14 - 10 - 2026

الشيخ هرمز الله.. بين محراب العبادة وميادين الدعوة

الشيخ هرمز الله.. بين محراب العبادة وميادين الدعوة

في سماء التاريخ الإسلامي لشبه القارة الهندية كواكب من العلماء الربانيين، أضاءت بأنوارها آفاق العلم والدعوة والإصلاح، وخلفت مآثر خالدة وسيرا عطرة تتناقلها الأجيال. ومن أبهى تلك الكواكب الشيخ هرمز الله، أحد أعلام العلم والتصوف، الذي جمع بين رسوخ المعرفة وصفاء السريرة، وتولى إمارة جماعة الدعوة والتبليغ وإدارة مدرسة جامع العلوم بغاسباري، فسطر اسمه في سجل أعلام بنغلاديش خلال القرن العشرين. وهذه السطور نفحات من سيرته الزكية، وقبسات من مآثره المشرقة، تستلهم منها الأجيال معاني الإيمان والإخلاص والتفاني في خدمة الدين.

أطل الشيخ هرمز الله على رحاب الحياة سنة 1913م في ناحية كانائيغات بمحافظة سلهت، تلك الربوع التي عبقت بأريج العلم والصلاح، واشتهرت بأنها موطن الأولياء والعلماء والفضلاء. ونشأ في بيت كريم في كنف والده السيد منشي محمد عبد الحميد، ووالدته السيدة محمودة بيغوم. وقد لاحت عليه منذ نعومة أظفاره أمارات النجابة ومخايل النبل، فامتاز بحسن الأدب، ودماثة الطبع، وعذوبة المنطق، واستقامة السلوك، حتى بدت تلك الخصال المبكرة تباشير مستقبل حافل بالفضل والعطاء.

تفتحت مداركه على محبة العلم والشغف بالمعرفة، فاستهل مسيرته العلمية في كتاب المسجد بقريته، ثم انتظم في مدرسة جامع العلوم بغاسباري، حيث واصل تحصيله حتى الصف السابع.

وبإشارة من العالمين الجليلين، الشيخ مشاهد أحمد البيمفوري والشيخ فضل الحق الفاضل الناراينفوري شد الرحال إلى دار العلوم بديوبند، فأقبل على طلب العلم إقبال الظامئ على المورد العذب، وظل أحد عشر عاما ملازما مجالس العلماء، حتى أتم دراسته العليا، واجتاز دورة الحديث، ونال سند الحديث الشريف. وقد حظي بشرف التلمذة على أيدي نخبة من جهابذة العلم، وفي مقدمتهم شيخ الإسلام حسين أحمد المدني، والشيخ شبير أحمد العثماني، وشيخ الأدب إعجاز علي، رحمهم الله تعالى، فارتوى من معين علومهم، وتشرب من هديهم وأخلاقهم.

عقب إتمام رحلته العلمية في ديوبند، عاد إلى أسرته التي كانت قد استقرت بولاية آسام، في بعض القرى الواقعة شرقي مدينة غواهاتي. وهناك اقترن، بإشارة من والده، بالسيدة حليمة بيغوم، كريمة السيد منشي حسن أحمد، فكان زواجا ميمونا استهل به فصلا جديدا من حياته.

تذكر سيرته أنه رأى في منامه ثلاث ليال متواليات أنه يشد الرحال إلى الهند، فاستوقفته الرؤيا، وحملته على السفر إلى منطقة نظام الدين بمدينة دلهي، حيث التقى العالم الرباني والمرشد الصالح الشيخ عبد الرحيم الرايبوري، فبايعه ولازمه في مدارج التربية والتزكية.

وأقبل على تهذيب النفس والمجاهدة الروحية بصدق العزيمة وتمام الإقبال، حتى نال الخلافة والإجازة في التربية والسلوك بعد واحد وعشرين يوما من الملازمة والمثابرة. ثم وجهه شيخه إلى صحبة الشيخ محمد إلياس، مؤسس جماعة الدعوة والتبليغ لمواصلة مسيرته في تزكية النفس وخدمة الدين.

امتثالا لتوجيه شيخه، قصد الشيخ هرمز الله الإمام محمد إلياس، ولازمه في ميادين الدعوة والتبليغ، وشاركه جهوده الدعوية في أنحاء دلهي باذلا وقته وطاقته في سبيل إعلاء كلمة الدين.

ولما لمس الشيخ محمد إلياس فيه صدق الإخلاص، وقوة العزيمة، وحسن البلاء في الدعوة عهد إليه بإمارة إحدى الجماعات الدعوية، ثم وجهه إلى الحرمين الشريفين لأداء فريضة الحج ومواصلة أعمال الدعوة والتبليغ. فشد الرحال إلى الديار المقدسة، وأدى مناسك الحج، ولبث فيها زمنا، جامعا بين العبادة والدعوة والإرشاد قبل أن يقفل راجعا إلى دياره.

استهل الشيخ هرمز الله حياته العملية في خدمة العلوم الشرعية، فأسس مدرسة دينية في منطقة سونابور بولاية آسام، وتولى التدريس فيها مدة، ثم أسند إدارتها إلى الشيخ عبد الرحمن النواخالي.

وفي سنة 1947م، وما شهدته من اضطرابات وتحولات، عاد بأسرته إلى مسقط رأسه في نارائنفور. ولما احتاجت مدرسة جامع العلوم الكاملة بغاسباري إلى الكفاءات العلمية سنة 1953م توجه إليه أعيان المنطقة ملتمسين منه تولي مسؤولياتها.

ثم لما اعتزل مديرها الشيخ أبو يوسف محمد يعقوب  ستربوري منصبه لتقدم السن، أنيطت بالشيخ هرمز الله أمانة إدارتها، فنهض بأعبائها بعزيمة لا تعرف الكلل، وإخلاص لا يشوبه فتور، ووقف جهوده على خدمة العلم وطلابه، وذلك من 30 ديسمبر 1961م إلى 30 سبتمبر 1968م.

لما اتسعت آفاق الدعوة والتبليغ، وتعاظمت مسؤولياتها، شق على الشيخ هرمز الله الجمع بين أعباء إدارة المدرسة وتكاليف الدعوة. وكان مشايخ الدعوة في دكا يلحون عليه في الانتقال إلى مركز كاكرايل، فآثر التفرغ لهذه الرسالة، والتمس إعفاءه من المسؤوليات الإدارية. وقد استجاب أهالي المنطقة لطلبه على أن يظل موصول العناية بالمدرسة، فبقي راعيا لها ومشرفا على شؤونها حتى وفاته.

ثم نذر نفسه للدعوة إلى الله، وجاب في سبيلها أقطارا عديدة، منها سريلانكا وتايلاند وماليزيا وإندونيسيا والمملكة العربية السعودية وقطر والكويت والصين وجنوب إفريقيا والولايات المتحدة الأمريكية والمملكة المتحدة، وغيرها من بلدان العالم.

وتذكر سيرته أنه كان من أبرز الشخصيات البنغلاديشية التي حظيت بصحبة الشيخ محمد إلياس، وتلقت عنه مشافهة أصول الدعوة ومناهج التبليغ. وقد نال من شيخه حظا وافرا من المودة والتقدير، حتى كان يخاطبه بلقب الشيخ الجليل، وبعث إليه برسالة أشاد فيها بإخلاصه وهمته الدعوية.

كان الشيخ هرمز الله علما من أعلام الصلاح والتقوى، ومثالا  للورع والاستقامة، شديد التمسك بالسنة النبوية في ملبسه وهيئته، وأخلاقه ومعاملاته، وسائر شؤون حياته. وقد تجلت في سيرته معاني العبودية الصادقة، والخشية الدائمة، والمراقبة القلبية، حتى غدا موضع إجلال وتقدير في مختلف الأوساط. واشتهر بين الناس بالصلاح واستجابة الدعاء، لما عرف عنه من صفاء السريرة، وصدق التوجه إلى الله تعالى، وكريم الخصال.

وكان عظيم الإقبال على العبادة، مواظبا على الصيام والقيام، مستغرقا في الذكر والتلاوة، والتسبيح والتهليل والمناجاة، حتى غدت العبادة أنس روحه، وذكر الله غذاء قلبه، والتعلق بمولاه أبرز سمات حياته.

أما الحج إلى بيت الله الحرام، فقد احتل منزلة رفيعة في نفسه، إذ تذكر سيرته أنه أدى مناسك الحج أكثر من خمسين مرة، وكان يقصد الديار المقدسة في معظم الأعوام، مصطحبا معه زوجته وبعض أقاربه وخدمه في رحلات تكررت حتى غدت من أبرز معالم حياته التعبدية، وشاهدا على شدة تعلقه بالحرمين الشريفين.

بعد مسيرة مباركة عبقت بنفحات العبادة والدعوة والإرشاد، لبى الشيخ هرمز الله نداء ربه مساء الخميس، السادس عشر من أغسطس سنة 2001م، في تمام الساعة التاسعة ليلا، وقد توجت حياته بخاتمة مشرقة.

فقد أدى صلاة المغرب في جماعة، ثم جلس مستغرقا في التسبيح والذكر، حتى إذا دنت ساعة الرحيل، أخذ يردد بصوت مرتفع: الله، الله، وظل لسانه يلهج بذكر مولاه حتى فاضت روحه إلى بارئها بعد عمر أفناه في الطاعة وخدمة الدين.

وفي صبيحة الجمعة، عند الساعة السابعة، أقيمت عليه صلاة الجنازة الأولى بمنطقة كاكرايل في العاصمة دكا، ثم أقيمت عليه صلاة الجنازة الثانية عقب العصر بمدرسة جامع العلوم الكاملة بغاسباري وسط حشود غفيرة من المشيعين. ثم ووري جثمانه الثرى في مقبرة قريته بجوار العالم الجليل الشيخ فضل الحق الفاضل.

وهكذا غربت شمس حياته غير أن أنوار مآثره لم تخب، وطويت صحيفة أيامه، وبقي عبير سيرته يتضوع في ذاكرة الأجيال، شاهدا على حياة عامرة بالإيمان والتقوى، والإخلاص في العلم والدعوة والإصلاح.

تغمده الله بشآبيب رحمته، وأسبغ عليه واسع مغفرته، ونور ضريحه، ورفع درجته في عليين، وأسكنه الفردوس الأعلى مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين.
----------------------------------
بقلم: أحمد شوقي عفيفي


مقالات اخرى للكاتب

الشيخ هرمز الله.. بين محراب العبادة وميادين الدعوة