19 - 10 - 2026

مبادرة الأزهر الشريف.. سلام الحكماء وحتمية تجنب المستنقعات

مبادرة الأزهر الشريف.. سلام الحكماء وحتمية تجنب المستنقعات

في لحظةٍ تاريخيةٍ حاسمةٍ تتلبد فيها سماء المنطقة بدخان النزاعات والحروب الدامية يجيء بيان الأزهر الشريف ليضع النقاط على الحروف ويعيد البوصلة إلى مسارها الصحيح. لقد جاء نداء الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر الشريف بمثابة طوق نجاةٍ أخيرٍ يدعو حكماء الأمة للعمل الجاد من أجل إنهاء كل الصراعات والقتال والتدمير الذي يستنزف مقدرات الشعوب ويُزهق أرواح الأبرياء. 

إن احتفاءنا بهذا البيان المحترم ينبع من كونه يجسد الدلائل الشرعية والعقلانية التي تؤكد أن الاستمرار في خيار الحرب لن ينتج إلا مزيدًا من الدمار وتفتيت الأمة. 

ومن هنا يبرز الدور المحوري للإمام الأكبر في مبادرته الشجاعة التي تتجاوز مجرد التنديد والنداء لتطرح الآلية العملية الناجعة من خلال تشكيل لجنة وساطةٍ وتهدئةٍ عاجلةٍ تضم العقلاء والحكماء المخلصين من مختلف الدول العربية والإسلامية لتتولى التحرك الفوري لنزع فتيل الأزمات وتقريب وجهات النظر.

إن قراءة التاريخ وتأمل تجارب الحروب يؤكدان حقيقةً أزليةً مفادها أن الحروب عندما تبدأ لا أحد يعلم مداها ولا تأثيراتها ولا متى وكيف تنتهي، ولعل تجاربنا التاريخية السابقة في اليمن على وجه الخصوص تثبت بوضوحٍ تامٍ أن الخيار العسكري لم يورث إلا حسرةً ودروسًا قاسيةً تؤكد أن اليمن الحبيب بظروفه وشعبه وقبائله مستنقعٌ يصعب الخروج منه دون أضرارٍ جسيمةٍ. 

إن العقيدة العسكرية المصرية الرصينة والمنسجمة مع تطلعات هذا الشعب قامت دائمًا على عدم التدخل في الحروب الخارجية وعصمة الدم والقتال فقط دفاعًا عن التراب الوطني وعن الحدود المباشرة، وعدونا معروف لكافة الشعب المصري من أطفال وشيوخ.

ومن هذا المنطلق فإن مصلحة مصر العليا تكمن في أن تبادر وتلعب دور السلام المحايد بنيةٍ طيبةٍ وجهدٍ صادقٍ لإنهاء الصراع بدلاً من الانسياق وراء دعوات التورط الميداني التي لا يجني منها أحدٌ نصرًا مؤزرًا ولا حسمًا حقيقيًا.

لقد أوضح بيان الأزهر الحكيم أن التفرق والتناحر هما السبب الرئيس في وهن الأمة واستباحة حرماتها وتداعي الأمم عليها وتبديد منجزاتها وثرواتها في وقتٍ أحوج ما نكون فيه إلى وحدة الصف وجمع الكلمة. 

إن الرغبة الشديدة في منع الحرب في اليمن وإيقاف نزيف الدم العربي تدفعنا للمطالبة الفورية بعقد جلسات صلحٍ شاملةٍ ورعاية معاهدات سلامٍ تاريخيةٍ تقودها المؤسسة الأزهرية العريقة بالتعاون مع صفوة العلماء والعقلاء عبر العالم الإسلامي، فالأزهر الشريف بما يمتلكه من رصيدٍ أخلاقيٍ وتاريخيٍ ودينيٍ لدى كافة الأطراف هو الأقدر على جمع الفرقاء تحت مظلةٍ واحدةٍ امتثالاً للقول الإلهي الخالد في وجوب الإصلاح بين المؤمنين وتجنب الاقتتال الشرير الذي تضيع فيه الأرواح والخراب.

إن تورط القوى الكبرى والإقليمية في حروبٍ مفتوحةٍ لا ينتصر فيها أحدٌ ولا ينهزم فيها طرفٌ بل تخسر فيها الأمة بأسرها يفرض على الدولة المصرية الاستمساك ببوصلة الحكمة والسلام.

ومن الأفضل والمستدام لمصر وشعبها وللمنطقة بأسرها هو الدفع باتجاه حل الأزمة عبر وساطة الحكماء ولجان التهدئة وليس عن طريق التدخل العسكري أو الانخراط الميداني فى حروب لا يعلم إلا الله متى ستنتهي وكيف ستنتهي.

كما أن استجابة الأشقاء لنداء الأزهر وإعلاء صوت الحوار والسلام على لغة السلاح والبندقية هما السبيل الوحيد لصون دماء أبنائنا وحفظ مقدرات أجيالنا القادمة وجنب أمتنا أهوال مستنقعٍ لا يُعلم مداه إلا الله.
----------------------------------
بقلم: محمد عبدالشكور



مقالات اخرى للكاتب

مبادرة الأزهر الشريف.. سلام الحكماء وحتمية تجنب المستنقعات