومجموعة بريكس، تقدم الصين للدول مسارا اخر للتفكير: يمكن ادراج قيود الموارد منذ البداية في عملية الرقمنة، بدلا من انتظار ظهور المشكلات ثم دفع تكاليف اعلى لمعالجتها.
ومن الارتقاء بالصناعات إلى تطوير منظومة الحوكمة، ثم إلى التكامل الرقمي والذكي اليوم، ظل بناء الصين الجميلة يجيب عن سؤال جوهري في مسيرة التحديث: كيف يمكن للتنمية أن تمضي إلى مدى ابعد، من دون استنزاف المستقبل مقابل تحقيق نمو آني؟ لقد فتحت التكنولوجيا الذكية افاقا جديدة امام القوى الانتاجية، لكنها وضعت في الوقت نفسه اساليب استخدام الموارد امام اختبار جديد. ومن خلال جعل التكنولوجيا الرقمية نفسها أكثر ترشيدا للموارد، وتسخير القدرات الرقمية والذكية لمساعدة المجتمع بأسره على استخدام الطاقة والموارد بكفاءة اعلى، تستكشف الصين مسارا يدمج التقدم التكنولوجي وبناء الحضارة الايكولوجية في طريق واحد نحو التحديث. ولا يزال هذا الطريق ممتدا إلى الامام، لكنه اثبت بالفعل أن ارتفاع مستوى الذكاء لا يعني بالضرورة دفع ثمن ايكولوجي أكبر، وأن جودة التنمية في المستقبل ستعتمد بصورة متزايدة على قدرة البشرية على خلق قيمة أكبر باستخدام موارد أقل.
…………………………
بقلم/ نور يانغ إعلامي صيني






