14 - 10 - 2026

إبداعات| محرقة الملح .. قصة قصيرة

إبداعات| محرقة الملح .. قصة قصيرة

اقتحم شهد الملكة كنحال.

هوايته منذ الصغر، كانت مسرحًا لغضبه وألمه، يصارع النحل ويصارعه.

عجز عن مواجهة العاقر، اعتادت جلده بجحود البنوة وكرباج الحرمان، في ظل أبٍ صار خيال مآته، خادمًا مطيعًا لأوامرها تحت سلطان الهوى.

كانت كل ضربة يتلقاها ولده منها، تزيد من شرخ جدار الأبوه داخله، وتهوي بجرحه في منطقة أشد ألما، وهو ما كان يستشعره ولده الجريح، ليحجزه عن الانتقام.

ليشتعل الصراع بين حجر القلوب وبراءة هشّة.

كأن النحل لم يكن إلا مخزون وجع يلدغ.

أنفاس الربيع تغيب، فتتعطش الأرض، ويزيدها ملحًا ثدي امرأة لا يقطر حبًا ولا حنانًا.

فجأة قفزت نحلة فوق رأسه.

قبضها براحة يده، ليطفئ لهيب الغيظ والألم.

تذكّر "أمنا الغولة".

حين أرهقت وجهه وجعًا وألمًا من وجهها، الذي كان وكأنه قطع من ظلمات الليل.

وكأن عينيها كانت توقد كل جراح الدنيا في قلبه.

هجمت عليه خلايا من النحل، كأنها حبسته في زنزانة الخوف، لكن عقله ينبض بالمقاومة.

كانت معركة حامية الوطيس.

مرت ساعة وكأنها دهر.

وشوشه الحجر، كأنه يبوح له بسر دفين، ويرسم على قلبه وميضًا.

تورم جسده كما يتورم حجم ألمه الداخلي.

غادرته الخلايا، لكن لم تغادره أوجاع ملح الأمومة.

تفتق ذهنه عن فكرة للانتقام من "الجاحدة"، ولا تزجه خلف القضبان.

لم يجد سوى مملكة النحل، ليسقيها من كأس العذاب الذي تجرّعه، وكأنه يرد الصاع صاعين لحجر القلوب.

تناول كأسًا من العسل، وكأن الروح دبت في جسده، وعاد معها وجه الانتقام. وأشعل النار في مملكة النحل..

تصاعدت أعمدة الدخان، تخنق النحل، وترسم طوقًا للخلاص للبراءة المعذبة.

لم يكن يحرقهم، بل كان يحرق ما تبقّى منه.

وفي سكرات الموت يتمتم:

"حين أوقدت محرقة الملح، استبقتها محرقة البراءة، وظل بركان الصمت مشتعلاً."
-----------------------------------
بقلم: أبو المجد الجمال