شهدت الصين خلال عطلة العيد الوطني التي اختتمت للتو نشاطا استهلاكيا واسع النطاق في مختلف أنحاء البلاد، ما وفر نافذة جديدة لرصد الحيوية الاقتصادية التي تتمتع بها سوقها الضخمة. ووفقا لبيانات وزارة الثقافة والسياحة الصينية، بلغ عدد الرحلات السياحية الداخلية خلال العطلة الممتدة لسبعة أيام 826 مليون رحلة، فيما بلغ إجمالي إنفاق السياح المحليين نحو 98 مليار دولار أمريكي. كما أظهرت بيانات الهيئة الوطنية للضرائب أن متوسط إيرادات المبيعات اليومية في قطاعات الخدمات المرتبطة بالعطلة ارتفع بنسبة 19.5 بالمئة على أساس سنوي. وتكشف هذه الأرقام عن سمة جديرة بالاهتمام في الاقتصاد الصيني، وهي أن السوق المحلية الضخمة توفر دعما أكثر تنوعا للنمو الاقتصادي من خلال توسع الطلب وتغير أنماط الاستهلاك، كما تفتح في الوقت نفسه مساحات جديدة للتعاون مع الاقتصاد العالمي.
وتعكس حيوية اقتصاد العطلات، في المقام الأول، القدرة الكبيرة للسوق المحلية الصينية على الربط بين مختلف المناطق والقطاعات. فبفضل شبكة النقل الواسعة، والبنية التجارية التي تشهد تحسنا مستمرا، والخدمات الرقمية الميسرة، يمكن تحويل حركة الأفراد واسعة النطاق بسرعة إلى استهلاك عابر للمناطق. وتسهم حركة السياح في تنشيط النقل والإقامة والمطاعم وتجارة التجزئة والصناعات المحلية ذات الخصائص المميزة، فيما تنتقل عوائد الاستهلاك إلى قطاعات أخرى عبر مشتريات الشركات والتوظيف والأنشطة الإنتاجية. وهكذا يمكن لطلب استهلاكي ينشأ في منطقة ما أن يتحول إلى فرصة سوقية أمام شركات في مناطق أخرى. كما أن تدفق السلع وعناصر الإنتاج الذي يعززه بناء السوق الوطنية الموحدة يسهم في تقليص حواجز المعاملات بين المناطق، بما يسمح بتحويل الحجم الضخم للاستهلاك إلى دورة اقتصادية داخلية أكثر كفاءة.
والأهم من حجم السوق نفسه هو التحول الهيكلي الذي يشهده الطلب الاستهلاكي. فخلال عطلة العيد الوطني هذا العام، ارتفعت إيرادات مبيعات خدمات السياحة والترفيه بنسبة 23.6 بالمئة على أساس سنوي، وزادت خدمات الرياضة بنسبة 29.4 بالمئة، فيما نمت خدمات الثقافة والفنون بنسبة 20.9 بالمئة. ومن السياحة التقليدية إلى التجارب الثقافية، ومن الفعاليات الرياضية إلى أنشطة الترفيه والاستجمام، بات المستهلكون يولون اهتماما أكبر لجودة الخدمات وتجربة الاستهلاك. ولا تمثل هذه الظاهرة طفرة مؤقتة مرتبطة بالعطلات. فخلال الأشهر الثمانية الأولى من العام، ارتفعت مبيعات التجزئة للخدمات في الصين بنسبة 4.9 بالمئة على أساس سنوي، متجاوزة معدل نمو مبيعات التجزئة للسلع الذي بلغ 1.0 بالمئة. ولا يزال استهلاك السلع يشكل قاعدة مهمة، غير أن الطلب المتزايد والمتنوع على الخدمات يفتح آفاقا جديدة لنمو السوق الاستهلاكية الصينية.
وتؤثر التغيرات في الطلب بدورها في أساليب العرض. ففعالية رياضية واحدة يمكن أن تدفع الطلب على النقل والإقامة والمطاعم، فيما تستطيع فعالية ثقافية أن تنشط السياحة المحلية ومبيعات المنتجات ذات الطابع المحلي. كما تسهم المنصات الرقمية في رفع كفاءة المواءمة بين العرض والطلب، بينما يؤدي التعاون بين القطاعات إلى إطالة سلسلة الاستهلاك وتوسيعها. وبذلك يصبح الاستهلاك قوة مهمة تدفع تعديل البنية الصناعية؛ إذ تطور الشركات منتجاتها وتحسن خدماتها استجابة لمتطلبات السوق، فيما يؤدي تحسن العرض بدوره إلى جذب مزيد من الاستهلاك. وتتمتع الصين بمنظومة صناعية متكاملة ومجالات تطبيق واسعة، ما يسمح بانتقال التغيرات في الطلب بسرعة نسبية إلى حلقات الإنتاج والخدمات. ومن خلال هذا التفاعل المستمر بين الطلب السوقي والعرض الصناعي تتشكل تدريجيا حيوية الدورة الاقتصادية الداخلية.
ومع ذلك، فإن ازدهار الاستهلاك خلال العطلات لا يعني أن الطلب المحلي قد تحرر بالكامل. فما تزال عوامل مثل نقص عرض الخدمات في بعض المناطق، وتشابه سيناريوهات الاستهلاك، وتوقعات السكان بشأن الدخل، تقيد استمرار إطلاق الإمكانات الاستهلاكية. ويتطلب تحويل التدفقات الكبيرة خلال العطلات إلى نمو طويل الأجل دعما أكثر استقرارا من حيث التوظيف والدخل، إلى جانب تحسين منظومة الضمان الاجتماعي وبيئة الاستهلاك وجودة الخدمات. وفقط عندما يمتلك السكان قدرة مستدامة على الاستهلاك، وتحظى الشركات بتوقعات مستقرة بشأن أعمالها، يمكن للطلب السوقي أن يتحول إلى قوة مستمرة تدفع الإنتاج والاستثمار والتوظيف. ولذلك فإن المفتاح الحقيقي لتوسيع الطلب المحلي يكمن في تحقيق تفاعل إيجابي بين تحسين معيشة السكان وتعزيز قدرة العرض.
ولا تقتصر آثار التوسع المستمر للسوق المحلية الصينية على حدود البلاد. ففي عصر العولمة، يرتبط الطلب الاستهلاكي في أي دولة بالسوق العالمية من خلال التجارة الدولية والاستثمار العابر للحدود وتبادل الخدمات. ويزداد تنوع طلب المستهلكين الصينيين على السلع عالية الجودة والمنتجات الصحية والسياحة الثقافية والخدمات الرقمية، ما يوفر للشركات الدولية فرصا سوقية أكثر تنوعا. كما تستطيع الشركات الصينية، من خلال التعاون الدولي، إدخال منتجات وتقنيات وخدمات عالية الجودة لتلبية الطلب المحلي بصورة أفضل. ويجعل هذا التدفق المتبادل من توسيع الطلب المحلي والانفتاح رفيع المستوى عمليتين تعزز إحداهما الأخرى. فكلما أصبحت الدورة الاقتصادية الداخلية أكثر سلاسة واستقر الطلب السوقي، أصبح من الأسهل على التعاون الدولي أن يجد قاعدة تجارية مستدامة.
وبالنسبة إلى الدول العربية والأفريقية وغيرها من الاقتصادات النامية، تحمل التحولات في السوق الاستهلاكية الصينية دلالات عملية مباشرة. فالموارد السياحية والثقافية التي تتمتع بها مصر، وخدمات الطيران والسياحة في دول الخليج، والمنتجات الزراعية المميزة في الدول الأفريقية، كلها تستطيع البحث عن فرص تعاون جديدة مع تزايد تنوع الطلب في الصين. وعلى خلاف الهيكل التجاري التقليدي القائم أساسا على تصدير السلع الأولية، يمكن للتعاون في تصنيع المنتجات الزراعية والسياحة الثقافية والخدمات الحديثة أن يوسع نطاق العلاقات الاقتصادية والتجارية الدولية. غير أن تحول هذه الفرص إلى نمو فعلي يتوقف أيضا على النفاذ إلى السوق، وكفاءة الخدمات اللوجستية، وجودة الخدمات، وقدرة الشركات على التكيف مع الطلب الاستهلاكي. فالسوق الصينية توفر مساحة للتعاون، أما تحقيق فوائد مستدامة منها فيتطلب من مختلف الأطراف العمل معا على تنمية القدرات الصناعية والتجارية.
كما يوفر اقتصاد العطلات في الصين زاوية ملموسة لفهم العلاقة بين الدورتين الاقتصادية الداخلية والدولية. فالسوق المحلية الضخمة توفر قاعدة طلب تدعم التنمية الصناعية، فيما تثري الأسواق الدولية العرض المحلي عبر تبادل السلع والتكنولوجيا ورأس المال والخدمات. ويسهم الترابط بين الدورتين في تعزيز قدرة الاقتصاد الصيني على الصمود أمام التقلبات الخارجية، كما يخلق مزيدا من فرص التعاون أمام سلاسل الصناعة الدولية وتجارة الخدمات. وفي وقت تؤدي فيه الحمائية إلى رفع تكاليف المعاملات العابرة للحدود، ويواجه فيه النمو الاقتصادي العالمي قيودا من جانب الطلب، تزداد أهمية الحفاظ على روابط سوقية منفتحة بما يسمح لمختلف الدول بتقاسم فرص النمو.
ولا ينبغي قياس القيمة بعيدة المدى لاقتصاد العطلات في الصين بمجرد حجم الإيرادات الاستهلاكية التي تحققت خلال سبعة أيام، بل ينبغي النظر بصورة أعمق إلى ما إذا كان هذا الطلب قادرا على التحول بصورة مستمرة إلى تنمية صناعية وتحسن في معيشة السكان. فسوق محلية نابضة بالحيوية تشكل أساسا مهما لقدرة الاقتصاد الصيني على الصمود، فيما تستطيع سوق صينية تواصل توسيع انفتاحها ويزداد طلبها تنوعا أن توفر مساحة أوسع للتعاون في التجارة والاستثمار الدوليين. وما تظهره الصين من خلال ترسيخ أسس الدورة الاقتصادية بتنمية الطلب المحلي، وربط السوق العالمية عبر التعاون والانفتاح، هو مسار يقوم على التعزيز المتبادل بين التنمية الداخلية والتعاون الدولي. وفي مواجهة حالة عدم اليقين المحيطة بنمو الاقتصاد العالمي، لا يمكن تحويل الإمكانات التنموية لدولة ما إلى فرص اقتصادية تتقاسمها مختلف الدول إلا من خلال جعل الأسواق أكثر انسيابية، وتعزيز المواءمة الفعالة بين العرض والطلب.
……………………………
بقلم/ نور يانغ إعلامي صيني






