14 - 10 - 2026

سر عمرو موسى

سر عمرو موسى

ذات صباح، ضمن "البوستة" اليومية  الموجهة إليَّ كمديرة لشئون البيئة والتنمية المستدامة في وزارة الخارجية،  طالعت مذكرة موجهة إلىَّ من مكتب وزير الخارجية، مرفق بها خطاب من وزيرة البيئة في ذلك وقت الدكتورة نادية مكرم عبيد إلى وزير الخارجية في ذلك الوقت السيد عمرو موسى. 

أعلى يسار خطاب وزيرة البيئة تعرفت على خط الوزير عمرو موسى، كما اعتدته منذ أكثر من خمسة عشر عاما قبلها حين كنت ملحقا دبلوماسيا في إدارة الهيئات الدولية التي كان مديرها السفير الشاب عمرو موسى.

كُتِبَ على خطاب وزيرة البيئة:

"أمل مراد

لإعداد رد يتضمن اقتراحات محددة

قبل الساعة الثانية ظهر اليوم"

ذلك اليوم كان آخر يوم عمل للوزير عمرو موسى في منصبه. 

من بين مختلف المواقف التي جمعتني بالسيد عمرو موسى أو تلك التي شهدته فيها قبل هذا التاريخ وبعده - ومنها ما له مضمون سياسي ومهني مهم - ظلت تلك التأشيرة العابرة في نظري تعبيرا عن أحد مفاتيح استثنائية الرجل الذي تحتفي به مصر في هذه الأيام وتحتفي بإعادة تعريفه لما هو ممكن في سن التسعين. 

لم يمنعه انتهاء عمله كوزير من الاستمرار في أداء مهام المنصب حتى آخر لحظة وحتى أصغر مهمة. حرص أن يقرأ بريده ويحدد ما يجب عمله بشأنه بنفسه وحتى اللحظة الأخيرة، وأن يرد على كل ما ورد إليه من طلبات، بما فيها ذلك الخطاب الذي كانت أهميته محدودة للغاية. وأصر أن لا يكون رده بروتوكوليا أو روتينيا أو إحالة لمن سيتولى المنصب بعده.

هذا الموقف الصغير، أضحى عندي رمزا لذلك الإصرار الذي لا يلين والطاقة التي لا تستريح على الأداء والتأثير والتجديد من خلال الاستغلال الأقصى للمساحة التي يتيحها السياق الذي يجد نفسه فيه، ورغم أن المعتاد والمتعارف عليه عن ذلك "السياق" هو أنه لا يحفز على التجويد ولا يتقبل المؤثرين ولا يرحب بالتجديد. 

هذا  - في رأيي - هو سر عمرو موسى منذ بدأ وحتى اليوم. 

هكذا حفر بموهبته الفردية ومساره الشخصي الاستثنائي مدرسة دبلوماسية مصرية أكثر دينامية وأكثر جرأة وأكثر طموحا وقدم نموذجا يحتذى في أداء دور "القيادي في الوظيفة العامة" من داخل النظام السياسي الرئاسي الفردي الذي لم تعرف مصر غيره والذي عاصره هو في مراحله المختلفة. هو لم يسع لتخطي ذلك النظام، ولكنه تمكن من توسيع ما يفتحه من مساحة لتقديم أداء أكثر طموحا وتأثيرا في إطاره. 

على المستوى الشخصي، أحمل لهذا الرجل قدرا هائلا من العرفان: 

- ليس فقط للتشجيع والدعم والفرص التي فتحها لي كدبلوماسية شابة منذ كان مديري في إدارة الهيئات الدولية في منتصف ثمانينيات القرن الماضي وحتى ترك مقعد وزير الخارجية في ٢٠٠١، وهو تشجيع لم أنفرد به، بل شمل أكثر من جيل من الدبلوماسيين الذين كانوا شبابا وأصبحوا الآن كهولا، ولكن - وربما أكثر - للمثل الذي قدمه لنا جميعا منذ عرفناه في الكفاءة والديناميكية والاعتزاز بالنفس والقدرة على التجديد، وفوق كل هذا ربط الطموح الشخصي والطموح العام، لا استبدال واحد بالآخر. 

لذلك استحق عندي لقب أستاذ الأجيال في الدبلوماسية. 

لا يوجد إنسان بلا نواقص طبعا، ولكن عمرو موسي يستحق أن نذكر ما أجاد فيه، بل أقول ما تفرد في حسن أدائه في هذه المناسبة التي أعاد لنا بها تعريف ما هو ممكن. 

فهل من أتباع؟ وهل من فرصة؟ وهل من تجويد على المثال.

شكرا عمرو موسى.
-------------------------
بقلم: أمل مراد
* مساعدة وزير الخارجية للتخطيط السياسي سابقا
(والمقال نقلا عن صفحتها الشخصية على فيس بوك)

مقالات اخرى للكاتب

سر عمرو موسى