الحروب الأهلية، والنزاعات المذهبية السياسية العابرة للحدود كشفت عن هشاشة، وتفكك دولة ما بعد الاستقلال، ومفهوم الوطنية الجامع لمكوناتها التكوينية الدينية والمذهبية والعرقية والسياسية، ومرجع ذلك التهميش التاريخي المستمر لبعض هذه المكونات/ الجماعات فى ظل غياب مؤسسات تمثيلية تعبر عن مصالحها، وتعبيراتها السياسية، والثقافية واللغوية!
سياسة الإقصاء والتهميش السياسي، والتنموي والمناطقي والتمثيلي أدت إلى بناء كل جماعة سرديتها التاريخية لهويتها المذهبية والعرقية والثقافية الشفاهية عبر مرويات الأجيال وزعماء هذه الجماعات ، تقنينها كتابة عبر كتابها ومؤرخيها ومثقفيها ، بعيدا عن الجوامع المشتركة مع مكونات المجتمع الأخرى ولاسيما مع الجماعة المسيطرة، وتحالفاتها وتعبيراتها عن الوطنية. الأخطر أن بعض هذه الجماعات راكمت ادراكًا ووعيًا بمظلومية تاريخية تجاه الدولة والسلطة الحاكمة – وبيوتاتها الطائفية والسياسية-، ومن ثم تشكل روحًا ووعيا شبه جمعى نافرًا لمفهوم الوطنية السلطوى السائد منذ الاستقلالات الشكلية عن الاستعمار الفرنسى والبريطاني والايطالى فى العالم العربي. تمركز الولاء حول القبيلة والعشيرة والطائفة، والمذهب الديني، وتم تسيس هذه الانتماءات والولاءات المضادة ، وبعض من الولاءات الهشه لمفهوم وسردية الوطنية السلطوى حول حدود دول سايكس بيكو –باستثناء مصر والمغرب-، نمط الولاءات تحت السيطرة للدولة الهشة، والنظام الحاكم القوي قمعيًا فى غالب البلدان العربية كان لمسايرة بعض سياسات وشعارات الاستقلال، والسيادة، والتنمية، بينما الواقع التطبيقي لها، كان الإقصاء، والعنف السلطوى حال المطالبات التنموية أو السياسية بإصلاحات ما، ولو جزئية!
من هنا تفاقمت المظلومية التاريخية والسياسية والتنموية، الأخطر أن السرديات السياسية والتاريخية لكل دولة سيطر عليها المنظور السلطوى سواء حول تاريخ ما قبل الاستقلال وما بعده، وعلى نحو متغير مع كل حاكم من الحكام، وذلك لإبراز كلًا منهم ما يعتبره انجازات تاريخية له، ونسيان بعض انجازات ما سبقه من حكام، والأخطر.. الأخطر تهميش، ونسيان، وتشويه بعض المراحل، والرموز التاريخية، والوقائع الهامة من منظور سلطات ما بعد الاستقلال الحاكمة، ومنها بعض هذه الجماعات التكوينية التى تم تهميشها ومعها قادتها وادوار بعضهم في حركات المقاومة من أجل التحرر الوطنى من الاستعمار، لصالح من كان لهم الغلبة، وتشكيل دول ونظم ما بعد التحرر الوطني. ومن الملاحظ ان غالب الأنظمة الشمولية والتسلطية العربية وثائقها التاريخية المعلنة تبدو نادرة ومحدودة ، وغير متاحة للمؤرخين والباحثين في عديد المجالات ، وما كان يتم داخل أروقة السلطة ، من نقاشات واراء وتعدد في الرؤي قبل اعداد السياسات والبرامج والقرارات السياسية الداخلية ، باستثناء ماكان ينشر في الصحف والمجلات الحكومية ، بما فيها البيانات والاحصائيات في الاقتصاد ومعدلات النمو ..الخ ، وكان المصدر الأساس هو اللجوء الي ما تنشره مؤسسات التمويل الدولية كصندوق النقد الدولي ، والبنك الدولي ، والاتحاد الأوروبي . اما الاتفاقيات والمفاوضات الدولية مع أي دولة ، لاستشراف عنها سوي النصوص الرسمية او بعضها ، وتحجب الأهم وخاصة بعض النصوص السرية ، وعديد من وثائق هذه المفاوضات وما تم فيها لاتوجد وثائق او حتي مذكرات او تقارير توثقها كجزء من وثائق الدولة ، وغالبا بعض ماكان يتم إذا كانت امورًا ذات حساسية ، لايتم البوح بها إلا بعد وفاة رئيس الدولة ، ويحاول بعض من شاركوا او سمعوا من مصادر قريبة او مشاركة من المفاوضات ، البوح بها وإعلانها في مذكراتهم او في احاديث تلفازية ، او مقابلات صحفية . ابرز مثال علي ذلك ماتم من تخطيط عملياتي في إدارة حرب أكتوبر علي نحو ماظهر في كتابات الفريق سعد الدين الشاذلي رئيس اركان القوات المسلحة ، والمشير محمد عبد الغني الجمسي رئيس العمليات ووزير الدفاع بعد ذلك ، منذاتفاقيات فض الاشتباك بعد حرب أكتوبر مع أسرًائيل ، والمفاوضات مع هنري كيسنجر ، ثم المفاوضات بين الرئيس الأمريكي جيمي كارتر، والمصري أنور السادات ، ورئيس الوزراء الإسرائيلي مناحم بيجن ، في الغرف المغلقة ، حول الحكم الذاتي والعلاقات مابعد اتفاقية كامب ديفيد ونتائجها ! وهو ما اظهر بعض الخلاف واستقالة وزير الخارجية إسماعيل فهمي ، ووزير الدولة للشؤون الخارجية محمد محمود رياض بعد ساعات من تعيينه احتجاجاً علي زيارة السادات للقدس في نوفمبر ١٩٧٧ ، ومحمد إبراهيم كامل ، وما كتبه د بطرس بطرس غالي . من نحن في بعض البلدان العربية إزاء نقص في وثائق الدول في بعض قضاياها واحداثها التاريخية ! أيضا في دول النفط تبدو الوثائق غير متاحة لانها تعد من اسرار هذه الدول ، وأيضا في بعض الدول العربية الأساسية مثل العراق وسوريا في ظل حكم صدام حسين او حافظ الأسد ، وبشار الأسد ، او ماوراء وصول الرئيس السوري الحالي احمد الشرع – أبو محمد الجولاني سابقا - وتاريخه السابق ضمن تنظيم جماعة النصرة كفرع من تنظيم القاعدة ، وفك ارتباطه بها ، وتشكيل تنظيم هيئة تحرير الشام وصولًا لرئسة سوريا ، وعلاقاته مع الولايات المتحدة وأجهزتها ، وتركيا وجهات اخري ؟! ومحاولة فرض تصورات لسردية سورية سنية واموية في مجتمع متعدد ؟! من نقص في سرديات وطنيات مابعد الاستقلال مع كل تغير في النظام وتحالفاته الدولية والإقليمية والداخلية ! الأخطر قيام بعضهم بتدمير وثائق تخص سياساتهم وقراراتهم السياسية وماوراءها التي اصدروها وتمس صورتهم التاريخية في تاريخ بلادهم ! ومرجع ذلك أيضا ان الوعي التاريخي محدود وغائب لدي بعضهم ، إلا في تمجيدهم في التاريخ الرسمي ، ومناهج تدريسه في المدارس ، وفي أجهزة الاعلام السلطوية !
النزعة السلطوية فى كتابة السرديات التاريخية المتحيزة أسست لمفهوم الوطنية، ومن ثم كانت سرديات تنطوى على مقاربات تنطوى على بعض من النزعة اللاتاريخية واللاموضوعية فى النظر الي تاريخ كل دولة وكتابته الرسمية، من منظور العائلة الحاكمة فى النظم الملكية والأميرية والمشيخية، أو من منظور كل رئيس وسلطة فى ظل الانقلابات العسكرية –السودان، ليبيا، والجزائر، والعراق، وسوريا- من هنا شكلت السرديات التاريخية حول الوطنية والدولة موضوعا للإضافات، والحذف، والابتسار والإضافات في المناهج الدراسية، وأجهزةالعنف الرمزى، والأيديولوجي، والإعلام.
أدت هذه السرديات التاريخية السلطوية المتغيرة فى إطار بعض ثوابتها إلى تراكم التهميش، والى ظهور بعض الحكايات السياسية المضادة تصحح بعض وقائعها، وشخوصها، من داخل بعض من شاركوا منها، من أعضاء المجالس العسكرية –بعض الضباط الأحرار في مصر- أو رؤساء حكومات، ووزراء، على نحو أدى إلى ظاهرة تشكيك فى السرديات التاريخية الرسمية مع تأويلات مختلفة ومغايرة لسياسات وبرامج وقرارات سياسية هامة ، أو إنجازات او فشل ! إزاء هذه الحالة العامة في عالمنا العربي وسرديات وطنياته الهشة والمنقوصة من منظور السلطويات الحاكمة وتجاهل مكونات وجماعات المجتمعات العربية ، من ثم ظهرت سرديات مضادة للسردية السلطوية –سردية الحزب الشيوعى السودانى ضد نظام جعفر نميرى مثلا، وسردية بعض من أبناء أفكار وحزب حسن الترابى تجاه نظام عمر البشير الانقلابي... إلخ على سبيل المثال-، إلا أن مثل هذه السرديات والتأويلات فى الدول القومية مثل مصر، تمثل تصحيح لتاريخ السياسات والوقائع وأسبابها ومآلاتها، ولا يؤثر عل مقومات ورسوخ القومية المصرية، بينما فى الدول الهشة، تساهم فى تفكك السردية التاريخية السلطوية عن الوطنية والجوامع المشتركة من داخلها.
أبرز السرديات المضادة فى المجتمعات الانقسامية جاءت من خلال السرديات المذهبية الدينية، والعرقية، واللغوية، والمناطقية، والقبلية، التى يركز على هويات مقموعة سلطويا، ومعها تاريخها، ورموزه ووقائعه، وتركزت انتماءات غالبُ كل جماعة لها، وهو ما اضعف السردية التاريخية الوطنية للدول والمجتمعات الانقسامية العربية، من كل جماعة تجاه السلطة المسيطرة. وتحولت من الشفاهية التاريخية إلي الكتابية.
من ناحية أخرى أدى التوظيف السياسي للدين والمذهب إلى سرديات مضادة سياسية من بعض الجماعات الإسلامية السياسية، تجاه النظم الحاكمة، وتغليب وهيمنة الهوية الإسلامية، من منظورها على الهويات الوطنية فى غالب البلدان العربية ! المذهبية السياسية الدينية، والطائفية أدت إلى تفجير السرديات التاريخية، والسعى إلى السيطرة الفعلية على السلطة، والحكم، والأهم إشاعة مفاهيمها على الواقع الانقسامى المتعدد، على نحو ما نرى في العراق، وسوريا، واليمن، ولبنان، على نحو يضيف للدولة الوطنية هشاشة وضعفاً هيكليا منذ الاستقلال وحتي الحروب الاهلية وانقسامات ونزاعات مابعدها .
فى عالم الذكاء التوليدى الذاتي، وتطوراته فائقة السرعة والنوعية ،والتحول، ستنتهى السردية التاريخية الواحدة من منظور سلطوى، ومعها هويتها الوطنية، وذلك لأن السرديات المضادة وهوياتها، ستكون حاضرة ، ويمكن لأى فتي، وفتاة، وشاب وشابة، وشيخ وشيخة أن يلجأ إلى الذكاء التوليدى والذاتي للتعرف على سرديات كل دولة وسلطة، ومدى صحتها التاريخية. سيفكك الذكاء التوليدي السرديات كافة، وسيركب سرديات مختلفة بناء على الوقائع التاريخية، ومن منظورات متعددة، من التاريخ الرسمي، والشفاهى، ومن مذكرات القادة وسردياتهم الذاتية، ومن الوثائق، والدراسات التاريخية المختلفة.
من هنا سوف تشهد المنطقة فى المستقبل القريب، بعض من التغير السريع فى الوعى التاريخي للأجيال Z، وآلفا، وبيتا خارج مناهج وكتب التاريخ الرسمية! وسيترتب على ذلك وعى جيلي مختلف عن الأجيال الأكبر سنا، والأهم سيتناقض مع وعى عديد من النخب السياسية الحاكمة من الأجيال الأكبر سنًا، والمعارضات أيضا إلا من أبناء هذه الأجيال وهو ماظهر في المغرب حول جودة التعليم والصحة مثلا . عالم مختلف تمامًا عن عالم المابعديات تتشكل بعض من معالمه الآن، فيما وراء الحروب والاضطرابات، وداخل المجتمعات حتى الأكثر تقدما فى فرنسا، وألمانيا، وبلجيكا، وأسبانيا.
-------------------------------
بقلم: نبيل عبدالفتاح






