هل ما زال من الممكن تفسير الصراعات الدولية والإقليمية من خلال مفاهيم القوة التقليدية، وتوازن القوى، والتحالفات، والمحاور فقط؟
من ذلك السؤال ينطلق الباحث في الجيوساسة والإستراتيجية ومدير مركز الدراسات الأنتروستراتيجية العميد الركن نضال حيدر زهوي، في كتابه " العقد الجيوستراتيجية للدفاع الإقليمي.. المواجهة الأمريكية–الإيرانية نموذجًا"، من ملاحظة أساسية مفادها أن الصراع الدولي لم يعد منفصلاً عن الصراعات الإقليمية، وأن ما يحدث داخل الإقليم يمكن أن يتحول، عبر الطاقة والتجارة والممرات البحرية والأمن والانتشار العسكري، إلى عامل مؤثر في حسابات القوى الدولية.
ومن هنا يحاول الكتاب تقديم قراءة مختلفة للصراع في غرب آسيا، من خلال الانتقال من مفهوم «المحور» إلى مفهوم «الشبكة الجيوستراتيجية»، ومن النظر إلى الأطراف باعتبارها وحدات منفصلة إلى تحليلها بوصفها عقدًا تؤدي وظائف استراتيجية مختلفة داخل شبكة مترابطة.
ويقدم الكتاب مفهوم «العقد الجيوستراتيجية للدفاع الإقليمي» باعتباره أحد مرتكزاته النظرية الأساسية. فالعقدة الجيوستراتيجية، وفق النموذج المقترح، لا تستمد أهميتها من قوتها الذاتية فقط، وإنما من موقعها داخل الشبكة، ومن طبيعة الروابط التي تصلها بالعقد الأخرى، ومن الوظائف التي تؤديها، ومن قدرتها على التأثير في استمرارية وظائف الشبكة أو تعطيلها.
وبناءً على ذلك، لا يصبح الدفاع الإقليمي مقتصراً على حماية الحدود والأراضي، وإنما يمتد إلى حماية: "العقد + الروابط + الوظائف الحيوية".
ومن خلال هذا المنظور يبحث الكتاب في نماذج متعددة داخل غرب آسيا؛ فتظهر إيران بوصفها عقدة ذات مركزية مرتفعة، بينما يؤدي العراق وظيفة الاتصال والعمق الجغرافي والربط البري، ويمثل لبنان عقدة للردع والاحتكاك المباشر، بينما تمثل غزة عقدة للصراع والإدراك والشرعية، ويكتسب اليمن أهمية من موقعه البحري واتصاله بباب المندب والبحر الأحمر.
ولا يقف التحليل عند العقد البرية، بل ينتقل إلى المضائق والممرات البحرية باعتبارها عقداً جيوستراتيجية يتجاوز تأثيرها المستوى الإقليمي، وفي مقدمتها هرمز وباب المندب وقناة السويس وشرق المتوسط. كما يبحث الكتاب في خطوط الجهد الاستراتيجية، وفي كيفية توظيف الأدوات السياسية والدبلوماسية والعسكرية والاقتصادية والمعلوماتية واللوجستية ضمن شبكة واحدة متعددة المجالات، بما يجعل قوة الشبكة ناتجة عن تكامل وظائفها وليس عن القوة العسكرية لعقدة واحدة فقط.
ومن أهم الأفكار التي يناقشها الكتاب مفهوم المرونة الاستراتيجية؛ إذ لا تقاس قوة الشبكة فقط بقدرتها على منع استهداف إحدى عقدها، وإنما كذلك بقدرتها على الاستمرار وإعادة توزيع الوظائف والانتقال إلى البدائل عند تعرض إحدى العقد أو الروابط للضغط أو التعطيل.
وبذلك ينتقل مفهوم الدفاع الإقليمي من منظومة ثابتة إلى منظومة قابلة لإعادة التشكيل.
ويصل الكتاب في نهايته إلى نموذج تفسيري متكامل يبدأ من:
الصراع الدولي الى الشبكات الجيوستراتيجية الى العقد الجيوستراتيجية الى الروابط والوظائف الى خطوط الجهد الاستراتيجية الى الصراع الإقليمي الى التأثير في العقد والممرات والطاقة والأمن الى الارتداد الجيوستراتيجي الى التأثير في حسابات القوى الدولية الى إعادة تشكيل الشبكات وبذلك لا ينتهي تأثير الصراع عند المستوى الإقليمي، بل يمكن أن يعود إلى المستوى الدولي، فيؤثر في الطاقة والتجارة والممرات البحرية والأمن الدولي وحسابات القوى الكبرى، بما يؤدي بدوره إلى إعادة تشكيل الشبكات الجيوستراتيجية.
إن «العقد الجيوستراتيجية للدفاع الإقليمي» ليست محاولة لقراءة مواجهة واحدة فحسب، بل محاولة لبناء إطار تفسيري يمكن من خلاله فهم كيفية انتقال الصراع بين المستويات الدولية والإقليمية، وكيف تتحول الجغرافيا والممرات والطاقة والقدرات والروابط إلى عناصر مترابطة داخل منظومة استراتيجية واحدة.
ويطرح الكتاب في نهايته سؤالًا يتجاوز الحالة الإيرانية–الأمريكية: هل سيكون مستقبل الصراع الدولي قائمًا على السيطرة على الأراضي فقط، أم على القدرة على التحكم بالعقد والروابط والوظائف التي تربط الأقاليم بالنظام الدولي؟
هذا الكتاب هو محاولة للإجابة عن هذا السؤال من خلال نموذج العقد الجيوستراتيجية للدفاع الإقليمي، وتطبيقه على بيئة غرب آسيا بوصفها إحدى أكثر البيئات الاستراتيجية تعقيدًا وتداخلًا في النظام الدولي المعاصر.
يوم الأربعاء 14 أكتوبر 2026، سيقوم العميد نضال زهوي بتوقيع الكتاب "العقد الجيوستراتيجية للدفاع الإقليمي.. المواجهات الأمريكية ـ الإيرانية نموذجًا تطبيقيًا"، ضمن فعاليات معرض بيروت الدولي للكتاب.






