19 - 10 - 2026

ملامح | الطريق إلى صنعاء للتحرر وليس التبعية

ملامح | الطريق إلى صنعاء للتحرر وليس التبعية

عندما قرر الزعيم خالد الذكر جمال عبد الناصر في أكتوبر 1962 الذهاب إلى صنعاء لمناصرة الثورة اليمنية، لم يكن تحركه طمعاً في حفنة من الريالات أو الدولارات، ولم يذهب محتلاً أو مجنداً لصالح مملكة تسعى لفرض وصايتها على اليمن وتدمير مقدرات شعبه وإبقائه في ظلام التخلف والرجعية.

ذهب الجيش المصري إلى صنعاء دعماً لثورة الضباط الأحرار اليمنيين بقيادة المشير عبد الله السلال، والدكتور عبد الرحمن البيضاني الذي يوصف بالعقل المدبر لثورة 26 سبتمبر 1962. كان ناصر يدرك أن قدر مصر التاريخي هو مواجهة الاستعمار البريطاني والفرنسي وإخراجه من المنطقة العربية، ومساندة الشعوب التواقة للحرية.

في جبال اليمن، خاض ألاف الجنود المصريين مواجهة شرسة لدعم النظام الجمهوري الوليد، في مواجهة جيش الإمام والتحالف الداعم له، الذي ضم حينها السعودية والأردن ودعماً استخبارياً وتكتيكياً وعسكرياً بريطانياً وفرنسياً وإيرانياً وإسرائيلياً، ذلك التحالف الذي استأجر عشرات الآلاف من المرتزقة والقبائل المسلحة. وقدرت بعض المراجع التي تناولت "حرب اليمن" عدد القوات التي واجهتها مصر بحوالي 300 ألف ( 20 ألف جندي نظامي يتبعون الإمام والمملكة السعودية، و200 ألف مقاتل من القبائل كانت الرياض تمدهم بالسلاح، وأكثر من 70 ألف مقاتل من دول أوروبا) مقابل 55 ألف مصري في البداية، وزاد العدد إلى 130 ألف جندي، نتيجة للتصعيد السعودي البريطاني ولم يكن نتيجة الواقع على أرض المعركة أو حاجات عسكرية صرفة. كما أرسل العراق أيضاً العديد من البعثيين اليمنيين على متن الطائرات لزعزعة استقرار نظام الضباط الأحرار اليمني الموالي للمصريين. ودفعت السعودية أيضاً باليمنيين العاملين لديها لقتال جيش الثورة.

وقفت مصر عبد الناصر مع الثورة اليمنية ضد التخلف والرجعية الذي فرضه حكم الإمامة لعقود، ليرى الشعب اليمني النور، بل ودعم اليمن الجنوبي القابع تحت ظلام الاحتلال البريطاني لنحو 120 عاماً. لم يذهب الجيش المصري لقتال شعب يقتل ويباد منذ عام 2015، وتتفن السعودية والإمارات بدعم أمريكي وبريطاني وفرنسي وإسرائيلي ـ كما أعلن ترامب ـ  وتحالفات ضمت أكثر من 19 دولة بينها باكستان وتركيا لإبادة شعب اليمن إكراماً للريال السعودي.

اليوم يتكرر المشهد الإقليمي بملامح مختلفة؛ دعم وغطاء غربی وإسرائيلي، وتأييد من بعض دويلات المنطقة للعدوان والحصار على اليمن. غير أن الفارق الجوهري يكمن في تحول الأدوار الإقليمية؛ إذ أخذت قوى إقليمية أخرى كإيران والمقاومة في المنطقة أدوار التصدّي ومساندة الشعب اليمني، في وقت تندفع فيه القاهرة نحو أدوار يراها الكثيرون ارتهاناً لضغوط الودائع والصفقات الماليّة.

عندما ذهب الجيش المصري إلى اليمن في الستينيات، سُنت سيوف التشكيك وانطلقت الحناجر تندد بكلفة التدخل، والتي قدروها بحوالي 200 مليون جنيه، بل وتحميل حرب اليمن سبب الوضع الاقتصادي المتأزم حتى وقتنا الحالي، ويبلغ الإفتراء مداه بتحميل عبد الناصر تبعية تراكم الديون بسبب حرب اليمن، والتي يروجون زوراً أنها سبب نكسة 5 يونيو 1967(!!)

اليوم، يُطلب من هذا الجيش المصري العريق الذهاب تحت لافتة "التفويض الدفاعي" لحماية عروش تحالفت عبر التاريخ ضد تطلعات الشعوب العربية وإرادتها المستقلة.

السعودية تخوض حربها ضد اليمن منذ زمن بعيد، ولقد أفسدت الثورة الشعبية السلمية اليمنية التي انطلقت في 11 فبراير 2011، حفاظاً على رجلها علي عبد الله صالح عفاش، وحتى لا تنجح الثورة فتكون خطراً على الأسرة الحاكمة.. وعندما ثار مكون من الوطن اليمني ـ سعت السعودية لتهميشه ـ في 21 سبتمبر 2026، ضد التدخلات السعودية الإماراتية التي تعمل على زيادة الفقر، واحتلال موارد الدولة التي تم تقاسمها بين الرياض وأبوظبي، كانت الحرب التي لم تتوقف.

السعودية تخشى أي مكون سياسي قوي في اليمن، لأنه سيطالبها برد الأراضي اليمنية المحتلة سعودياً (نجران وجزان وعسير) أي "الربع الخالي" كما درسنا في كتب التاريخ المدرسية القديمة التي كانت تحترم العقول، وتسعى لتعليمنا العلم الصحيح، وليس تجارة كما هو الوضع حالياً.. السعودية كان لها اليد العُليا في اغتيال المقدم إبراهيم الحمدي، الذي وصفه الإعلام الغربي بـ "ناصر الخليج" وحكم اليمن لمدة 3 سنوات (13 يونيو 1974 وحتى اغتياله 11 أكتوبر 1977) لما حققه من انجازات لازالت قائمة للشعب اليمني، وطالب بالأراضي اليمنية التي تحتلها السعودية منذ زمن وبها ثروات هي من حق اليمنيين، ومن هنا يكمن الخوف السعودي الدفين من جماعة أنصار الله، التي تمتلك القوة العسكرية ونجحت في حشد القبائل اليمنية أو غالبيتها (التي يتراوح عددها ما بين 200 إلى 400 قبيلة) لصالح ثورة 21 سبتمبر 2014.

أمر آخر لأسباب الحرب على اليمن وتجييش دول العالم لتحقيق نصر للأسرة المالكة، وهو أن "آل سعود" يسعون لتكون السعودية بمثابة "أمريكا شبه الجزيرة العربية"، وتحويل أطرافها (العراق وسوريا ولبنان.. أما الأردن فهي مملكة خاضعة للرغبة السعودية فلا خوف منها) إلى مناطق نفوذ تابعة.

ولعل ما يُحكى ويتداول في أدبيات السياسة اليمنية عن وصية المؤسس عبدالعزيز آل سعود لأبنائه: »خيركم وشركم من اليمن» و «عزّكم في ذلّ اليمن، وذلّكم في عزّ اليمن»، يختصر هذه العقيدة الاستراتيجية الدفينة. فوجود قوة عسكرية وسياسية تمتلك مقومات اقتصادية وثروات جغرافية تجعلها نداً للرياض، خاصة اليمن، يضع الأسرة الحاكمة في موضع الخوف والريبة الدائمة على مستقبل عرش نُشِئَ تاريخياً على الدماء واستقطاع أراضي الجوار.

إن الفارق بين الأمس واليوم هو الفارق بين عقيدة عسكرية وسياسية تحارب لكسر الهيمنة وبناء الاستقلال العربي، وبين تحركات تُحركها الموازانات الاقتصادية والودائع البنكية. وإن التاريخ يمهل ولا يهمل؛ فصنعاء كانت وستظل عصية على الاستعباد، ومصر العروبة يجب ألا تكون إلا في موقع السند لحرية الشعوب، لا خفيراً لحماية مصالح من يربطون أمنهم بالاستقواء بالخارج، وتنفيذ أجندات خارجية تعمل لصالح الكيان الصهيوني.
-------------------------------
بقلم: محمد الضبع


مقالات اخرى للكاتب

ملامح | الطريق إلى صنعاء للتحرر وليس التبعية