14 - 10 - 2026

حين تتحدث الأخلاق بلغة العلم: من غرب الوطن العربي إلى آفاق الإنسانية

حين تتحدث الأخلاق بلغة العلم: من غرب الوطن العربي إلى آفاق الإنسانية

ليست قيمة الشعوب بما تمتلكه من ثروات مادية فحسب، ولا بما تحققه من تقدم عمراني وتقني، وإنما بما تختزنه من قيم إنسانية، وما تبديه من احترام للعلم وأهله، وما تقدمه من عون صادق لمن يسعون إلى المعرفة، ويتخذون من العلم سبيلًا لخدمة الإنسان والارتقاء بالمجتمع، فالأمم التي تفتح أبوابها للعلماء والباحثين وطلاب المعرفة، وتتعامل معهم بروح الأخوة والتقدير، إنما تستثمر في أعظم ثروة يمكن أن يمتلكها الإنسان: العقل والمعرفة والأخلاق.

ومن هذا المنطلق، تبرز تجارب إنسانية تستحق الإشادة والتقدير، ولا سيما حين يجد طالب العلم، وهو يسعى إلى تطوير معارفه وتوسيع مداركه، من يستقبله بالترحاب، ويعامله باحترام، ويقدم له ما يستطيع من مساعدة، دون أن يجعل اختلاف البلدان أو المسافات الجغرافية حاجزًا أمام التواصل العلمي والإنساني.

وفي هذا السياق، يحسن الوقوف عند ما يلمسه بعض الباحثين وطلاب العلم من مواقف طيبة لدى أشقائهم في الجزائر وموريتانيا، في منطقة المغرب العربي من غرب الوطن العربي؛ حيث تتجلى، في التجارب الفردية والمؤسساتية التي تستحق التقدير، معاني الأخوة العربية، والاعتزاز بالعلم، والاستعداد لمساندة من يسعى إليه بجد وإخلاص.

العلم يجمع ما تفرقه المسافات

إن طالب العلم لا يحمل معه إلى مجالس المعرفة أوراقه وشهاداته فحسب، بل يحمل طموحًا ورغبةً في التعلم، وأملًا في أن يجد من يقدّر جهده ويساعده على بلوغ غايته، وقد تكون كلمة طيبة، أو إرشادة علمية، أو توجيه إلى مصدر معرفي، أو تسهيل طريق بحثي، سببًا في فتح آفاق جديدة أمام باحث يسعى إلى تطوير مشروعه العلمي.

ولعل أجمل ما في العلاقات العلمية الإنسانية أنها تتجاوز حدود الجغرافيا، فلا يعود العراق بعيدًا عن الجزائر، ولا تبدو موريتانيا بعيدة عن المشرق العربي؛ إذ تلتقي العقول حول المعرفة، وتتقارب النفوس من خلال الاحترام المتبادل، ويصبح العلم لغة مشتركة تتحدث بها الشعوب على اختلاف بيئاتها وتجاربها.

إن المسافة بين بلد وآخر قد تُقاس بالكيلومترات، لكن المسافة بين القلوب لا تُقاس إلا بما تحمله من مودة وصدق وتقدير، وحين يمد إنسان يده إلى باحث لا يعرفه معرفة شخصية، لمجرد أنه يراه طالبًا للعلم جادًّا في مسعاه، فإن هذا الموقف يتجاوز حدود المساعدة العابرة، ليصبح تعبيرًا عن ثقافة أخلاقية ترى في المعرفة قيمة تستحق الدعم، وفي طالبها إنسانًا يستحق الاحترام.

ومن هنا، فإن الإشادة بأهل العلم وكرم الأخلاق في الجزائر وموريتانيا ليست مجرد عبارات مجاملة، بل هي احتفاء بالقيم التي ينبغي أن تتعزز في مجتمعاتنا العربية، وبالمواقف الطيبة التي تجعل التعاون العلمي فعلًا إنسانيًّا يتجاوز المصالح الضيقة.

الجزائر وموريتانيا: أخوة تتجدد في رحاب المعرفة

للجزائر مكانة راسخة في الوجدان العربي، بما تحمله من تاريخ نضالي وثقافي، وبما قدمه أبناؤها من جهود في ميادين التعليم والفكر والأدب والبحث العلمي، كما أن لموريتانيا حضورًا علميًّا وثقافيًّا متميزًا في تاريخ المنطقة، ارتبط بعناية أهلها بالمعرفة، وبالمجالس العلمية، وبالتراث العربي والإسلامي، وبالعلماء الذين أسهموا في حفظ العلوم ونقلها وتدريسها.

ولا يعني استحضار هذه المكانة أن نحكم على جميع الأفراد حكمًا واحدًا، فالشعوب، كالأفراد، تتنوع مواقفها وطبائعها، ولكن الإنصاف يقتضي أن نحتفي بالتجارب الإيجابية، وأن نذكر أهل الفضل بما يستحقونه من تقدير، وأن نبرز المواقف التي تعكس أجمل ما في الشخصية الإنسانية من كرم وتواضع وحب للعلم.

وما يستحق الثناء حقًّا هو أن يجد الباحث من يرشده إلى طريق المعرفة، وأن يجد الطالب من يفرح بتقدمه، وأن يجد صاحب المشروع العلمي من يتعامل مع جهده بجدية واحترام، فهذه المواقف لا تقاس بحجم المساعدة المادية وحدها، بل بأثرها النفسي والعلمي، وبما تتركه في نفس طالب العلم من شعور بالانتماء إلى مجتمع معرفي أوسع من حدود بلده.

إن من أجمل صور الأخوة العربية أن يشعر الباحث العراقي، أو الموريتاني، أو الجزائري، بأنه قادر على التواصل مع أخيه في بلد آخر، وأن طلب المعرفة يفتح أمامه أبوابًا من التعاون والتعارف، بدلًا من أن يصطدم بحواجز النفور أو الاستعلاء أو التمييز.

وحين يتحقق ذلك، يصبح التعاون العلمي جسرًا للتقارب بين الشعوب، وتغدو الأخلاق الطيبة جزءًا من القوة الحضارية للأمة، لا مجرد خصلة فردية يتحلى بها بعض الناس.

أهل العلم أهل رسالة

إن طالب العلم الجاد لا يبحث عن الطريق الأسهل دائمًا، بل يسعى إلى الطريق الذي يضيف إلى معرفته، ويصحح أفكاره، ويوسع مداركه، ويرتقي بقدرته على البحث والتحليل، وقد يحتاج في مسيرته إلى نصيحة من أستاذ، أو توجيه من باحث، أو مساعدة في الوصول إلى مرجع، أو إرشاد إلى مؤسسة علمية تتيح له تطوير عمله.

ومن هنا تأتي أهمية مساندة أصحاب الهمم العلمية، خصوصًا أولئك الذين يسعون إلى تطوير أنفسهم في ظروف قد لا تكون ميسرة دائمًا، فالمجتمع الذي يساند الجادين في طلب العلم لا يقدم خدمة لأفرادهم فحسب، بل يساهم في بناء بيئة معرفية أكثر تعاونًا وانفتاحًا.

وقد أرشدنا القرآن الكريم إلى فضل العلم وأهله، فقال الله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (الزمر: 9). وقال سبحانه: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ (طه: 114)، وتؤكد هاتان الآيتان مكانة المعرفة وفضل السعي إليها، وتذكراننا بأن طلب العلم مسار متجدد لا ينتهي عند شهادة أو منصب، بل يظل الإنسان فيه محتاجًا إلى التعلم والمراجعة والتطوير.

أما رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد قال: «والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه» (رواه مسلم).

وهذا الحديث الشريف يؤصل لقيمة التعاون ومساعدة الآخرين، ويمنح المواقف التي يُعان فيها طالب العلم على استكمال طريقه بُعدًا أخلاقيًّا وإنسانيًّا عميقًا، فمساعدة الباحث، وتوجيه الطالب، وتيسير الوصول إلى المعرفة، كلها صور من صور التعاون النافع، متى قامت على الصدق والأمانة واحترام الحقوق.

وليس المقصود أن يُمنح طالب العلم ما لا يستحق، أو أن يُفضَّل على غيره بغير وجه حق، وإنما أن تتاح له فرصة عادلة، وأن يجد من يشجعه على الاجتهاد، ويدله على الطريق الصحيح، ويقدّر ما يبذله من جهد.

الأخلاق التي تمنح العلم معناه

قد يمتلك الإنسان معرفة واسعة، ويحصل على أعلى الشهادات، لكنه يعجز عن تقديم كلمة طيبة أو إرشاد نافع لمن يحتاج إليه، وقد يكون آخر أقل شهرةً أو منزلةً علمية، لكنه يترك أثرًا عظيمًا في نفوس الناس بحسن استقباله، وصدق نصيحته، وتواضعه في التعامل، واستعداده لمساعدة من يقصده.

وهنا تتجلى حقيقة مهمة: أن العلم والأخلاق ليسا طريقين متعارضين، بل إن أجمل صور العلم هي تلك التي تقترن بالتواضع، وتحترم الإنسان، وتفتح أبواب المعرفة أمام الآخرين.

وإننا حين نشيد بمن يساعد طالب العلم، فإننا لا نمدح فعلًا عابرًا فحسب، بل نحتفي بقيمة حضارية ينبغي أن تتسع في مؤسساتنا وجامعاتنا ومراكزنا البحثية، فالمجتمع العلمي الناجح لا يقوم على التنافس وحده، بل يحتاج أيضًا إلى تبادل الخبرات، وتقديم المشورة، وتيسير الوصول إلى المصادر، واحترام جهود الباحثين، ولا سيما في المراحل التي يحتاجون فيها إلى من يأخذ بأيديهم.

ومن حق كل باحث أن يُقيَّم عمله وفق معايير علمية واضحة، ومن حق كل طالب أن يحصل على فرصة عادلة، لكن من الجميل أن يجد الإنسان، إلى جانب المعايير والإجراءات، روحًا طيبة تجعل رحلته العلمية أكثر إنسانية، وتذكره بأن المعرفة ليست ميدانًا للعزلة، بل فضاء للتواصل والتكامل.

من الإشادة بالأفراد إلى بناء ثقافة التعاون

إن الثناء على المواقف الطيبة ينبغي ألا يتوقف عند حدود الكلمات، بل يجب أن يتحول إلى دعوة عملية لتعزيز التعاون العلمي بين الجامعات والباحثين في مختلف أقطار الوطن العربي.

فما أجمل أن تتوسع المبادرات التي تتيح للباحثين تبادل الخبرات، وأن تتعزز الروابط بين المؤسسات الأكاديمية في العراق والجزائر وموريتانيا، وأن تتاح فرص أكبر للندوات المشتركة، والبحوث التعاونية، وتبادل المصادر والخبرات، والتواصل بين أصحاب التخصصات المتقاربة.

وما أجمل أيضًا أن يجد الباحث العربي في أخيه العربي سندًا علميًّا وأخلاقيًّا، وأن يتعامل الجميع مع المعرفة بوصفها مسؤولية مشتركة، لا ملكية مغلقة على أصحابها.

إن هذه الدعوة لا تعني إغفال ما قد يوجد من صعوبات إدارية أو اختلافات في الإمكانات والظروف، بل تعني أن نبحث عن المساحات التي نستطيع أن نلتقي فيها، وأن نبني على التجارب الناجحة، وأن نجعل التعاون وسيلةً للارتقاء بالمستوى العلمي، وتعزيز الثقة بين الباحثين، وترسيخ الشعور بوحدة المصير الثقافي والحضاري.

وإذا كان لكل بلد خصوصيته وتجربته، فإن العلم يظل مساحة مشتركة يمكن أن يلتقي فيها الجميع دون أن يتخلوا عن خصوصياتهم، بل من خلال تبادل ما لديهم من خبرات ومعارف.

كلمة وفاء لأهل الفضل

إن الكتابة عن المواقف الإنسانية الشهمة ليست ترفًا أدبيًّا، بل هي اعتراف بالفضل، وتوثيق للقيم الجميلة، وتذكير بأن الخير لا يزال حاضرًا في علاقات الناس، وأن أبواب المعرفة يمكن أن تظل مفتوحةً أمام من يطرقها بجد وإخلاص.

وإذ نحيّي كل جزائري وموريتاني، وكل عربي في أي بلد، يمد يد العون إلى طالب علم صادق، أو يرشد باحثًا إلى مصدر نافع، أو يشجع إنسانًا على تطوير معارفه، فإننا لا نمنح أحدًا فضلًا لا يستحقه، بل نقول كلمة تقدير لكل موقف يستحق الثناء، ولكل إنسان يجعل من أخلاقه جسرًا يصل به إلى الآخرين.

إن الأوطان تكبر بأبنائها، ولكنها تزداد رفعةً حين يكون أبناؤها عونًا للعلم، وأهلًا للمروءة، وحريصين على أن ينتفع الآخرون بما يستطيعون تقديمه من خبرة ومعرفة.

وستظل الجزائر وموريتانيا، بما تختزنه أرضهما من تاريخ وثقافة وعطاء علمي، جزءًا أصيلًا من المشهد الحضاري العربي، وستظل المواقف الطيبة التي تصدر عن أبنائهما موضع تقدير كل من يؤمن بأن العلم يجمع القلوب، وأن الأخلاق تمنح المعرفة قيمتها الإنسانية.

فالتحية لكل يدٍ تساعد طالب العلم، ولكل عقلٍ يفتح أمامه بابًا للمعرفة، ولكل قلبٍ يرى في نجاح الآخرين نجاحًا للإنسانية جمعاء.
----------------------------
بقلم:
د. تَحْرِيرُ طٰهَ عَبْدِالْإِلٰهِ الْعَامِرِيِّ 
* أكاديمي عراقي باحث ومؤلف في العقيدة والفكر الإسلامي، وأديب وروائي

مقالات اخرى للكاتب

حين تتحدث الأخلاق بلغة العلم: من غرب الوطن العربي إلى آفاق الإنسانية