14 - 10 - 2026

هل أصبح الـ AI جني هذا العصر؟

هل أصبح الـ AI جني هذا العصر؟

وأنا طفل صغير في حارتنا القديمة، كانت جدتي تحكي لنا عن الجني الذي يسكن المصباح. يخرج عندما تمسحه، يقول "شبيك لبيك، عبدك بين إيديك"، يحقق لك ما تتمنى، لكنه دائماً يأخذ مقابلاً أغلى من الأمنية نفسها.

كنا ننام ونحن نخافه، ونصحو ونحن نتمناه. كبرت، ودخلت الأهرام، وعرفت أن الدنيا كلها مصابيح، وكل مصباح فيه جني. مصباح الصحافة فيه جني الحقيقة، ومصباح الفن فيه جني الخيال.

وكنت أظن أنني رأيت كل أنواع الجن. حتى خرج علينا هذا الجني الجديد.. لا يخرج من مصباح نحاسي، بل من شاشة زجاجية لا تزيد عن كف اليد.. لا يقول "شبيك لبيك"، بل يقول "كيف أساعدك؟". تطلب منه صورة قديمة لها خمسة عشر عاماً فيعيدها لك جديدة تلمع كأنها التقطت أمس، تطلب منه قصة فيكتبها، وصوتاً فيقلده، وذكرى فيلونها، فقلت لنفسي: أليس هذا هو الجني بعينه؟ الناس خائفة منه اليوم، كما كنا نخاف من جني الجدة.

خائفون أن يسرق أرزاق أولادنا، أن يكتب بدلاً من الكاتب، ويرسم بدلاً من الرسام، ويكذب بلسان الصادق. وهو خوف مشروع، فكل جني جديد يربك القرية في أول ظهوره. لكن بعد أن سهرت معه الليالي، وجربته، اكتشفت الفرق الخطير. جني الجدة كان له مكر وإرادة، كان يلتف على صاحب الأمنية ويخدعه. أما جني هذا العصر، فلا إرادة له ولا مكر، هو مرآة آراها

صافية، يكفي انه يختصر لك الزمن ويقلص عدد الساعات لتصبح ثوان معدودات.

ضعه في يد شخص أمين سيعطيك أفكارا  أمينة تخدم الناس.وضعه في يد مزور، سيعطيك كذباً متقناً يخدع الناس.

المشكلة إذن لم تكن يوماً في المصباح، بل في يد من تمسك المصباح. نحن لسنا أمام عصر الجن، نحن أمام عصر القلم السحري. والقلم، كما تعلمنا في بلاط صاحبة الجلالة، قد يكون في يد شريف فيكتب نوراً، وقد يكون في يد خسيس فيكتب زوراً.

فلا تسأل: ماذا سيفعل بنا الـ AI؟، بل اسأل: ماذا سنفعل نحن بالـ AI؟.
---------------------------
بقلم: عبدالرحمن بدوي

مقالات اخرى للكاتب

هل أصبح الـ AI جني هذا العصر؟