19 - 10 - 2026

الصيرورة والتجلي: تظاهرة مراد درويش بـ "ضي الزمالك"

الصيرورة والتجلي: تظاهرة مراد درويش بـ

شهد جاليري ضي الزمالك تظاهرة فنية استثنائية احتفاء بالتجربة الإبداعية للفنان والصديق مراد درويش، حيث التفت حول أعماله حشود من طلابه ومريديه والمثقفين والفنانين بمختلف اتجاهاتهم. ولم تكن هذه التظاهرة مجرد معرض فردي تقليدي، بل كانت حالة وجدانية وفلسفية غنية أثارت نقاشا عميقا حول مفهوم الفن، والصيرورة الإبداعية، والواجب المعرفي والفلسفي للفنان تجاه جمهوره ومريديه.  

قدم الفنان زهاء مائتين وخمسين لوحة تنوعت أساليبها وتقنياتها بشكل ثري؛ فتراوحت بين الدراسات التحضيرية والاستكشافات البصرية، واللوحات التعبيرية والواقعية، ممتدة من ألوان الأكريليك والباستيل إلى الرسم والتصوير وفن الكولاج. هذا التنوع الهائل وضع الجمهور والوسط النقدي أمام سؤال جوهري: لماذا لم يقتصر الفنان على تقديم الأعمال التامة الاكتمال، واختار أن يعرض كل هذه الاتجاهات والتجارب المكتملة وغير المكتملة دفعة واحدة في معرض واحد؟  

إن الإجابة عن هذا السؤال تتجلى في انحياز مراد درويش لمفهوم الصيرورة؛ فهو لم يتعامل مع الجاليري بوصفه متحفا للمنتج النهائي الساكن، بل كعرض مفتوح للمكاشفة البصرية. لقد أراد أن يكشف عن ما قبل وما بعد اللوحة، ليؤكد أن القيمة الحقيقية للإبداع لا تكمن فقط في اللحظة الأخيرة للعمل الفني، بل في رحلة البحث والمسار والتجريب والتفكير المتواصل. وهذا الكشف الفلسفي عن أدواته ومراحل تشكل أفكاره ينم عن ثقة كاملة وتمكن راسخ في أدواته التشكيلية، حيث يفتح المجال للحوار والنقاش الفلسفي المعمق بدلا من التلقي الاستهلاكي البسيط.  

وعند التأمل في بنية اللوحات وتجلياتها التشكيلية، نجد أن أعمال مراد درويش تنبض بفرادة استثنائية في بناء السطح الفني، وسحر ألوانه الخاصة، وحيوية خطوط لمساته. ففي لوحة الكرسي الخشبي والشمعدان بشمعته المضاءة وإبريق النحاس، نلمس حوارا شاعريا بين الظل والنور. يتسلل الضوء هادئا ليمنح الكرسي والموجودات كيانا وجوديا حميميا، يذكرنا بجماليات البساطة والهدوء الداخلي. وفي لوحة المرأة الجالسة عند المكتب تقرأ تحت الضوء المتسلل من النافذة، تتداخل الضربات اللونية الحية للباستيل بين الأزرق والأصفر والأرجواني لتخلق مناخا ذكيا يمزج بين الواقعية التأملية والتعبيرية الانطباعية.  

أما في لوحات الطبيعة الصامتة التي تضم المزهريات والأواني والفاكهة، فإن العناصر تتجاوز وظيفتها الشكلية الصامتة لتصبح رموزا مفعمة بالحياة. تظهر خطوط الباستيل المتموجة والمتقاطعة فوق السطح البصري كأنها إيقاعات موسيقية تعبر عن النبض والطاقة الداخلية للأشياء. ويبدو بروز الحمامة البيضاء والرموز والخطوط في خلفيات بعض اللوحات محولا السطح التشكيلي إلى فضاء ينفتح على الحلم والحرية والتسامي الفلسفي.  

وفي مشاهد الممرات المائية والمباني التاريخية ذات النبرة الزيتية الدافئة، والشارع الحاضن للشجر والشخوص بلغة الباستيل التعبيرية، يستحضر الفنان روح المكان وعمقه التاريخي عبر بقع ضوئية وضربات فرشاة مفعمة بالحركة والحيوية. بينما تبني البورتريهات والتشخيصات المتداخلة مع التماثيل والخيول والرموز الكتابية طبقات بصرية متراكبة تبحث في الهوية والذاكرة الإنسانية.  

إن إصرار الفنان مراد درويش على تقديم هذه الوجبة الفنية الشاملة لطلابه والمشاهدين هو موقف أخلاقي وفلسفي أصيل؛ فهو يمنح أجيالا من الفنانين فرصة لرؤية الكواليس والمعرفة البصرية الكاملة. وبالرغم من إشفاق البعض عليه لانشغاله وقتا طويلا في منح خبرته لطلابه، مما شغله أحيانا عن الاقتصار على نتاجه الفردي المكتمل، إلا أن هذا العطاء انعكس صدقا ونبضا ساطعا في عيون كل من حضر وشاهد هذا الحدث الفني الفذ. لقد أثبت معرض مراد درويش أن الفن الصادق هو الذي يمنح الحياة للسطح الفني، وأن الفنان الحقيقي هو من يملك الشجاعة ليجعل من معرضه حوارا مفتوحا ومدرسة بصرية مفعمة بسحر اللون وأصالة الفكر.
-------------------------------
كتب: د. سامى البلشي