20 - 10 - 2026

"العقلانية الجديدة" ضمن إصدارات المركز القومي للترجمة

يواصل المركز القومي للترجمة تقديم إصدارات تفتح آفاقًا جديدة للتفكير في أسئلة العلم والمعرفة ومستقبل العقل الإنساني، ومن بينها كتاب "العقلانية الجديدة"، تأليف الفيلسوف الفرنسي برتراند سان-سورنين، وترجمة الزواوي بغوره، والذي يطرح تساؤلات جوهرية حول أسس المعرفة العلمية وإمكانات العقل في عالم تتشابك فيه التخصصات وتتعدد فيه مسارات إنتاج المعرفة.

ينطلق الكتاب من مراجعة المسلمات التي تشكّل على أساسها العلم الحديث منذ بداية القرن السابع عشر؛ إذ قام على فكرتين أساسيتين: أن المعرفة العلمية ثمرة عقول متعددة تسهم في إنتاجها، وأن هذه المعرفة، على اتساعها، قابلة لأن يستوعبها الفرد ويجمع شتاتها وينمّيها وفق منهج منظم. وفي هذا السياق، تتضح المكانة المحورية التي احتلتها الذات المفكّرة في الفلسفة، من ديكارت إلى هوسرل، بوصفها نقطة ارتكاز في فهم المعرفة وتأسيسها.

لكن العلم المعاصر، بما يربط بينه من عمليات متباينة تشمل بناء المفاهيم وصياغة الفرضيات وتشكيل الحجج التي تختلف باختلاف التخصصات، يضع هذه المسلمات أمام اختبار جديد؛ فلم يعد من الممكن اختزال المعرفة العلمية في قدرة عقل فردي واحد، كما لم يعد الفصل بين العلم والتقنية كافيًا لفهم العلاقة المتشابكة بين التفكير النظري والاكتشاف التكنولوجي. ويعيد ذلك طرح السؤال عن طبيعة العقلانية التي يمكنها استيعاب هذا التداخل المتزايد بين المعارف والممارسات العلمية.

ويمضي الكتاب إلى مساءلة الأسس الأنثروبولوجية والكونية التي قامت عليها هذه الرؤية، ولا سيما افتراض وحدة الإنسانية وكونية المعرفة وقدرة الفرد على بلوغها، وهي افتراضات تشكّلت تاريخيًا في ظل تفاوتات غير مقبولة بين الأمم. ومن هنا، لا يصبح البحث عن عقلانية جديدة مجرد مراجعة لمناهج العلم، بل محاولة لإعادة التفكير في شروط إنتاج المعرفة، وحدودها، وإمكانات تجاوز التصورات التي لم تعد قادرة على تفسير عالم تتعدد فيه العقول والخبرات والاختصاصات.

فالعقلانية الجديدة تبدأ حين يدرك العقل أن اتساع العالم أكبر من أن يحتويه عقلٌ بمفرده.