16 - 10 - 2026

الزلزال الذي قد يبدأ من خلف الأبواب المغلقة

الزلزال الذي قد يبدأ من خلف الأبواب المغلقة

سواء أخذت تصريح الرئيس بشأن عدم تعديل الدستور والالتزام بالمدد الرئاسية على محمل الجد، أم تعاملت معه بشيء من عدم اليقين، فإنني أعتقد أن أهم ما في هذا التصريح ليس ما أثاره من جدل على مواقع التواصل الاجتماعي، بل ما يمكن أن يثيره من قلق عميق في دوائر أخرى، بعيدة عن الأضواء، لا نعرف عنها إلا القليل.

ففي تاريخ جمهورية مصر العربية، لم يكن وصول الحاكم إلى السلطة مجرد انتقال لشخص إلى مقعد الرئاسة، بل كان، في الغالب، إيذانًا بميلاد منظومة جديدة من النخب وشبكات المصالح والنفوذ، تتشكل تدريجيًا حول مركز السلطة، وتمتد خيوطها داخل مؤسسات الدولة وأجهزتها، كما تتشابك مع دوائر المال والأعمال والإعلام والسياسة.

ومع مرور السنوات، لا تعود هذه الشبكات مجرد تجمعات من المنتفعين، بل تتحول إلى بنية كاملة من المصالح المتبادلة، تتداخل فيها المواقع بالمكاسب، والولاءات بالتطلعات، ويصبح استمرار الوضع القائم ضمانة لاستمرار نفوذها، وربما لسلامة أصحابها أيضًا.

ولهذا فإن مجرد التلميح إلى أن للسلطة نهاية معلومة، وأن هذه النهاية لن تُؤجَّل بتعديل دستوري جديد، قد يكون أشد وقعًا على تلك الدوائر من عشرات القرارات السياسية والاقتصادية.

ذلك أن أخطر ما يمكن أن يواجه شبكات النفوذ ليس بالضرورة سقوط النظام الذي نشأت في ظله، بل أن تبدأ في الاعتقاد بأن زمنه السياسي يقترب من نهايته.

عندئذ تبدأ الحسابات التي لا تُقال علنًا، وتُفتح الملفات التي ظلت مغلقة، ويعيد كل طرف تقدير موقعه ومستقبله. فمن كان يراهن على دوام النفوذ سيبدأ البحث عن ضمانات لما بعده، ومن كان يستمد قوته من قربه من السلطة سيكتشف أن هذا القرب قد يتحول يومًا إلى عبء، ومن كان يؤجل طموحاته انتظارًا للحظة مناسبة قد يرى أن اللحظة بدأت تلوح في الأفق.

والأهم أن هذه التحولات لا تحتاج إلى إعلان رسمي أو صراع ظاهر كي تبدأ. يكفي أن يتسلل الشك إلى يقين الاستمرار، حتى تتغير لغة المصالح، وتُراجع التحالفات، ويبدأ الجميع في التفكير في اليوم التالي.

وهنا تكمن خصوصية اللحظة الحالية.

فإذا التزم الرئيس بالفعل بالمدد الدستورية المقررة، فإننا سنكون أمام سابقة بالغة الأهمية في تاريخ الجمهورية: انتقال للسلطة تحكمه نهاية دستورية معلومة، لا وفاة الحاكم، ولا إزاحته، ولا انهيار النظام السياسي المحيط به.

ولعل هذه هي النقطة التي تستحق التأمل أكثر من غيرها. فنحن لا نتحدث فقط عن احتمال تغير شخص الرئيس، بل عن اختبار لقدرة الدولة المصرية على الفصل بين استمرارية مؤسساتها واستمرارية من يتولى قيادتها، وبين مصالح الدولة ومصالح الشبكات التي تنشأ حول السلطة.

وبالطبع، ليس كل من يعمل داخل مؤسسات الدولة جزءًا من شبكة مصالح، وليس كل من اقترب من السلطة منتفعًا منها. لكن طبيعة النظم التي يطول فيها بقاء الحاكم تجعل من الصعب أحيانًا الفصل بين الولاء للمؤسسة والولاء للشخص، وبين المصلحة العامة والمصلحة المرتبطة باستمرار ترتيب سياسي بعينه.

ولذلك أظن أن السؤال الحقيقي ليس: هل سيغادر الرئيس منصبه في الموعد الدستوري؟ بل: ماذا سيحدث داخل دوائر السلطة والنفوذ حين تبدأ هذه الدوائر في التصرف على أساس أن مغادرته احتمال جدي؟

إن التحولات السياسية الكبرى لا تبدأ دائمًا في الميادين، ولا تُعلن عن نفسها بالضرورة في الخطب والبيانات. أحيانًا تبدأ في صمت المكاتب المغلقة، وفي تبدل موازين القرب والبعد، وفي قرارات صغيرة يتخذها رجال اعتادوا أن يبنوا مستقبلهم على افتراض أن الحاضر سيبقى إلى الأبد.

لهذا لا أعتقد أن الأمر سينتهي عند حدود تصريح عابر، حتى لو لم تتضح بعد دلالاته النهائية. وأرجح أننا قد نشهد، إذا ترسخ الاعتقاد بجدية الالتزام الدستوري، تغيرات متدرجة في التحالفات والحسابات ومراكز النفوذ، وربما في طبيعة العلاقة بين السلطة ومؤسسات الدولة نفسها.

وقد تكون المفارقة أن أكثر الناس انشغالًا بهذا التصريح ليسوا أولئك الذين يناقشونه اليوم على صفحات التواصل الاجتماعي، بل أولئك الذين لم يعلقوا عليه بكلمة واحدة.

فحين يصبح للسلطة أفق زمني معلوم، لا يبدأ العد التنازلي لولاية الحاكم وحده، بل يبدأ أيضًا اختبار كل المصالح التي بنت وجودها على افتراض أنها بلا نهاية.

وربما يكون هذا، في نهاية المطاف، أهم ما يمكن أن يحدث لمصر: أن تصبح الدولة هي الحقيقة الدائمة، وأن يعود شاغل السلطة إلى مكانه الطبيعي في التاريخ، مسؤولًا يأتي في موعد، ويرحل في موعد، بينما تبقى المؤسسات، ويبقى الوطن.
------------------------------
بقلم: د. هشام عبدالغفار
(نقلا عن الصفحة الشخصية للكاتب على فيس بوك)

مقالات اخرى للكاتب

الزلزال الذي قد يبدأ من خلف الأبواب المغلقة