14 - 10 - 2026

مصادر إقليمية لـ "المشهد": صنعاء ترفض مقترح الهدنة السعودي.. وإيران تنسحب من الوساطة

مصادر إقليمية لـ

- مصادر إقليمية لـ "المشهد": السعودية تخوض حرباً ضد المقاومة.. وتسريبات تتهم الصين بمساندة صنعاء

أفادت مصادر إقليمية قريبة الصلة من محور المقاومة لـ "المشهد" رفض صنعاء مقترحاً سعودياً بهدنة لمدة أسبوع. وكان عضو المكتب السياسي لـ "أنصار الله" محمد البخيتي قد كشف في حديث إعلامي عن فشل مساعٍ سعودية عبر طهران للتوصل إلى هدنة مؤقتة تتراوح بين أسبوعين وشهر، لرفض صنعاء تجزئة الحلول وتنكّر الرياض لدورها كطرف رئيسي في الصراع.

وقال البخيتي: "إن مطالب صنعاء تتمثل في إنهاء الحرب والحصار من قبل الطرفين، وأن الوساطة الإيرانية فشلت لأن السعودية تتنكر للواقع". وأضاف: "القيادة السعودية قامت بتحشيد تحالف دولي عسكري واسع وتقوم بقيادته للعدوان والحصار على اليمن، ثم تقول للعالم: نحن لسنا طرفاً في الصراع! والأدهى من ذلك أنها تزعم قيامها بدور الوسيط لوقف عدوانها وحصارها.. وهذا أمر غير منطقي".

وكانت الرياض قد اشترطت في مقترحات التهدئة - وفقاً لما ذكرته المصادر لـ "المشهد" - الوقف الشامل والنهائي لأي عمليات إطلاق طائرات مسيرة أو صواريخ باليستية باتجاه الأراضي السعودية أو المنشآت الحيوية والاقتصادية، وضمان سلامة الملاحة الجوية والبحرية في المنطقة وتجنب استهداف المطارات والموانئ أو خطوط الإمداد الاستراتيجية السعودية، فضلاً عن الدخول في مسار تفاوضي سياسي برعاية إقليمية ودولية وفق شروط أمنية واضحة تضمن سيادة واستقرار الحدود وتمنع استخدام الأراضي اليمنية منصة لتهديد دول الجوار. وهو ما رفضته صنعاء التي طالبت بفصل الملف الإنساني والمعيشي (مثل دفع الرواتب وفتح المطارات والموانئ بشكل كامل دون قيود) عن الملف العسكري والأمني، معتبرةً أن أي هدنة مؤقتة بشروط محددة مسبقاً دون رفع كامل وشامل للحصار ومعالجة كافة ملفات الحرب لا تلبي مطالبها الأساسية.

وأرجع البخيتي تعثر مفاوضات التهدئة وحل الأزمة اليمنية إلى إنكار القيادة السعودية لواقع أن إنهاء الحرب والحصار من قبل الطرفين قد أصبح مصلحة مشتركة بين اليمن والسعودية معاً، بل ومصلحة أكبر للسعودية نفسها.

وقالت المصادر لـ "المشهد" إن صنعاء تصر على شعار "لا مفاوضات.. ولا هدنة" قبل تنفيذ السعودية لاتفاق "خارطة الطريق" الذي وقّعته عام 2022 برعاية الأمم المتحدة، وتعهدت فيه بإنهاء العدوان والحصار وحل الملف الإنساني الناتج عنه. كما تصر صنعاء على حوار يمني ـ يمني بمشاركة جميع الأطراف السياسية في المجتمع اليمني دون إقصاء.

وكانت خارطة الطريق التي تبلورت ملامحها الأساسية عبر المشاورات الثنائية والمباشرة بين السعودية وصنعاء، برعاية الأمم المتحدة وسلطنة عُمان، إطاراً شاملاً استهدف إنهاء الأزمة اليمنية والدخول في مرحلة انتقالية عبر ثلاثة مسارات:

- المسار الإنساني والاقتصادي: يتضمن وضع آلية منتظمة لصرف رواتب الموظفين المدنيين في عموم المحافظات اليمنية (بما فيها مناطق سلطة صنعاء) عبر توريد عائدات النفط والغاز للخزانة اليمنية بدلاً من توريدها للخزانة السعودية لتغطية هذا البند، وفك الحصار بفتح مطار صنعاء الدولي أمام وجهات إضافية، وتخفيف الإجراءات والقيود على حركة سفن المشتقات والسلع التجارية الواردة إلى موانئ الحديدة دون عوائق معقدة، ورفع الحصار وفتح الطرق الرئيسية المغلقة بين المحافظات لتسهيل حركة تنقل المواطنين وتخفيف المعاناة الإنسانية.

- المسار العسكري: إعلان وقف دائم وشامل لإطلاق النار وللعمليات العسكرية الهجومية براً وبحراً وجواً، وتوقف العمليات العابرة للحدود، وتشكيل لجان مشتركة وآليات لضمان تأمين الحدود السعودية ومنع أي تهديدات أو هجمات صاروخية أو باليستية تستهدف المنشآت الحيوية والاقتصادية في العمق السعودي.

- المسار السياسي: استئناف العملية السياسية الشاملة (الحوار الوطني اليمني) تحت رعاية الأمم المتحدة تجمع أطراف النزاع اليمني كافة للاتفاق على شكل الدولة، والمرحلة الانتقالية، وتقاسم السلطة، ووضع إطار زمني واضح لتوحيد المؤسسات الاقتصادية والنقدية، ومعالجة الملفات العالقة كالأسرى والمختطفين.

إلا أن خارطة الطريق تعثرت بسبب إصرار الرياض وتحالفها على التمسك بفرض الحصار، ودعم الميليشيات التي تم تشكيلها من اليمنيين والمرتزقة، وفرض ضمانات أمنية، فيما تمسكت صنعاء بضرورة التنفيذ الفوري للمستحقات الإنسانية (كالرواتب وفتح الموانئ) كشرط مسبق؛ لتتعثر الخارطة تماماً مع انهيار التهدئة والعودة للمواجهات الميدانية في الثالث من سبتمبر 2026، بعد استهداف الرياض لمطار صنعاء الدولي لمنع طائرة مدنية إيرانية على متنها مرضى وجرحى يمنيون ووفد رسمي كان يشارك في تشييع المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي من الهبوط بالمطار.

وترى المصادر في سياق حديثها مع "المشهد" أن السعودية تخوض معركة لنزع سلاح المقاومة تنفيذاً للرغبة الصهيونية، لافتة إلى الدور السياسي الذي تمارسه في لبنان بدفع سلطتها للتفاوض المباشر مع الاحتلال لفصل لبنان عن المسار الإيراني، وكذلك مشاركة أمريكا في عدوانها الجوي على مقرات ومواقع لفصائل الحشد الشعبي وقوات أمنية وفصائل المقاومة فجر يوم 29 يوليو 2026 في 7 محافظات عراقية (بغداد، البصرة، كربلاء، واسط، نينوى، كركوك، وديالى) خلال إحياء الملايين لمراسم أربعينية الإمام الحسين (عليه السلام)، والتي أدت لاستشهاد 20 شخصاً بينهم 5 مستشارين إيرانيين، بخلاف قرابة 500 جريح دون مراعاة للحشود الوافدة من أنحاء العالم، وهو ما اعتبرته فصائل المقاومة تصعيداً خطيراً وممنهجاً يتجاوز كل الخطوط الحمراء بالعدوان على سيادة دولة العراق، وكذلك موقفها من فصائل المقاومة الفلسطينية.

وكشفت المصادر لـ "المشهد" عن تراجع طهران عن الوساطة لتمسك الرياض بموقفها الساعي لحماية أمنها دون مراعاة مطالب الطرف الآخر، ورغبتها في الحل العسكري وليس السياسي.

وهو ما وضح من تصريحات المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي، عقب اتصال هاتفي بين وزير الخارجية السعودي ونظيره الإيراني، بقوله: "كان ينبغي حل قضية اليمن قبل وقت طويل عبر الاتفاق ذاته الذي جرى بين اليمنيين والسعودية.. فقد كان هناك اتفاق على خارطة طريق بين اليمن والسعودية، وقد أكدنا أننا ندعم تنفيذ كل ما توافقتم عليه فيما بينكم". وأكمل بقائي: "إلا أن ذلك لم يحدث، وفي 13 يوليو الماضي وقع هجوم على مطار صنعاء، وقد أبدينا في ذلك الوقت قلقاً شديداً من أن يؤدي ذلك إلى تفاقم الأوضاع، وهو ما نشهده الآن للاسف.. لقد طلبنا أن يُحل هذا الوضع عبر الحوار والتواصل، لأن الوضع ليس في خير الأمة الإسلامية ومنطقتنا ومصلحتها بالتأكيد".

وكانت السعودية قد عملت على استغلال القناة الصينية للضغط الدبلوماسي غير المباشر على طهران مع تصاعد التوترات واستهداف حركة الملاحة والمطارات؛ إذ طلبت رسمياً ودبلوماسياً من الحكومة الصينية الدخول على خط الأزمة والضغط على طهران كي تمارس نفوذها لدى "أنصار الله" لكبح جماح التصعيد - وذلك وفقاً لما ذكرته المصادر لـ "المشهد" - مستغلة (أي السعودية) أن الصين هي المستورد الأكبر للنفط من الخليج وإيران معاً، وأن استمرار الهجمات يضر بمصالح بكين الاقتصادية وسلاسل الإمداد ومبادرة "الحزام والطريق".

بكين نقلت الرسالة إلى طهران مع التأكيد على ضرورة ضبط النفس وتجنب استهداف المنشآت الاقتصادية الخليجية وحركة الملاحة البحرية منعاً لاتساع رقعة المواجهة الدولية، والتأكيد على خيار التهدئة الدبلوماسية دون فرض شروط سياسية على أي من الأطراف. وبالتالي لم تكن الصين "قناة ضغط ونفوذ رئيسية" على طهران لإلزامها بتفاهمات التهدئة الأمنية كما كانت ترغب السعودية. لذلك لمحت بعض وسائل الإعلام القريبة من السعودية إلى تسريب "تقنيات ومكونات تجارية مزدوجة الاستخدام" مصنعة في الصين عبر شبكات وخطوط تهريب إقليمية (بحر العرب والخليج) تُستخدم لتطوير وتصنيع الطائرات المسيرة والأنظمة الصاروخية داخل اليمن، عقب العثور على بقايا ومكونات مزدوجة الاستخدام في حطام الصواريخ الباليستية والمسيرات. فيما يركز الحديث السعودي الرسمي على ضبط خطوط التهريب البحرية دون توجيه اتهام رسمي حكومي لبكين تجنباً لضرب الوساطة والشراكة السياسية والاقتصادية القائمة مع الصين.
--------------------------------
تقرير ـ محمد الضبع