16 - 10 - 2026

أمسية لاستعادة حقٍّ في ذاكرة نوبل.. محمود الشربيني رسول خبر الفوز إلى نجيب محفوظ

أمسية لاستعادة حقٍّ في ذاكرة نوبل.. محمود الشربيني رسول خبر الفوز إلى نجيب محفوظ

13 أكتوبر 2026.. حين تلتقي ذكرى نوبل بقضية إنصاف صاحب الرسالة

في رحاب نقابة الصحفيين بالقاهرة، وفي يوم 13 أكتوبر، الذي يحمل ذكرى حصول أديب مصر الكبير نجيب محفوظ على جائزة نوبل في الأدب عام 1988، اجتمعت نخبة راقية من المثقفين والصحفيين والنقاد والأدباء، في أمسية ثقافية ثرية، امتزج فيها عمق المعرفة بدفء المشاعر، وتلاقت فيها الأفكار حول واحدة من أهم اللحظات في تاريخ الأدب المصري والعربي.

فلم يكن اختيار يوم 13 أكتوبر لإقامة الأمسية مجرد مصادفة عابرة، بل حمل دلالة خاصة؛ فهو اليوم الذي ارتبط بفوز نجيب محفوظ بجائزة نوبل عام 1988، قبل ثمانية وثلاثين عامًا، حين انفتح أمام الرواية العربية أفق عالمي جديد، وتوجت مسيرة أديب استطاع أن يجعل من الحارة المصرية عالمًا إنسانيًا رحبًا، تتجاور فيه الأسئلة الكبرى مع تفاصيل الحياة اليومية.

عودة الحق الضائع

فعلى الرغم مما صنعه الشربيني في تاريخه من خبطات صحفية كبيرة مثل مقالات "نواب الكيف" .. إلا أنه أراد أن يرفع الستار عن دوره في نوبل محفوظ، وقد آن أوان استعادة حقٍّ يرى الكاتب الصحفي محمود الشربيني أنه جدير بالعودة إليه، وتثبيت اسمه في ذاكرة تلك اللحظة التاريخية بوصفه الشخص الذي أبلغ نجيب محفوظ خبر فوزه بجائزة نوبل.

ومن هنا اكتسب كتاب الشربيني «كنت رسول نوبل إلى نجيب محفوظ» دلالته الخاصة؛ فهو ليس مجرد استعادة لواقعة صحفية أو حكاية عابرة من كواليس الفوز، بل محاولة لتوثيق شهادة صاحبها على لحظة فارقة، وإعادة الاعتبار إلى دور يقول الشربيني إنه أدّاه، ويرى أنه لم ينل ما يستحقه من حضور وتقدير..

ففي زحام الاحتفاء بالجائزة، كثيرًا ما تتوارى التفاصيل الإنسانية خلف العناوين الكبرى، وتُختزل الوقائع في روايات شائعة قد لا تمنح كل صاحب دور حقه من الذكر. ومن هنا تأتي أهمية هذه الشهادة؛ إذ تضع أمام الذاكرة الثقافية رواية محمود الشربيني لما جرى، وتفتح بابًا للحوار حول ضرورة توثيق الوقائع بأمانة، وإنصاف أصحاب الأدوار التي أسهمت في صناعة لحظاتها.

ومن هنا يركز الكتاب على اهمية التحقق بدقة من وقائع وصول الخبر إلى نجيب محفوظ.

فكما أورد الكاتب في كتابه " ان الكل ينقل من مصدر واحد دون تدقيق. و"محدش عايز يتعب نفسه ويبحث عن مصادر أخرى"..، فيجب على الصحفي ان يتأكد من صحة المصدر.." (وهذا درس هام لشباب الصحفيين). ثم اضاف مجموعة من تفاصيل: "حسب الرواية الشائعة أن الأديب الكبير كان يأخذ قيلولته المعتادة حين اتصلوا به تليفونيا من جريدة الأهرام  وردت السيدة عطية الله زوجته وابلغوها بالخبر، فذهبت وايقظت محفوظ الذي اعتقد انه "يهلوس" كما كتب الناقد الكبير رجاء النقاش حين سأله عن رد فعله عندما علم بفوزه بالجائزة قال؛ "افتكرت اني بهلوس"... ويقول عن استقبال السيدة عطية الله لسفير السويد بملابس المطبخ عندما ذهب للمنزل ليخبره بنبأ حصوله على نوبل "." أنهم كانوا لسه مخلصين غدا " . وكيف امتلأت الشقة بالصحفيين الذين جاؤوا لعمل السبق ..

كل ذلك ولم يذكر أحد أن اول من اوصل خبر حصول محفوظ على نوبل كان محمود الشربيني الذي ذهب إليه في فندق شهرزاد ليبلغه بالخبر وكان يعمل مراسلا لجريدة الأنباء الكويتية الملاصقة للفندق ولديه العديد من الشهود على هذه اللحظة ومن بينهم مصور الجريدة الذي لحق به ومعه مدير مكتب الجريدة في مصر، بالإضافة للعاملين بالفندق وابنته التي جاءت لاصطحابه للمنزل .. مؤكدا روايته بالصور التي ظهر فيها امام الفندق ومعه مدير المكتب وهم يودعون نجيب محفوظ وابنته عند مغادرتهم...ورغم ذلك فقد خصه نجيب محفوظ بأول حديث صحفي بعد حصوله على جائزة نوبل.

وقد أضفى هذا البعد على الأمسية زخمًا خاصًا، فانتقل الحديث من الاحتفاء بمكانة نجيب محفوظ العالمية إلى قضية أوسع تتصل بأخلاقيات التوثيق الصحفي، وحفظ الذاكرة، وإنصاف الجهود الفردية، وعدم السماح باندثار التفاصيل التي تصنع التاريخ خلف بريق الأحداث الكبرى.

وفي حضور نخبة من المثقفين والصحفيين والنقاد والأدباء، امتزجت الأفكار وتعددت الرؤى، وسط أجواء جمعت رقي الحوار بصدق المشاعر، وأكدت أن الثقافة ليست استعادة للماضي فحسب، بل مراجعة واعية له، وإنصات إلى الشهادات المختلفة، وسعي إلى أن يأخذ كل صاحب دور مكانه الذي يستحقه في سجل الذاكرة.

لقد كانت الأمسية احتفاءً بنجيب محفوظ، وانتصارًا لقيمة التوثيق، وطرحًا لقضية إنصاف محمود الشربيني في روايته عن اللحظة التي أبلغ فيها أديب نوبل الكبير خبر فوزه. وبين مجد الجائزة وحق الشهادة، برز المعنى الأعمق للقاء: أن الاحتفاء بالكبار لا ينبغي أن يحجب أولئك الذين كانوا جزءًا من حكاياتهم، وأن الذاكرة الثقافية لا تكتمل إلا بحفظ التفاصيل، والاستماع إلى أصحابها، وإتاحة المجال أمام الحقيقة الموثقة كي تأخذ مكانها.

إنها أمسية دافئة في مشاعرها، ثرية في معلوماتها، راقية في حضورها، أعادت فتح صفحة مهمة من تاريخ نوبل نجيب محفوظ، وطرحت سؤالًا يستحق الاهتمام: من يحفظ ذاكرة اللحظات الكبرى، إذا لم ننصف الشهود الذين عاشوها وكانوا جزءًا منها؟
--------------------------
بقلم: حياة الشيمي