13 - 10 - 2026

إثيوبيا وباب المندب.. هل يتشكل تهديد جديد لمصر؟

إثيوبيا وباب المندب.. هل يتشكل تهديد جديد لمصر؟

لم تعد التطورات المتلاحقة في القرن الإفريقي واليمن مجرد أزمات متفرقة على أطراف المنطقة، بل باتت تطرح أسئلة ثقيلة عن مستقبل البحر الأحمر وباب المندب، وعن قدرة مصر على حماية مصالحها الاستراتيجية في محيط إقليمي تتشابك فيه الصراعات وتتصادم فيه حسابات القوى الإقليمية والدولية.

الخطر الحقيقي ليس في اشتعال جبهة واحدة، بل في أن تشتعل الجبهات كلها في وقت واحد، فتجد مصر نفسها أمام واقع استراتيجي جديد لم تصنعه، لكنها لن تكون بمنأى عن تداعياته.

في القرن الإفريقي، تتصاعد التوترات بين إثيوبيا وإريتريا وسط اتهامات متبادلة ومخاوف من انزلاق الخلاف إلى مواجهة عسكرية مفتوحة. وتكمن خطورة هذا المشهد في أن أي تغيير في موازين القوى على ساحل البحر الأحمر قد يعيد رسم خريطة النفوذ في واحد من أهم الممرات البحرية في العالم.

إثيوبيا، الدولة الحبيسة التي تسعى منذ سنوات إلى تأمين منفذ بحري، تمثل تحركاتها المحتملة مصدر قلق لدول الجوار، كما أن أي مواجهة واسعة مع إريتريا لن تبقى بالضرورة محصورة داخل حدودهما. فالأمن المصري لا يرتبط بمياه النيل وحدها، وإنما يمتد إلى البحر الأحمر وباب المندب، حيث تتقاطع طرق التجارة والطاقة والمصالح العسكرية.

وهنا تبرز معادلة شديدة الحساسية: مصر لا تستطيع التعامل مع أمن البحر الأحمر باعتباره ملفًا منفصلًا عن أمنها المائي، ولا يمكنها تجاهل التحولات التي قد تمنح قوى إقليمية إضافية قدرة أكبر على التأثير في حركة الملاحة وموازين النفوذ.

أما اليمن، فالحكاية أكثر تعقيدًا وخطورة.

فالتصعيد العسكري بين أطراف الصراع، وما قد يصاحبه من استهداف للمطارات والمنشآت الحيوية، يفتح الباب أمام سيناريوهات تتجاوز حدود المواجهة المحلية. وإذا امتدت الضربات إلى محطات الكهرباء والطاقة والمياه أو البنية التحتية المدنية، فإن المنطقة ستكون أمام دورة انتقام متبادل يدفع المدنيون ثمنها الأكبر، بينما تتسع دائرة عدم الاستقرار.

وليس من مصلحة مصر أن يتحول البحر الأحمر إلى ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات، أو أن تصبح الملاحة الدولية رهينة الصواريخ والطائرات المسيّرة والتهديدات المتبادلة. فكل اضطراب في باب المندب ينعكس، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، على حركة التجارة العالمية وقناة السويس، ومن ثم على أحد أهم مصادر الدخل الاستراتيجي المصري.

وتزداد الصورة تعقيدًا مع التنافس على السواحل اليمنية والمناطق القريبة من المضيق. فالقوى المحلية المتصارعة لا تتحرك بمعزل عن داعميها الإقليميين، والسيطرة على المواقع الساحلية قد تمنح بعض الأطراف أوراق ضغط تتجاوز حدود اليمن، لتصبح جزءًا من صراع أوسع على النفوذ البحري.

وفي هذا المشهد، لا يمكن إغفال حسابات تركيا وإيران ودول الخليج والقوى الغربية، ولا احتمالات توسع الوجود العسكري الأجنبي في المنطقة. فكلما اتسعت المخاوف الأمنية، ازدادت فرص طلب الحماية الخارجية، وتنامت احتمالات إقامة ترتيبات عسكرية جديدة قد تؤثر في توازنات البحر الأحمر لسنوات طويلة.

لكن السؤال الأهم: ماذا عن مصر؟

القاهرة تتمسك بمبدأ عدم التدخل في شؤون الدول، وتدرك أن الانخراط في حروب مباشرة يحمل كلفة سياسية وعسكرية واقتصادية باهظة. غير أن احترام هذا المبدأ لا يعني تجاهل التهديدات، كما أن تجنب الحرب لا ينبغي أن يتحول إلى غياب عن معادلات الأمن الإقليمي.

المطلوب ليس القفز إلى المواجهة، ولا التعامل مع كل تطور باعتباره إعلان حرب على مصر، بل بناء موقف استراتيجي واضح يقوم على التحرك الدبلوماسي، وتعزيز التعاون مع الدول المطلة على البحر الأحمر، وحماية حرية الملاحة، ومواجهة أي ترتيبات تهدد المصالح المصرية، مع دعم الحلول السياسية التي تمنع انهيار الدول وتحول أراضيها إلى ساحات للصراعات بالوكالة.

والأخطر أن تتحول الخلافات السياسية والمذهبية إلى تعبئة طائفية تمنح الجماعات المتطرفة مساحة جديدة للحركة، وتعيد إنتاج بيئات الفوضى التي عانت منها المنطقة طويلًا.

إن مصر لا تحتاج إلى حرب جديدة بقدر ما تحتاج إلى منع وصول الحرب إلى أبواب مصالحها. لكنها، في الوقت نفسه، لا تستطيع بناء أمنها على افتراض أن الأزمات ستظل بعيدة عنها إلى الأبد.

فهل تنجح القاهرة في حماية البحر الأحمر وباب المندب عبر الدبلوماسية والتحالفات والتوازنات الإقليمية، أم تفرض التطورات عليها الانتقال من سياسة الاحتواء إلى خيارات أكثر صعوبة؟

ذلك هو الاختبار الحقيقي؛ لأن أمن مصر لا يبدأ عند حدودها الجغرافية، ولا ينتهي عند ضفاف النيل، بل يمتد إلى كل نقطة يمكن أن تتحول فيها الفوضى الإقليمية إلى تهديد مباشر لمصالحها ومستقبلها.
-----------------------------------
بقلم: إبراهيم خالد


مقالات اخرى للكاتب

إثيوبيا وباب المندب.. هل يتشكل تهديد جديد لمصر؟