الاختبار الحقيقي ليس أن نصل إلى موعد الانتخابات الرئاسية بلا مساس بالدستور، بل أن نصل إليه وقد أصبحت قواعد الدولة أقوى، والحياة السياسية أكثر حيوية، وإرادة المواطن أكثر قدرة على التعبير عن نفسها.
ففي لحظةٍ تتجاوز فيها الكلمات حدود التصريح، وتتحول فيها العبارات إلى رسائل سياسية تستدعي التأمل، جاء تأكيد السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي بشأن عدم المساس بالدستور ليفتح بابًا أوسع من مجرد الحديث عن نصوص قانونية؛ بابًا يقودنا إلى جوهر الدولة ذاتها: من يملك السلطة؟ وما الذي يحدد حدودها؟ وكيف نضمن أن يظل مستقبل الدولة محكومًا بالدستور، لا بإرادة الأشخاص؟
لقد أعاد التصريح طرح سؤال مهم على المجال العام: ماذا يجب أن يحدث من الآن وحتى موعد الانتخابات الرئاسية المقبلة، المقررة دستوريًا في إطار انتهاء الولاية الحالية عام 2030، حتى لا يكون احترام الدستور مجرد تعهد معلن، بل ممارسة راسخة يشعر المواطن بأثرها في حياته السياسية والاقتصادية والاجتماعية؟
الإجابة لا تبدأ يوم إعلان فتح باب الترشح، ولا تنتهي بإعلان نتائج الانتخابات، إنها تبدأ من اليوم، لأن الانتخابات الديمقراطية لا تُصنع في أسابيع الدعاية، وإنما تتشكل عبر سنوات من العمل المؤسسي، وإتاحة المجال العام، وبناء الثقة بين المواطن والدولة.
أول ما يجب أن يحدث هو إغلاق باب الجدل حول تغيير قواعد تداول السلطة، وفتح باب العمل على ترسيخها. فالدستور يحدد الإطار الذي تنتظم داخله السلطة، واحترامه يقتضي أن تكون قواعد تولي المناصب العامة ومددها واضحة ومستقرة، وألا تتحول إلى موضوع للمناورات أو الاختبارات المتكررة، والمقصود هنا ليس تجميد الحياة الدستورية، وإنما صيانة قواعدها الأساسية من التوظيف السياسي العابر، والالتزام بما تقرره النصوص النافذة.
إن قيمة أي تأكيد سياسي تتضاعف عندما يجد المواطن ترجمته في سلوك المؤسسات، وعندما يدرك أن القواعد لا تتغير تبعًا للأشخاص، بل إن الأشخاص، مهما علت مواقعهم، يعملون في إطار القواعد، عندها فقط يتحول احترام الدستور من رسالة سياسية إلى ضمانة مؤسسية، لكن احترام الدستور وحده لا يكفي إذا ظلت الحياة السياسية عاجزة عن تجديد نفسها.
ثانيًا، نحن بحاجة إلى حياة سياسية حقيقية، لا مجرد مشهد انتخابي. فالانتخابات ليست صندوقًا يُفتح في نهاية الطريق، وإنما عملية تبدأ قبل ذلك بوقت طويل؛ حين تتمكن الأحزاب من بناء قواعد جماهيرية، وتقديم برامج قابلة للتنفيذ، وإعداد كوادر سياسية تمتلك الخبرة والرؤية، وحين يستطيع المواطن المقارنة بين البدائل على أساس السياسات والبرامج، لا الشعارات وحدها.
وهذا يتطلب إتاحة المجال للمنافسة السياسية السلمية، واحترام حق المواطنين في التعبير عن آرائهم، وتمكين القوى السياسية المختلفة من عرض تصوراتها في إطار القانون، كما يتطلب من الأحزاب نفسها أن تتجاوز دورها الموسمي، وأن تقدم بدائل واضحة في ملفات الاقتصاد والتعليم والصحة والتشغيل والسياسة الخارجية.
فلا يمكن مطالبة المواطن بالاختيار الواعي إذا لم تتوافر أمامه بدائل واضحة، ولا يمكن بناء منافسة جادة إذا لم تتوافر شروط عادلة لعرض هذه البدائل ومناقشتها. والدولة التي تثق في مؤسساتها لا تخشى تعدد الآراء، بل تمتلك من القوة ما يسمح لها بإدارة الاختلاف دون أن يتحول إلى صراع يهدد استقرارها.
ثالثًا، لا بد من ضمان أن تكون الانتخابات المقبلة تعبيرًا عن إرادة الناخبين، وأن تتوافر لها شروط النزاهة والشفافية وتكافؤ الفرص. وهنا تتجلى أهمية الدور المستقل للهيئة الوطنية للانتخابات، بما يشمله من إدارة العملية الانتخابية، والإشراف على إجراءاتها، وضمان سلامة التصويت وإعلان النتائج وفق القانون.
لكن نزاهة الانتخابات لا تتعلق بيوم التصويت وحده؛ فهي ترتبط أيضًا بوضوح قواعد الترشح، وشفافية الإنفاق الانتخابي، وإتاحة المعلومات، وحرية عرض البرامج، وقدرة المرشحين على التواصل مع الناخبين في إطار قواعد معلنة تطبق على الجميع. والأهم أن يشعر المواطن بأن صوته جزء من عملية حقيقية تؤثر في مستقبل بلاده، وأن اختياره يحظى بالاحترام، وأن النتيجة تعكس ما أفرزته صناديق الاقتراع وفق الإجراءات القانونية. فالانتخابات التي تحظى بالثقة لا تمنح الشرعية للفائز وحده، بل تمنح النظام السياسي كله قدرًا أكبر من الاستقرار والقبول المجتمعي.
رابعًا، يجب ألا تنشغل الدولة بمستقبل السلطة عن مستقبل المواطن. فبينما يدور النقاش حول الدستور والانتخابات، هناك أسئلة يومية أكثر إلحاحًا في حياة المصريين: كيف تتحسن الدخول؟ وكيف تتراجع الضغوط المعيشية؟ وكيف تتوافر فرص العمل للشباب؟ وكيف يحصل المواطن على تعليم جيد وخدمات صحية مناسبة؟ وكيف تتحول مشروعات الدولة إلى فرص إنتاج ودخل وحياة أفضل؟
هذه الأسئلة ليست منفصلة عن السياسة، بل تمثل أحد أهم اختبارات فاعلية الدولة وثقة المجتمع في مؤسساتها. ومن ثم، فإن السنوات الفاصلة عن الانتخابات المقبلة ينبغي أن تكون فترة لمراجعة السياسات العامة، وتقييم نتائجها، وتصحيح ما يحتاج إلى تصحيح، وتقديم حساب واضح للرأي العام عما تحقق وما تعثر وأسبابه. ولا يتعلق الأمر بإنكار الإنجازات أو تجاهل التحديات، بل بوضع الاثنين في ميزان واحد؛ لأن الدولة التي تريد بناء الثقة لا تكتفي بعرض ما أنجزته، وإنما تمتلك الشجاعة المؤسسية للاعتراف بما يحتاج إلى مراجعة. فالمواطن لا يقيس نجاح السياسات بعدد المشروعات المعلنة فقط، بل بمدى انعكاسها على مستوى معيشته، وقدرته على العمل والإنتاج، وشعوره بأن المستقبل يحمل فرصًا أفضل له ولأبنائه.
خامسًا، نحن بحاجة إلى إعلام يشرح، ومؤسسات تستمع، ومجتمع يستطيع أن يناقش دون تخوين أو تخويف. فالمجال العام الصحي لا يقوم على رواية واحدة، ولا على تحويل كل نقد إلى اتهام، أو كل اختلاف إلى خصومة، كما أنه لا يمنح الشائعات مكانة الحقيقة، ولا يسمح بتزييف الوقائع تحت ستار حرية التعبير.
المطلوب هو التمييز بين النقد المسؤول والتضليل المتعمد، وبين المعارضة السياسية السلمية ومحاولات التحريض على العنف، وهذا التمييز لا يتحقق بالشعارات وحدها، بل بالشفافية، وإتاحة المعلومات، وسرعة الرد على التساؤلات المشروعة، واحترام حق المجتمع في معرفة ما يجري. فحين تغيب المعلومات الموثوقة، تتسع مساحة الشائعات؛ وحين تضيق مساحات النقاش المسؤول، يفقد المجتمع إحدى أهم أدوات تصحيح الأخطاء. إن حماية استقرار الدولة لا تعني حماية الأشخاص من النقد، بل حماية المؤسسات من التآكل، والمجتمع من التضليل، والحياة السياسية من الانغلاق.
سادسًا، يجب أن يبدأ إعداد المستقبل من بناء المؤسسات، لا من البحث عن أسماء المرشحين وحدها. فالقضية ليست فقط من سيخوض الانتخابات المقبلة، وإنما ما طبيعة الدولة التي سيتسلم مسؤوليتها؟ وما حدود سلطاته؟ وما كفاءة المؤسسات التي سيعمل من خلالها؟ وما الضمانات التي تمنع تركيز القرار في يد واحدة؟ وكيف تستمر السياسات الناجحة، وتُراجع السياسات المتعثرة، بصرف النظر عن هوية شاغلي المناصب؟
إن الدولة الحديثة لا تُبنى على افتراض أن الأشخاص سيبقون إلى الأبد، وإنما على استعداد مؤسساتها للتجدد والانتقال المنظم للمسؤولية، ومن هنا، فإن إعداد المرحلة المقبلة ينبغي أن يشمل تطوير الإدارة العامة، وتعزيز الرقابة والمساءلة، ورفع كفاءة المؤسسات، وترسيخ مبدأ تكافؤ الفرص في تولي المسؤوليات. فالأشخاص، مهما امتلكوا من خبرة، يظلون جزءًا من دورة الحياة السياسية، أما المؤسسات القوية فهيالتي تحفظ للدولة قدرتها على الاستمرار والتطور.
وهنا تكمن إحدى أهم دلالات احترام الدستور: أن يصبح الانتقال من مرحلة إلى أخرى عملية طبيعية تحكمها قواعد معروفة، لا لحظة استثنائية تستدعي القلق أو الارتباك.
في النهاية، فإن الفترة الممتدة من الآن إلى انتخابات 2030 ليست مجرد وقت يفصلنا عن استحقاق انتخابي، بل فرصة لبناء مناخ سياسي ومؤسسي أكثر نضجًا، تتكامل فيه قوة الدولة مع حقوق المواطن، والاستقرار مع المشاركة، والإنجاز مع المساءلة. ولا يتوقف نجاح هذه المرحلة على موقف مؤسسة واحدة، بل يتطلب مسؤولية مشتركة من مؤسسات الدولة والأحزاب والإعلام والمجتمع، كلٌّ في حدود دوره واختصاصه.
فالدستور لا يُختبر عندما تكون الظروف سهلة، وإنما عندما تتقاطع المصالح وتشتد الحسابات السياسية، وفي تلك اللحظات تحديدًا، تتضح الفروق بين دولة تستمد قوتها من الأشخاص، ودولة تستمد قوتها من مؤسساتها وقواعدها. إن السؤال الذي ينبغي أن يشغلنا منالآن ليس فقط: من سيحكم مصر بعد الانتخابات المقبلة؟ بل: كيف نضمن أن تكون مصر، أيًّا كان من يحكمها، أقوى بمؤسساتها، وأكثر عدالة في فرصها، وأقدر على حماية مستقبل أبنائها؟
فالأشخاص يتغيرون، والمناصب تنتقل، والمراحل تنتهي؛ أما الدولة التي تُحسن بناء مؤسساتها، وتحترم دستورها، وتمنح مواطنيها الثقة في قدرتهم على التأثير في مستقبلهم، فهي الدولة الأقدر على الاستمرار. وهذه هي اللحظة التي ينبغي أن يتحول فيها احترام الدستور من وعدٍ سياسي إلى ثقافة دولة؛ لأن أعظم ضمانة لمستقبل الأوطان ليست أن يبقى الأشخاص في مواقعهم، بل أن تبقى القواعد أقوى من الجميع.
------------------------------------
بقلم: أحمد حمدي درويش






