19 - 10 - 2026

نقد أدبي | آليات التناص الفلسفي وتجليات العدمية في الخطاب الروائي لـ«زوال» لأحمد رجب شلتوت

نقد أدبي | آليات التناص الفلسفي وتجليات العدمية في الخطاب الروائي لـ«زوال» لأحمد رجب شلتوت

تنهض رواية «زوال» للأستاذ أحمد رجب شلتوت على وعي سردي لا يتعامل مع الرواية بوصفها حكاية تُروى وتنتهي، وإنما بوصفها فضاءً مفتوحًا على أسئلة الإنسان حين تتصدع علاقته بالعالم، وحين تفقد الأشياء قدرتها على منحه معنى مستقرًا. ومن هنا تبدو المقاربة النقدية للرواية مشدودة إلى مستويين متداخلين: أولهما التناص الفلسفي الذي يستدعي نصوصًا وأفكارًا وأصواتًا ثقافية وفكرية سابقة، وثانيهما التجليات العدمية التي لا تظهر في صورة فكرة فلسفية مجردة، وإنما تتسرب إلى الحياة اليومية للشخصيات، وإلى العمل والعاطفة والعلاقات والمدينة والذاكرة، ثم تبلغ ذروتها في المصير الجسدي والنفسي للبطل.

إن «زوال» رواية تتحرك في منطقة قلقة بين الوجود والفناء، وبين الرغبة في التشبث بالحياة والإحساس العميق بأن كل ما يحيط بالإنسان قابل للانهيار. ولذلك فإن عنوانها لا يبدو تسمية خارجية للنص، بل مفتاحًا تأويليًا تتجمع حوله دلالاته الكبرى؛ فـ«الزوال» يبدأ في الرواية بوصفه إحساسًا داخليًا، ثم يتحول إلى تجربة اجتماعية ومهنية وعاطفية، لينتهي في خاتمة الرواية إلى صورة جسدية ومادية تختصر مصير الإنسان حين تتهاوى تحته آخر درجات المقاومة.

ومن اللافت أن الكاتب يهيئ قارئه لهذا المناخ منذ العتبات الأولى للنص؛ فالاستهلال ليس بريئًا من ثقل الخراب، وإنما يفتح الباب أمام عالم مأزوم يستشعر قارئه فيه منذ البداية أن ثمة شيئًا قد انكسر قبل أن تبدأ الحكاية. ويأتي استدعاء قول عبد القادر الشاوي: «كيف بي أطمح إلى ترميم الخراب وأنا الطلل» ليؤسس مفارقة مركزية في الرواية: كيف يستطيع الإنسان أن يصلح العالم وهو نفسه يحمل في داخله آثار الخراب؟ إن صورة «الطلل» هنا تتجاوز معناها المباشر لتغدو صورة للذات التي تحاول أن تستعيد ما تهدم منها، لكنها تكتشف أن فعل الترميم ذاته أصبح موضع سؤال.

وإذا أضفنا إلى ذلك الظلال الفرنسية التي يستحضرها الكاتب في العتبة، فإننا ندخل منذ البداية إلى فضاء نفسي مثقل بالإحساس بالانكسار، حيث لا يعود الخراب مجرد حالة خارجية تحيط بالشخصيات، وإنما يتحول إلى وعي داخلي يسكنها. وهنا تبدأ الرواية في بناء علاقتها بالفلسفة لا بوصف الفلسفة حشدًا من الأسماء أو الأفكار، وإنما بوصفها ذاكرة فكرية للقلق الإنساني.

وتتخذ آليات التناص الفلسفي في «زوال» وظيفة تتجاوز الزينة الثقافية أو الاستشهاد العابر؛ فالنص يستدعي أصواتًا فلسفية وأدبية وفكرية لأنه يحتاج إليها في بناء وعي شخصياته، ولا سيما وعي الشخصية الرئيسة «علاء». إن هذه الشخصية لا تعيش أزمتها بمعزل عن تاريخ طويل من الأسئلة المتعلقة بالوجود والموت والحرية والمعنى؛ ولهذا فإن حضور الآخرين في وعيها يبدو امتدادًا طبيعيًا لبحثها المضطرب عن إجابة.

ومن أبرز صور هذا التناص استدعاء أسئلة فيودور دوستويفسكي، ولا سيما التساؤل المتعلق بجدوى العيش حين يفقد الإنسان يقينه بقيمة وجوده. حين يستحضر السرد السؤال: «ما فائدة العيش للإنسان إن كان يدرك سلفا أن عيشه ليس سوى عيش البهائم يبعث على التقزز والسأم، وأن هذا العيش غير سوى وغير كافٍ؟ وفي هذه الحالة ماذا يبقى لك لتفعله في هذه الدنيا؟»، فإن الرواية لا تستعير صوت دوستويفسكي لتؤكد ثقافة الراوي فحسب، بل تستدعي معه التاريخ الطويل للسؤال الوجودي، فالسؤال هنا ليس: كيف يعيش الإنسان؟ وإنما: لماذا يعيش؟ وهذه النقلة من سؤال الكيفية إلى سؤال الغاية هي التي تمنح التناص بعده الفلسفي الحقيقي. إن علاء لا يواجه مأزقًا شخصيًا منفصلًا عن العالم، وإنما يواجه سؤالًا طالما أرّق الإنسان حين وجد نفسه محاصرًا بين رغبة البقاء وعجزه عن العثور على معنى لهذا البقاء.

وبذلك يتحول التناص إلى نوع من الحوار الخفي بين التجربة الروائية وتجارب إنسانية وفكرية سابقة. فصوت دوستويفسكي لا يبقى صوتًا خارجيًا؛ إذ سرعان ما يدخل في نسيج التجربة الداخلية للبطل، ويغدو السؤال المستعاد سؤالًا شخصيًا يخصه هو. وهذا ما يمنح التناص قيمته الفنية؛ لأنه لا يبقى في مستوى الإحالة، بل يتحول إلى جزء من وعي الشخصية وطريقة إدراكها للعالم.

ولا يتوقف هذا التفاعل عند دوستويفسكي، بل يتسع ليشمل غارسيا ماركيز وجورجي أمادو ويوجين يونسكو ومسرحيته «المغنية الصلعاء»، فضلًا عن استدعاءات تراثية وتاريخية من قبيل شخصية الحاكم بأمر الله وما ارتبط بها من وقائع ورموز. وهنا تتجاور المرجعيات الأدبية والتاريخية والأسطورية والفلسفية لتشكّل شبكة واسعة من العلامات التي يستعين بها السرد على قراءة الحاضر.

إن استحضار الحاكم بأمر الله، مثلًا، لا يأتي منفصلًا عن أسئلة السلطة والعبث، وإنما يفتح الماضي على الحاضر، ويجعل التاريخ مرآة تكشف تكرار بعض أنماط القهر والمفارقة. وكذلك فإن حضور ماركيز ويونسكو لا يمثل مجرد انفتاح على الأدب العالمي، بل يضيء المنطقة العبثية في الرواية، حيث تصبح الحياة اليومية نفسها قابلة لأن تُقرأ بوصفها مشهدًا مسرحيًا يتكرر فيه اللامعقول، وتتعطل فيه العلاقة الطبيعية بين الفعل ونتيجته.

ومن هنا يمكن القول إن الرواية تستخدم التناص باعتباره آلية كشف؛ فكل نص سابق تستدعيه لا يغلق الدلالة، وإنما يفتحها، وكل اسم ثقافي يدخل المتن لا يفرض حضوره على الرواية، بل يساعدها على رؤية واقعها من زاوية أخرى. فالتناص في «زوال» ليس انتقالًا من نص إلى نص بقدر ما هو انتقال من تجربة إلى تجربة، ومن سؤال إلى سؤال، ومن قلق إنساني قديم إلى قلق معاصر يتخذ أشكالًا جديدة.

وإذا كان التناص الفلسفي أحد الأدوات التي يبني بها النص وعيه، فإن العدمية هي إحدى أبرز النتائج التي تتشكل داخل هذا الوعي. غير أن العدمية في «زوال» لا تظهر في هيئة موقف فلسفي معلن، وإنما تتوزع على تفاصيل الحياة اليومية، فتبدأ من الإحساس بانسداد الأفق، ثم تنتقل إلى العمل والعلاقات والحب والكتابة والمقهى والعزلة، وتنتهي إلى الجسد نفسه. ولهذا فإن الحديث عن العدمية في الرواية لا ينبغي أن يقتصر على الأسئلة التي يطرحها الراوي حول الموت والوجود، بل ينبغي أن يمتد إلى الطريقة التي تتحرك بها الشخصيات داخل عالم يبدو وكأنه فقد قدرته على إنتاج المعنى.

ويبرز ذلك بوضوح في الفضاء الصحفي الذي يعمل فيه علاء. فالصحافة، التي يفترض أن تكون مهنة للكلمة والحقيقة والكشف، تتحول داخل الرواية إلى فضاء للاستلاب. ولا يعود الكاتب الصحفي منتجًا للمعرفة أو شاهدًا على الواقع، بل يتحول إلى عامل داخل آلة بيروقراطية تفرض عليه إنتاج مواد مفبركة، وحوادث مصنوعة، وأخبارًا تستجيب لمنطق الإثارة والابتذال.

هنا تتخذ العدمية شكلًا اجتماعيًا ومهنيًا؛ فالمشكلة لم تعد في أن الشخصية عاجزة عن العثور على معنى فلسفي للحياة، وإنما في أنها تعمل داخل منظومة تفرغ العمل نفسه من معناه. ومن أكثر العبارات دلالة على هذا الوضع ما يقوله فايز: "نحن نكتب كثيرا من أجل تحسين الخط.. كلنا مرضى، ولن يشفينا جميعا إلا اعتزال تحسين الخط، فما نفعله شيء غير الصحافة".

هذه العبارة، على الرغم من بساطتها الظاهرة، تختزن مأساة كاملة؛ فالكتابة التي يفترض أن تكون فعلًا من أفعال الخلق أصبحت تمرينًا شكليًا، والكاتب الذي يفترض أن يكون صاحب موقف صار مشغولًا بـ«تحسين الخط». ومن هنا تتحول الكتابة إلى فعل بلا غاية، وإلى ممارسة تستنزف الموهبة بدل أن تحققها.

إن المفارقة التي يصنعها شلتوت هنا شديدة الدلالة؛ فالمهنة التي تقوم على صناعة الكلمة تنتهي إلى إفراغ الكلمة من قيمتها. ولذلك لا يكون اغتراب الصحفي اغترابًا عن مكان العمل فحسب، وإنما اغترابًا عن ذاته الأولى؛ عن الكاتب الذي كان يحلم بأن يكون مبدعًا، فإذا به يجد نفسه يكتب ما لا يؤمن به، ويصنع واقعًا صحفيًا زائفًا من أجل راتب أو رضا مدير أو استمرار مؤسسة فقدت بوصلتها الأخلاقية.

وهذا ما يفسر تحولات شخصيات مثل شريف؛ فالرجل الذي يحمل طموحًا أدبيًا، والذي اشتغل على السير والتاريخ والفن، يجد نفسه في النهاية محاصرًا في ماكينة الصحافة، بل إن إنتاجه نفسه يمكن أن يُنسب إلى المدير. وهنا تبلغ المفارقة حدها الأقصى: المبدع لا يخسر نصه فقط، وإنما يخسر اسمه أيضًا.

ويتقاطع هذا البعد مع ما أشار إليه الناقد حمد جبريل في قراءته المرافقة للرواية من أن استلاب مهنة الصحافة لموهبة الأديب يمثل قضية أساسية في العمل؛ لأن الصحافة الصفراء، حين تقوم على الإثارة والفبركة، لا تستهلك الوقت وحده، بل تستهلك الموهبة الأدبية وتعيد تشكيلها وفق منطق السوق.

ولا تقف العدمية عند حدود المؤسسة الصحفية، وإنما تنتقل منها إلى الذات. فحين يفقد الإنسان قدرته على تحقيق ذاته في العمل، يصبح من الصعب أن يحتفظ بيقينه في المجالات الأخرى. ومن هنا تتصل الأزمة المهنية بالأزمة العاطفية اتصالًا واضحًا؛ فالحب في «زوال» لا يظهر بوصفه ملاذًا كاملًا من خراب العالم، بل يبدو هو الآخر مهددًا بالتآكل. العلاقات لا تمنح الشخصيات يقينًا جديدًا، وإنما تزيد أحيانًا من شعورها بالخذلان .

وتكشف علاقة الراوي بالنساء عن هذه الأزمة بوضوح. فـ«سعاد الأولى» لا تبقى في الذاكرة بوصفها قصة حب مكتملة، وإنما تتحول علاقتها به إلى نوع من الحصار العاطفي والمساومة الصامتة، حتى يبدو الحب نفسه فاقدًا لطاقته الأولى. أما «سعاد الثانية»، بما تحمله من قصائد وأحلام مجهضة، فتبدو صورة أخرى للكائن الذي يريد أن يكتمل لكنه يعجز عن الوصول إلى اكتماله.

 وفي شخصية «سندس» يتخذ الأمر مسارًا مختلفًا؛ إذ تتحول الأنوثة إلى مادة للاستثمار والتسويق، ويصبح الجسد جزءًا من منظومة النجومية الزائفة التي تخدم مصالح المؤسسة. وهنا لا يعود التشيؤ مقتصرًا على العمل أو الكلمة، وإنما يصل إلى الإنسان نفسه، حين تتحول المشاعر والجسد والصورة إلى سلع قابلة للاستهلاك.

أما «ضحى»، فتظهر في ذاكرة الراوي بوصفها أثرًا من زمن آخر، زمن لم يعد حاضرًا إلا باعتباره ذكرى. ولهذا فإن الحب القديم لا يستطيع أن ينقذ الشخصية؛ لأنه أصبح هو الآخر جزءًا من الماضي، وكلما استعادته الذاكرة أعادت معه الإحساس بما فقدته الشخصية.

وهكذا تتراجع العلاقة الإنسانية من كونها إمكانية للخلاص إلى كونها ميدانًا آخر من ميادين الفقد. فلا يعود الآخر قادرًا على ترميم الذات، لأن الآخر نفسه يعيش أزمة مماثلة، ولأن العالم الذي يجمع الشخصيات لا ينتج الطمأنينة بقدر ما ينتج مزيدًا من القلق.

وتتسع دائرة العدمية في الرواية من المؤسسة والعمل والعلاقات إلى الأمكنة. فالمقهى، مثلًا، لا يؤدي وظيفة اجتماعية بريئة؛ إذ يبدو فضاءً تتجاور فيه الشخصيات، لكنها لا تصل إلى بعضها حقًا. تذوب الأسئلة الكبرى في دخان الشيشة، وتتراجع الرغبة في الفعل أمام الثرثرة اليومية. وهنا تقدم الرواية مفارقة مؤلمة: الشخصيات مجتمعة جسديًا، لكنها منفصلة روحيًا؛ تتحدث كثيرًا، لكنها لا تقول ما ينقذها؛ تلتقي، لكنها لا تتواصل؛ تملأ الوقت، لكنها لا تستعيد المعنى.

وفي المقابل تأتي الغرفة فوق السطوح بوصفها فضاءً للعزلة. غير أن العزلة لا تحقق للراوي خلاصًا حقيقيًا. فبين كراتين الكتب وتسجيلات أم كلثوم وعبد الحليم ومحمد منير، يبدو الماضي أكثر حضورًا من الحاضر، وتصبح الثقافة والموسيقى والذاكرة محاولات مؤقتة لتسكين الألم، لا وسائل نهائية للخلاص.

إن الكتب المتراكمة هنا يمكن قراءتها بوصفها رمزًا كثيفًا؛ فهي تمثل المعرفة التي يمتلكها الإنسان، لكنها لا تكفي وحدها لإنقاذه. إن علاء محاط بالكتب، لكنه ليس محاطًا باليقين؛ يملك الذاكرة، لكنه لا يملك المستقبل؛ ويعرف كثيرًا، لكنه لا يجد جوابًا لسؤال الوجود. وفي هذا المفصل تحديدًا تتكشف مفارقة المثقف الذي يملك أدوات القراءة ولا يملك بالضرورة أدوات النجاة.

وتتقاطع عزلته مع حكايات الجار حمدي وزوجته دنيا، بحيث لا تعود مأساة البطل مأساة فردية. إن الشخصيات المختلفة، على الرغم من اختلاف حكاياتها، تبدو وكأنها تتحرك داخل الدائرة نفسها: دائرة الحاجة والوحدة والخذلان والعجز عن بناء حياة تستجيب لما تحلم به. وهكذا يصبح الفضاء الروائي كله أشبه بشبكة من المصائر المتجاورة، حيث لا تنجو شخصية تمامًا من أثر الخراب الذي يحيط بالجميع.

ومن أجمل ما يفعله النص أنه لا يترك العدمية معلقة في فضاء الأفكار، وإنما يمنحها في النهاية جسدًا، فالمرض الذي يصيب الراوي، وما يتصل به من ضغط وتورم في الساق واستخدام العكاز، لا ينبغي أن يُقرأ بوصفه مجرد تفصيل واقعي في بناء الشخصية؛ إذ يكتسب الجسد في الرواية وظيفة رمزية، لأنه يتحول إلى سجل مادي للانكسارات التي عاشتها الشخصية.

لقد بدأ الانهيار من الداخل: اهتز اليقين، وفقد العمل معناه، وتآكل الحب، وانكمشت العلاقات، وانفتح الوعي على أسئلة الموت والعبث. ثم أخذ هذا الانهيار طريقه إلى الجسد، وكأن الجسد يترجم في النهاية ما عجزت اللغة عن قوله. ومن هنا تصبح الساق المتعبة والعكاز أكثر من مجرد عنصرين في المشهد؛ إنهما علامتان على هشاشة الكائن، وعلى حاجة الإنسان إلى ما يسنده حين يفقد قدرته على الوقوف وحده.

غير أن العكاز نفسه لا ينجح في إنقاذ صاحبه؛ إذ يخطئ موضعه في اللحظة الحاسمة، وكأن الوسيلة الأخيرة التي احتمى بها الإنسان لا تستطيع أن تحول دون سقوطه. وهنا يكتسب السقوط دلالته الرمزية، لأنه لا يأتي نتيجة عارض منفصل، بل نتيجة طبيعية لمسار طويل من التآكل.

وتصل الرواية إلى ذروة كثافتها الرمزية في المشهد الأخير، حين تتأزم حالة الراوي على درجات السلم، وتتصاعد وطأة المرض والإرهاق والاختناق وسط زحام من الوجوه والرموز المتبددة، ثم يقع السقوط. إن السلم هنا ليس مجرد مكان للعبور من مستوى إلى آخر؛ إنه صورة لحركة الإنسان في الحياة، صعودًا وهبوطًا، مقاومةً وانكسارًا.

ولذلك فإن السقوط على الدرجة الأخيرة يكتسب دلالة تتجاوز الحدث الواقعي؛ فالدرجة الأخيرة هي الحد الفاصل بين الاستمرار والتوقف، بين الحركة والسكون، بين وجود ما يزال يحاول أن يقاوم وزوال يضع حدًا للمقاومة. وتأتي الأوراق المتطايرة والمظاريف الصفراء الخاوية لتكمل المشهد الرمزي.

فالورق الذي كان ينبغي أن يحمل الكلام والمعنى والتاريخ يصبح جزءًا من مشهد الموت، والرسالة التي كان يمكن أن تصل بين إنسان وآخر تتحول إلى ظرف فارغ، والكتابة التي كانت محاولة لمقاومة النسيان تصبح في النهاية مادة تغطي الجسد.

إن هذه الصورة بالغة القوة؛ لأن الرواية تجعل الكلمة نفسها تحضر عند لحظة غياب صاحبها، ولكنها تحضر في هيئة أوراق متطايرة لا تستطيع أن تمنع السقوط. وهنا تتولد مفارقة عميقة بين فعل الكتابة وفعل الزوال: فالكلمات كثيرة، والأوراق كثيرة، والوثائق كثيرة، لكن الإنسان الذي كان يمنحها المعنى يغيب.

ومن هنا يصبح عنوان «زوال» أكثر من عنوان للرواية؛ إنه البنية العميقة التي تنتظم تفاصيلها. فهناك زوال المهنة من معناها، وزوال الحلم من طاقته، وزوال الحب من يقينه، وزوال الإنسان من علاقاته، وزوال الكاتب من صوته، ثم زوال الجسد في النهاية.

غير أن الزوال في الرواية ليس موتًا جسديًا فقط؛ إنه عملية تبدأ قبل الموت بوقت طويل. يبدأ الإنسان في الزوال حين يفقد علاقته بذاته، وحين يتحول عمله إلى عبء، وكلمته إلى سلعة، وحبه إلى ذكرى، وذاكرته إلى مقبرة، ومحيطه الاجتماعي إلى مساحة من الضجيج الذي لا ينتج تواصلًا حقيقيًا.

ومع ذلك، فإن قراءة الرواية بوصفها نصًا عدميًا خالصًا قد تكون قراءة غير مكتملة؛ لأن مجرد الكتابة عن العدم يمثل، في حد ذاته، فعل مقاومة له. فالرواية التي تكشف الخراب لا تكتفي بالاستسلام إليه، وإنما تمنحه شكلًا ولغةً وبنيةً سردية. والشخصيات التي تبدو عاجزة عن تغيير واقعها لا تزال قادرة على أن تُروى، وأن تتحول تجربتها من ألم شخصي إلى تجربة جمالية ومعرفية يشارك القارئ في تأملها.

وهنا تكمن إحدى المفارقات العميقة في «زوال»: الشخصية قد تكون عاجزة عن إنقاذ نفسها، لكنها تستطيع أن تروي عجزها؛ والعالم قد يكون فاقدًا للمعنى، لكن الرواية تستطيع أن تمنح هذا الفقد شكلًا ودلالة. ومن ثم لا تقول الرواية إن المعنى غير موجود فحسب، وإنما تضع القارئ أمام سؤال أكثر تعقيدًا: ماذا يحدث للإنسان حين يعجز عن العثور على المعنى؟ وهل يستطيع الأدب أن يصبح آخر وسيلة لمقاومة هذا العجز؟

من هذه الزاوية، تغدو الكتابة نفسها فعلًا مضادًا للزوال. فكل ما يتداعى داخل العالم الروائي تستعيده الرواية باللغة؛ الأشخاص الذين تآكلوا تستعيدهم الشخصيات، والأماكن التي فقدت معناها تستعيدها الذاكرة، والأحلام التي ماتت تستعيدها الحكاية، والجسد الذي يسقط في النهاية يبقى حاضرًا في النص.

وهنا تبلغ المفارقة الفنية أوجها: يموت البطل، لكن حكايته لا تموت؛ يزول الجسد، لكن النص يقاوم الزوال. ومن ثم فإن قوة الرواية لا تنبع من تصويرها للعدمية وحدها، وإنما من قدرتها على تحويل هذه العدمية إلى سؤال جمالي ومعرفي مفتوح، وعلى جعل القارئ يشارك في مساءلة عالم فقد كثيرًا من يقينياته.

إن رواية «زوال» لأحمد رجب شلتوت، في ضوء ذلك، تنفتح على تجربة إنسانية تتجاوز حدود الشخصية والمكان والمهنة؛ لأنها ترصد الإنسان حين يجد نفسه عالقًا بين عالم لا يمنحه يقينًا، وذات لا تستطيع أن تتخلى عن رغبتها في العثور على معنى. ولذلك فإن التناص الفلسفي في الرواية ليس مجرد انفتاح على أسماء كبرى، وإنما هو استدعاء لذاكرة السؤال الإنساني، فيما تمثل العدمية النتيجة النفسية والاجتماعية لتصدع الإجابات.

وبين الاثنين تتشكل الرواية بوصفها خطابًا عن الاغتراب وانهيار اليقين واستلاب الموهبة وتشيؤ العلاقات وتحول الإنسان إلى كائن مستهلك داخل منظومة لا تكف عن إنتاج الفراغ. وإذا كان السقوط الأخير هو النهاية الظاهرة لحياة علاء، فإن الرواية توحي بأن السقوط الحقيقي كان قد بدأ قبل ذلك بكثير؛ بدأ يوم تحولت الكلمة إلى مهنة بلا رسالة، والحب إلى ذكرى، والموهبة إلى سلعة، والعمل إلى استلاب، والذاكرة إلى عبء، والجسد إلى مساحة أخرى للانهيار.

ولعل أكثر ما يمنح هذه الرواية دلالتها أن «الزوال» فيها لا يأتي دفعة واحدة؛ إنه يتسلل ببطء، مثل ظل طويل يزداد امتدادًا كلما ظن الإنسان أنه ما يزال قادرًا على الإفلات منه. ومن ثم فإن المشهد الأخير لا يمثل مفاجأة منفصلة عن مسار السرد، بل يبدو النتيجة الطبيعية لمسار طويل من التآكل الداخلي.

إن الأوراق الصفراء التي تستقر فوق الجسد في النهاية تختصر مأساة الرواية كلها: أوراق كثيرة، وكلمات كثيرة، وحكايات كثيرة، ولكن المعنى الذي كان ينبغي أن يجمعها ظل مهددًا بالسقوط. ومع ذلك، فإن الرواية نفسها تنجح في انتشال تلك الأوراق من عبثها، وتحولها إلى نص؛ وبذلك يصبح الأدب، في مواجهة الزوال، آخر ما يمكن أن يمنح الفناء ذاكرة، ويمنح الألم صورة، ويمنح الإنسان فرصة لأن يقول: لقد مررت من هنا، وكان لي في هذا الخراب صوت.
-------------------------------------
بقلم: د. وسام علي الخالدي