14 - 10 - 2026

المقاطعة الثقافية ليست بدعة: أزمة الفنان الفرنسي (برنار فينيه) ومؤسسة آرت دي إيجبت

المقاطعة الثقافية ليست بدعة: أزمة الفنان الفرنسي (برنار فينيه) ومؤسسة آرت دي إيجبت

بداية، يجب التسليم بأن الثقافة هي خط الدفاع الأول عن الهوية، وأن مقاطعة الأنشطة التي تشرعن الاحتلال أو تبيض جرائمه هي واجب وطني وأخلاقي ومهني لا مساومة فيه.

وفي هذا السياق، أتحدث عن أزمة الفنان الفرنسي (برنار فينيه) الذي جرى استدعاؤه للمشاركة في معرض "حي القاهرة الدولي للفنون" في دورته السادسة من قبل مؤسسة "آرت دي إيجبت"، وهي الدعوة التي أدت إلى انسحاب الفنانين علاء عبد الحميد، ومحمد علام، وعاليا عيسى، وعدد من الفنانين التشكيليين، بالإضافة إلى مؤسسة "كايرو جاليري" وفريق العمل، الذين رفضوا جميعاً تواجد أي رموز أو أعمال فنية تحاول الالتفاف على معايير المقاطعة الثقافية، احتجاجاً على مشاركة هذا الفنان الفرنسي الذي ترتبط أعماله والمؤسسات المعروضة له بجهات وجاليريات إسرائيلية، مثل جاليري "هار-إيل" في تل أبيب ومؤسسة الأصدقاء الأمريكيين لمتاحف إسرائيل.

تتعدد الشواهد والمواقف البارزة التي سجلها مبدعون وهيئات ثقافية عربية بالانسحاب أو المقاطعة رفضاً لأي شكل من أشكال التطبيع الثقافي أو الوجود الإسرائيلي في المحافل العالمية والعربية، حيث انسحب العديد من الرسامين والنحاتين من ترشيحات لجوائز كبرى ترعاها مؤسسات ثقافية أوروبية يثبت تورطها في تبييض صورة الاحتلال عبر ما يُعرف بـ "الفن كجسر سلام مزيف"، معتبرين أن هذه الجوائز ملوثة بجرائم الاحتلال.

وأقول لمن يعتب على الفنانين انسحابهم من فعالية مؤسسة "آرت دي إيجبت" إن هذا الموقف ليس بدعة أو مفاجأة، لكن تمرير هذا الفعل وقبوله من بعض المغيبين أمر مستغرب يجعلنا نسأل: هل عتابكم مبني على الجهل أم على موقفكم المطبع؟ هل تغير موقف الكيان الإسرائيلي وأعلن إقامة دولة فلسطينية وتراجع عن المذابح اليومية بقطاع غزة والضفة الغربية وكل الأراضي الفلسطينية المحتلة؟ قولوا لي ما الذي تغير؟! ولماذا يتدافع البعض لرفض الانسحاب بدعوى أن الفن في العالم بمكوناته من متاحف، وبيناليات، وجاليريات كبيرة، وصالات مزادات، يتحكم الصهاينة في تسعين بالمئة منه؟!

لقد شهد المشهد الثقافي والفني العربي على مدار العقود الماضية العديد من المواقف المشرفة لأسماء بارزة من الفنانين والمثقفين الذين أعلنوا بوضوح انسحابهم أو اعتذارهم عن المشاركة في مهرجانات وفعاليات دولية وإقليمية رفضاً لأي شكل من أشكال التطبيع الثقافي أو لوجود تمثيل أو رموز مرتبطة بالاحتلال الإسرائيلي.

ففي المجال السينمائي والتلفزيوني على سبيل المثال، اعتذر الفنان محمد هنيدي عن المشاركة في أحد المهرجانات الدولية لمجرد التقاط صورة له على هامش مهرجان الجونة السينمائي (الدورة الثالثة) من قبل إعلامي إسرائيلي (من عرب 48 يعمل في وسائل إعلام إسرائيلية) معلنا رفضه القاطع للتطبيع الفني. كما عرف الفنان السوري دريد لحام بمواقفه الحاسمة والثابتة ضد التطبيع الثقافي، ورفض طوال مسيرته أي محاولات لترشيح أعماله أو حضوره في محافل دولية تتواجد فيها شخصيات أو مؤسسات إسرائيلية مثل مهرجانات سينمائية ودولية في أوروبا. فى بعض الفعاليات في فرنسا وسويسرا على سبيل المثال. وفي السياق ذاته، أعلن المخرج المصري سعد هنداوي انسحابه وفيلمه "ألوان السما السبعة" من مهرجان تسالونيكي السينمائي الدولي في اليونان ومهرجانات أخرى دولية احتجاجاً على حضور أو مشاركة إسرائيلية ضمن فعالياته. ومن لبنان، أعلنت الفنانة حنين أبو شقرا انسحابها من مهرجان دولي للفنون اعتراضاً على وجود عناصر ولجان تحكيم مرتبطة بالكيان، معتبرة ذلك احتلالاً ثقافياً مرفوضاً.

ولم تقف المواقف عند حدود الأفراد، فقد وثقت لجان المقاطعة والحركات الثقافية انسحاب عدة فنانين عرب مراراً من معارض دولية أقيمت في أوروبا أو الداخل الفلسطيني عندما سعت جهات إسرائيلية لضم أعمالهم الفنية بطرق غير مباشرة عبر متاحف وسيطة. كما شهدت المعارض الدولية الكبرى، مثل معرض فرانكفورت الدولي للكتاب، انسحابات جماعية ومقاطعة واسعة من دور النشر واتحادات الكتاب والمثقفين العرب، وفي مقدمتهم اتحاد الناشرين العرب، ودار سعاد الصباح للثقافة والإبداع، ودور نشر عربية ومستقلة متعددة من مصر والأردن ولبنان وتونس وغيرها، احتجاجاً على الانحياز الداعم للسياسات الإسرائيلية، مما اضطر إدارات المعارض أحياناً لتعديل مواقفها المعلنة.

كذلك انسحب عدد كبير من الروائيين والشعراء والمترجمين العرب تباعاً من مسابقات وملتقيات أدبية دولية وعالمية عُرِفت برعاية أو تمويل مؤسسات مرتبطة بالاحتلال، مفضلين التنازل عن فرص الفوز أو الحضور باسم المبادئ الوطنية. إن هذه المواقف كلها تعكس التزاماً عميقاً ومتوارثاً لدى قطاع عريض من المبدعين العرب بأن الفن والثقافة هما جزء لا يتجزأ من معركة الوعي والهوية، وخط دفاع أول ضد محاولات التطبيع وتزييف الحقائق التاريخية تحت شعار "حوار الثقافات المزعوم".
-----------------------------
كتب: د. سامي البلشي