14 - 10 - 2026

الهوية والانتماء الدينى

الهوية والانتماء الدينى

الهوية الحضارية المصرية هوية تاريخية بدأت وتشكلت مع تشكل مصر قبل الزمان بزمان. كان النيل قبل آلاف الآلاف من السنين فأوجد الاستقرار الذى كان طريقا لأبتكار فن الزراعة التى أثمرت المحاصيل التى احتاجت إلى من يحافظ عليها ومن يوزعها ومن يخزنها. هنا تولدت المسؤولية الجماعية التى أسست فيما بعد وعلى تراكم الأزمان نظاما مؤسسيا تحول إلى دولة مركزية. هنا كان الاستقرار والمؤسسات والدولة الطريق الطبيعى بأن يوجد المصرى المبدع فكانت الحضارة المصرية وكان الإنسان الحضارى المصرى. جاءت كل صنوف الاستعمار بهوياتهم المتعددة لاحتلال مصر طمعا فى خيراتها طوال الوقت. تعامل المصرى الحضارى مع كافة الوافدين بحضارتهم. هنا لو كان المصرى خالى الوفاض ولا يمتلك الحضارة ولا يعرفها سيكون فى وضع المتلقى الذى يقبل كل ما يعرض ويفرض عليه. ولكن لأن المصرى كان يمتلك هذه الشخصية الحضارية كان محافظا على حضارته ومحوطا على هويته دون جمود. فأخذ ما يضاف إليه على أرضية تحاور وتلاقى وتكامل الحضارات الإنسانية على مر الزمان وطوال التاريخ بأعتبار أن الحضارة الإنسانية بشكل عام تخص الإنسان والإنسانية.

مع العلم أن الحملات الاستعمارية لم تكن جميعها لديها ما تتأثر به الحضارة المصرية. فكان التأثير المصرى في بعض هذه الحضارات وكان التأثر المصرى من بعض هذه الحضارات. تأثرت الحضارة والهوية المصرية بصورة أو بأخرى من الحضارة اليونانية والرومانية وظلت اثار الحقبة القبطية أى المصرية ذات تأثير مباشر حيث انها بنت الإبداع والحضارة والهوية المصرية . تم كان التأثير الاخير وهو التأثر بالحقبة العربية من خلال العقيدة واللغة العربية التى أصبحت اللغة الرسمية بعد حوالى خمسة قرون.

هذه هى المكونات الأهم والاكثر تأثيرا على الهوية المصرية من بعض المؤثرات الأخرى سواء الأفريقية أو البحر متوسطية. كانت هذه الروافد الحضارية مكونا رئيسيا أحدث حالة تفاعل كيميائي أنتج الهوية المصرية الواحدة ذات التعددية. ولذا نجد وفى كل الأحوال أن الشخصية الحضارية المصرية هى مكون حضارى من تلك المكونات الرئيسية للهوية المصرية وإن اختلفت نسب المكونات من حقبة إلى حقبة حسب الرؤية الشخصية المنغلفة والمقتصرة على الانتماء لحلقة واحدة دون غيرها من الحلقات والحقبات .

هذا ولا نستطيع إسقاط باقى مكونات الهوية المصرية من ثقافات خاصة وعادات وتقاليد وفن وابداع..الخ. فهناك ثقافات خاصة (الثقافة المسيحية والإسلامية والبدوية والنوبية ...الخ) وهذه الثقافات استطاعت الهوية والشخصية الحضارية المصرية أن تدمجها فى صلب الهوية المصرية فكانت هذه التعددية الثقافية إثراء للثقافة المصرية الجامعة.

كما أن الثقافة الدينية كانت أحد مكونات هذه الهوية وليس كل المكونات لأن حياة الإنسان بها  العقيدة الدينية وهى علاقة الإنسان الخاصة بالله وبها انتماءه الاجتماعى والاقتصادى والسياسى والثقافى. كما أن العقيدة والإيمان الصحيح يعنى أن يتحول هذا الإيمان إلى القلب ويظهر فى الأعمال الحسنة مع كل البشر. هنا الإشكالية أن هناك من المتشددين من المسلمين والمسيحيين من يختصر الأمر فى تحويل الهوية المصرية الجامعة إلى هوية إسلامية وهوية مسيحية. وهنا فهذه نظرة منغلقة العقيدة الدينية، ولكنها ثقافة دينية وفكر دينى خاطئ لا علاقة له بصحيح الدين ولا بقيمه. سنتابع كيف يؤثر هذا الفكر على صحيح الهوية وعلى سلامة الوطن الذى هو وطن كل المصريين شاء من شاء وأبى من أبى . حفظ الله مصر الجميلة الواحدة وحفظ الله شعبها العظيم .
----------------------------
بقلم: جمال أسعد


مقالات اخرى للكاتب

الهوية والانتماء الدينى