15 - 10 - 2026

"كنت رسول نوبل".. حين يطالب الإنسان بحقه في الذاكرة بعد 38 عامًا

«إلى كل مَن أسهموا في صناعة اللحظات الكبرى، ثم غابوا عن الصورة.. إلى الذين يحرسون حقيقتهم بوفاء، ويؤمنون بأن الأثر لا يزول بمرور السنين.»

بعد ثمانية وثلاثين عامًا من لحظة تاريخية فارقة في تاريخ الأدب العربي، يعود السؤال: من يملك الحقيقة في رواية اللحظات الأولى لفوز نجيب محفوظ بجائزة نوبل؟ هذه قراءة في أبعاد قضية الشغف بالتوثيق والدفاع عن الحق الرمزي للذاكرة كما يطرحها الكاتب الصحفي محمود الشربيني.

ليست كل المعارك من أجل إثبات الحقيقة معارك على الشهرة، وليست كل المطالبات باستعادة حق قديم محاولةً للظهور من جديد. أحيانًا يكون الأمر أبعد من ذلك بكثير؛ أن يشعر الإنسان بأن جزءًا من تاريخه المهني قد انتُزع منه، وأن لحظةً عاشها وأسهم فيها لم تعد تُروى باسمه، بل أصبحت جزءًا من حكاية يتداولها الآخرون دون أن يجد نفسه فيها.

من هذه الزاوية تحديدا، يمكن قراءة ما يطرحه الكاتب الصحفي محمود الشربيني في كتابه «كنت رسول نوبل..»، بشأن دوره في إبلاغ الأديب العالمي نجيب محفوظ بفوزه بجائزة نوبل عام 1988.

فالقضية، كما يعرضها الكاتب الصحفي محمود الشربيني، لا تتوقف عند حدود السؤال التقليدي: "من عرف الخبر أولًا؟"، ولا عند قيمة السبق الصحفي في حسابات المهنة، وإنما تمتد إلى سؤال أكثر عمقًا: ماذا يحدث حين يجد الإنسان نفسه خارج رواية حدث يرى أنه كان أحد صانعيه؟

حين يُفصل الاسم عن الفعل

قد يطوي الزمن تفاصيل كثيرة، لكنه لا يمنح أحدًا حق التصرف في تجارب الآخرين أو إعادة توزيع أدوارهم. والحدث الذي يدخل التاريخ لا يصبح ملكًا خالصًا لمن يرويه فقط، كما لا يفقد المشاركون فيه حقوقهم لمجرد أن أسماءهم لم تحظَ بالانتشار نفسه. قد تستقر رواية في الأذهان بفعل تكرارها حتى تتحول إلى الصيغة الوحيدة المتداولة، لكن شيوع الحكاية لا يكفي وحده لإثبات اكتمالها، كما أن غياب اسمٍ منها لا يعني بالضرورة أن صاحبه لم يكن حاضرًا.

واعتقد إن أخطر ما يمكن أن يتعرض له الإنسان ليس أن يُنسى اسمه فحسب، بل أن يُفصل اسمه عن فعله، وأن تصبح تجربته - التي تمثل جزءًا من هويته - غائبة عن الصورة التي يحتفظ بها الآخرون عن الماضي. عندئذ لا يعود النسيان مجرد خلل في الذاكرة، وإنما يتحول إلى إقصاء رمزي؛ يبقى الحدث حيًا، وتظل تفاصيله محل اهتمام، بينما يتوارى الشخص الذي يرى أن له حقًا أصيلًا في تلك الحكاية.

وهنا تكمن قسوة المسألة: أن يعيش المرء عمرًا وهو يعرف ما حدث، ثم يجد نفسه مضطرًا بعد عقود إلى الدفاع عن روايته، وكأنه مطالب بإثبات أنه كان حاضرًا بالفعل! وكأنه مرور السنوات لا يخفف عبء التجربة، بل يضيف إليه عبئًا آخر؛ عبء مواجهة رواية ترسخت في الوعي العام، وسعي لاستعادة مساحة كان ينبغي ألا يفقدها من الأساس.

العودة لاسترداد الموقع.. لا الامتلاك

من هذا المنطلق، لا تبدو عودة الكاتب الصحفي محمود الشربيني إلى الواقعة بعد ثمانية وثلاثين عامًا مجرد استدعاء لذكرى مهنية قديمة، بل هي محاولة لاسترداد موقع يعتقد أنه حُرم منه. فهو - وفقًا لما يطرحه - لا يسعى إلى امتلاك لحظة "نوبل" لنفسه، وإنما يطالب ألا يُختزل دوره فيها أو يُستبعد من روايتها الرسمية. فالفرق كبير بين أن يشارك الإنسان في صناعة حدث، وبين أن يُسمح له بأن يكون جزءًا من ذاكرته المكتوبة.

إن هذه المسألة تضعنا في جوهرها أمام أسئلة تتجاوز الأشخاص والواقعة الصحفية المحددة:

مَن يملك حق تثبيت الرواية الأخيرة؟

وهل يكفي أن يمتلك أحدهم مساحة أوسع للحديث ليكون صوته هو المعتمد، بينما يظل صوت غيره مؤجلًا أو مهمشًا؟

وكم من التجارب الإنسانية والمهنية فقدت مكانها في الذاكرة، لا لأنها لم تحدث، بل لأن أصحابها لم يتمكنوا من الدفاع عنها في الوقت المناسب، أو لأن رواية أخرى سبقتهم إلى الانتشار؟

الاعتراف بالدور.. جوهر العدالة المعنوية

ليس كل غياب دليلًا على الإقصاء المتعمد، وليس كل اختلاف في الروايات ظلمًا، لكن تجاهل ادعاء مدعوم بالأدلة - إن ثبت صحته - لا يعود مجرد سهو عابر؛ بل يصبح خللًا في الطريقة التي نمنح بها الناس حقوقهم المعنوية، وفي الكيفية التي نصنع بها ذاكرتنا عن الماضي.

ولعل ما يجعل هذه القضية جديرة بالتأمل، أن الإنسان لا يحتاج إلى أن يكون بطل كل حكاية كي يُعترف بدوره فيها، ولا أن يحتل مركز الصورة كي يستحق أن يُذكر؛ يكفي ألا يُحذف من المشهد الذي ترك فيه أثرًا حقيقيًا. فالتاريخ ليس مجرد أسماء كبيرة تتكرر، وإنما هو تفاصيل وأدوار وشهادات قد تضيع إذا لم تجد من تتمسك بها.

بعد ثمانية وثلاثين عامًا، قد لا يكون في وسع المرء أن يستعيد الزمن أو يغير ما مضى، لكنه يستطيع أن يفتح بابًا أُغلق طويلًا، وأن يضع روايته أمام الناس تاركًا للأدلة أن تقول كلمتها.. وربما لا تأتي الاستجابة متأخرة فحسب، بل تظل ناقصة أيضًا، لكن ذلك لا يجعل المحاولة بلا معنى؛ فهناك حقوق لا تفقد قيمتها بمرور الزمن، وإن أصبح استردادها أكثر صعوبة.

إن أن تقول روايتك بعد ثمانية وثلاثين عامًا خيرٌ من أن تظل حبيسة صدرك إلى الأبد.. فالتأخر في المطالبة بالحق لا يُسقط قيمته، والصمت الطويل لا ينبغي أن يكون حكمًا نهائيًا على ما يستحق أن يُروى.
--------------------------
بقلم: أسماء حامد

مقالات اخرى للكاتب