لا تبدو تصريحات الرئيس عبد الفتاح السيسي بشأن تماسك مؤسسات الدولة، ثم تأكيده أن الدستور لن يُمس، مجرد رسائل موجهة إلى المعارضة أو إلى «أهل الشر». فثمة قراءة أخرى تستحق التوقف أمامها، مفادها أن بعض هذه الرسائل قد يكون موجّهًا إلى داخل السلطة نفسها، في ظل تساؤلات متزايدة بشأن ترتيبات الحكم بعد عام 2030، وموازين النفوذ بين مراكز القوة داخل النظام.
في 29 سبتمبر، وخلال لقاء بمقر القيادة الاستراتيجية، حذّر الرئيس السيسي من محاولات الوقيعة بين مؤسسات الدولة، لكنه لم يكتفِ بذلك، بل دعا المسؤولين إلى التعبير عن آرائهم، وشدّد على أهمية الحوار المباشر للوصول إلى فهم مشترك قبل اتخاذ القرارات. وهي دعوة تتجاوز، في دلالاتها المحتملة، مجرد التأكيد على أهمية التواصل المؤسسي، لتفتح الباب أمام التساؤل عن طبيعة العلاقات بين مكونات السلطة، ومدى الحاجة إلى احتواء أي تباينات داخلها.
وتكتسب هذه التصريحات أهميتها من السياق الذي وردت فيه؛ إذ جاءت أمام مسؤولين حكوميين ومحافظين وقيادات من المؤسسات السيادية، قبل أن يربط الرئيس اللقاء بضرورة «إعادة بناء وتأكيد سلامة الكتلة» المصرية بمؤسساتها المختلفة.
لماذا يشدد الرئيس، في هذا التوقيت، على تماسك المؤسسات، ويدعو المسؤولين إلى عدم التردد في طرح وجهات نظرهم، ويجعل الحوار وسيلة للوصول إلى تفاهم مشترك قبل اتخاذ القرارات؟
لا تقدم التصريحات إجابة مباشرة عن هذه التساؤلات، ولا تثبت وجود صراع داخل السلطة أو تكشف أطرافه، لكنها تتيح قراءة محتملة مفادها أن الحفاظ على تماسك منظومة الحكم لا يتعلق فقط بمواجهة الضغوط الخارجية أو احتواء المعارضة، بل يشمل أيضًا إدارة التباينات داخل المؤسسات، وضمان عدم تحولها إلى خلافات تؤثر في وحدة القرار السياسي.
ومن هذه الزاوية، يصبح السؤال المطروح ليس ما إذا كانت هناك خلافات داخل النظام بالضرورة، بل ما إذا كانت الرئاسة ترى حاجة إلى التأكيد على وحدة المؤسسات وعلاقاتها في مرحلة تتزايد فيها التساؤلات حول مستقبل الحكم وترتيباته.
بعد أسبوعين، في 14 أكتوبر، جاء تصريح الرئيس السيسي بأن الدستور الذي وافق عليه المصريون «محدش هيمسه». وقد قرأ كثيرون هذا الموقف باعتباره إغلاقًا لباب تعديل الدستور بما يسمح بتمديد بقائه في الحكم بعد عام 2030، وإن لم يتضمن التصريح إعلانًا صريحًا بشأن موقفه من الترشح مجددًا أو طبيعة الترتيبات السياسية التي ستسبق انتهاء ولايته.
لكن وضع التصريحين في سياق واحد يطرح سؤالًا يتجاوز الموقف المعلن من الدستور: هل يوجّه السيسي رسائله إلى الرأي العام وحده، أم أن جزءًا منها يستهدف أيضًا أطرافًا داخل السلطة قد تكون معنية بمستقبل الحكم، وبالخيارات المطروحة بشأن المرحلة التالية؟
فالتأكيد على عدم المساس بالدستور يمكن أن يُقرأ بوصفه تمسكًا بإطار دستوري محدد، لكنه قد يحمل، في الوقت نفسه، رسالة إلى مختلف مراكز النفوذ داخل النظام مفادها أن الحديث عن مستقبل الحكم ينبغي أن يظل محكومًا بالموقف الذي تعلنه الرئاسة، لا بالضغوط أو المبادرات التي قد تنطلق من داخل السلطة أو من دوائرها المؤيدة.
ومع ذلك، لا يمكن الجزم بأن التصريحين مرتبطان بخطة واحدة أو أنهما يستهدفان أطرافًا بعينها. فالدلالة السياسية هنا لا تكمن في افتراض وجود صراع خفي، بقدر ما تكمن في توقيت التصريحات، وطبيعة الملفات التي تثيرها، والأسئلة التي تتركها مفتوحة بشأن إدارة السلطة ومستقبلها.
في المقابل، تتصاعد أصوات وحسابات مؤيدة تطالب باستمرار الرئيس السيسي في الحكم بعد عام 2030، وتناشده أحيانًا عدم مغادرة السلطة، رغم أنه لم يعلن قرارًا نهائيًا بشأن عدم الترشح مجددًا.
وتستحق هذه المطالبات الانتباه، ليس فقط باعتبارها تعبيرًا عن مواقف مؤيدين للرئيس، بل أيضًا بالنظر إلى ما يمكن أن تكتسبه من دلالات إذا تحولت إلى حملات منظمة أو تحركات تحظى بدعم من جهات مؤثرة داخل الدولة.
فمثل هذه التحركات قد تمثل ضغطًا على أي اتجاه يفضّل الالتزام بانتهاء الولاية وفقًا للإطار الدستوري القائم، كما قد تهيئ، إذا اتسعت ونُظمت، لتقديم استمرار الرئيس في الحكم باعتباره استجابة لمطلب شعبي، لا خيارًا سياسيًا يجري الترويج له أو الإعداد له مسبقًا.
وهنا تبرز أهمية التمييز بين المبادرات الشعبية المستقلة، والحملات التي تحظى بدعم أو تسهيلات من دوائر داخل السلطة. فمعرفة الجهات التي تقف وراء هذه الدعوات، وطبيعة الدعم الذي تتلقاه، وموقف الرئاسة منها، قد تساعد في فهم ما إذا كانت مجرد تعبيرات عن رغبات مؤيدين، أم أنها تندرج ضمن تحركات أوسع تتصل بمستقبل الحكم.
وإذا كانت تصريحات الرئيس السيسي بشأن الوقيعة بين المؤسسات قد حملت رسالة محتملة حول ضرورة الحفاظ على وحدة منظومة الحكم، فإن تأكيده عدم المساس بالدستور يطرح بدوره تساؤلات بشأن الحدود التي يرغب في وضعها أمام النقاش المتعلق بمستقبله السياسي. وبين الرسالتين، تظل العلاقة بين تماسك مؤسسات الدولة وترتيبات ما بعد 2030 مجالًا مشروعًا للتحليل، من دون تحويل الاحتمالات إلى وقائع أو التعامل مع التكهنات باعتبارها معلومات مؤكدة.
لذلك، فإن ما يستحق المتابعة خلال الفترة المقبلة ليس فقط مضمون التصريحات الرئاسية، بل أيضًا ما قد يتبعها من تحركات ومواقف داخل النظام. هل ستظهر حملات أكثر تنظيمًا للمطالبة باستمرار الرئيس السيسي؟ ومن الجهات التي ستمنحها المنابر والدعم؟ وكيف ستتعامل الرئاسة معها، خصوصًا إذا تعارضت مطالبها مع ما يُفهم من تأكيده التمسك بالدستور؟
الإجابة عن هذه الأسئلة قد تساعد في تحديد طبيعة الرسائل المتبادلة بين الرئاسة ومراكز النفوذ المحيطة بها، وما إذا كانت التصريحات الأخيرة تعكس مجرد تأكيد للمواقف المعلنة، أم أنها تحمل أيضًا أبعادًا تتصل بإدارة التوازنات داخل السلطة.
ففي السياسة، لا تتحدد أهمية الرسائل بما يُقال أمام الجمهور فحسب، بل أيضًا بمن يُراد له أن يسمعها، وبالتوقيت الذي تُطلق فيه، وبالسياق الذي يجعلها ضرورية. وربما يكون السؤال الأهم في تصريحات الرئيس السيسي الأخيرة ليس ما الذي أراد قوله للمصريين، بل ما إذا كان يريد، في الوقت نفسه، أن يضع حدودًا للنقاش داخل النظام بشأن مستقبل الحكم.
---------------------------------
بقلم: إبراهيم خالد






