حين وجدتُ على الشاشة رسالته: البقاء لله" أدركت فداحة الخسارة التي أحاطت بي، نزلت عليَّ تلك الخسارة دفعة واحدة، يقولون إن المصائب تأتي ويأتي معها اللطف، إلا هذه، جاءت دون عطف أو لطف، رغم توقعنا الموت منذ زمن لمريض عانى من استئصال جزء من البنكرياس لوجود ورم منذ سنوات، ثم جلطات بالمخ، وفشل كبدي وغيرها من الأمور المزعجة، وكأن جسده يحصد كل أوجاع بلاده، ويعاني كل ملوثاته، ويتألم من أمراضه، إلا أن فاجعة الموت كانت أشد من كافة تخميناتنا.
ولأني لست من أبناء هذا العالم ولا من المستمسكين به، ولا الراغبين في البقاء طويلاً، فإن الموت لا يعني لي شيئاً، فلم أحزن يوماً لرحيل أحد، فالموت هو الأصل، بل هو الأساس وانبثقت منه الحياة، فالله خلق الموت ثم الحياة، فلم نكن ثم كنا، وسنعود لما كنا عليه قبل خلقنا في هذه الأرض التي مازالت المعارك تدور حول هبوط آدم، أكان تكليفاً وتشريفاً أم عقوبة.
إلا أني أقدِّرُ الأمور قدرها، فإن مصر تعاني عناءً بالغاً لموت هذا الجيل الفتي الذي تحمل شتى ألوان الفقر، وهؤلاء الذين جاهدوا في الحياة لنيل قسط من التعليم، وارتقت بهم مواهبهم للحصول على تعليم جامعي، ثم نالوا وظائف قادت الدولة لبلوغ مجد لم تكن تبلغه إلا بنبوغهم، هؤلاء الذين امتلئوا بروح التربية الحقيقية، وتربوا في المجتمع كله، من الأهل والجيران وأكلوا في بيوتهم وبيوت جيرانهم، ولم تعرف أبوابهم الغلق في وجوه أحد، بل كانوا ينامون في غرف مفتوحة ومدخراتهم لهم ولغيرهم.
هؤلاء يمثل موتهم خسارة ضخمة لجيلنا الحالي، فهم الطيبون الذين يستحي الله تعالى أن يعذبنا وهم فينا، فهم شيوخ وثقات، كلهم أمل في الله وكلهم ثقة في عطائه وبره بهم، وكرمه وجوده، ويرون في كل محنة منحة وكل منع عطاء واسع.
تمثلت خسارتي الشخصية في فقدي إنسان كان لا ييأس مطلقاً، ولا يرى ظلاماً في حلكة الليل، بل يرى الفجر قريباً.
جاهدت للاتصال به حتى أجابني بأن العزاء والدفنة في مقابر الأسرة في القرية، واندهش حين وجد هذه الأعداد الهائلة التي تركت أشغالها وكسلها وتكبدت مشقة السفر وجاهدت لحضور الجنازة في قيظ الحر، ثم عادوا لحضور العزاء ومكثوا طويلاً يلبون نداء الواجب، رغم أنه ترك القرية منذ فترة طويلة، فهمست قائلاً: إنَّ الناسَ سيرةٌ تتبعهم في مماتهم، وتتناقلها الألسن والشفاه، فمن حسُنت سيرته حسُنت جنازته.
انتهى اليوم بثقله وعناده، وتألمت لفقد قيمة إنسانية سخر الله لها السموات والأرض، وعدت للبيت أجابه تلك الرسالة على شاشة الهاتف" البقاء لله".
كلمة ننتظرها لإنهاء آلام المريض، وتعبه وسهره ومعاناته ونفقاته ولجلجة الأطباء في وصف حالته، وتدهور أعضاء جسده وعناء أسرته المتواصل، وتضارب المشاعر والرغبات، وسباق الأمنيات وحرب الإمكانيات.
لكنها وهي تحمل الراحة من كل ما سبق يكمن فيها الشقاء كله، فلا جدال ولا شك ولا ريب أن البقاء المطلق لله تعالى، وأن كل شيء هالك إلا وجهه، بيد أن هذا البقاء يعني أن روحاً نفد رصيدها في آلام الحياة الدنيا، وصعدت لحياة أرقى وأنقى، وهذا النقاء والرقي يستنزف ما لدينا منهما في تلك الحياة.
تطالعني الشاشة بجملة عصية على الفهم البسيط، وكل ما ليس بسيطاً عصيٌ على الفهم والاستبصار، فالبقاء لله؛ لأنه الإله، الغني، ونحن فقراء.
هزتني الكلمة، وتراءت أمام عيني، وكأنها فيديو مصور يتلألأ في عقلي بتفسيرات شتى، وضخمت معاني الموت التي كانت بسيطة في ذهني، الموت انتقال إلى المنشأ، الموت عودة للمكان الصحيح، الموت انعتاق من الهروب والأسر.
كلا... فالموت اليوم صار مصيبة، ولم تعد الحياة حلوة نضرة بلا هؤلاء الذين رحلوا، الذين ساهموا طوعاً وحباً في بناء إنسانيتنا والعلو بقيمنا وصياغة حياتنا وصبغتها بحبل موصول بالأمل.
" البقاء لله" جملة شديدة الاختصار لآلام الفقْد، ووجع الفراق، وتدهور الصبر، وصعوبة البقاء.
ما يعزينا أن الموت يحصد الأثرياء، الذين أعطوا للحياة ظهورهم، ويستقبلون زرعهم في حياة باقية، ويحصلون على الجائزة، فلم تعد الحياة تُطاق، فلا يمكن للتلميذ أن يظل في مذاكرة ونصبٍ بلا نهاية، فلابد من دخول امتحانات الحياة وهي معاناة المرض وسواه، ثم النجاح وهو سلعة الله الغالية، ألا إن سلعة الله الجنة.
فالأثرياء يموتون ويدخلون الجنة. ونبقى نحن في امتحانٍ مفتوح مع جملة وحقيقة ومعنى البقاء لله.
------------------------------------------
بقلم: د. علاء الدين سعد جاويش






