يعرف الإثراء بلا سبب بأنه: "تحويل قيمة مالية من حساب إلى آخر دون أن يكون لهذا التحويل سبب شرعي يركز عليه كمصدر" (السنهوري 2005، ص 1267-1268) .
ولقد تضمنت نصوص الشريعة الإسلامية قواعد عامة تؤكد على عدم جواز أخذ أو اكتساب مال الغير بغير سبب مشروع، وأن ذلك يوجب على الكاسب (المغني) لصاحب المال (الفقير) رد ماله إليه، أو تعويضه عنه. كما تضمنت الشريعة الإسلامية نصوصا ً أخرى تحدد أحكاما ً خاصة بالإثراء بلا سبب، بالإضافة إلى ما دونه الفقهاء في مدوناتهم من قواعد عامة وأحكام تفصيلية في ذلك. (الكبيسي، 2001، ص 280).
وفي ضوء التعريف الوارد في نظام المعاملات المدنية السعودي للإثراء بلا سبب، فإن كل من أثرى ماله أو حصل على شيء منه نتيجة إفقار شخص آخر دون سبب شرعي، ملزم بتعويض من أثرى عما لحقه من خسارة في حدود ما أثرى به، وبما لا يتجاوز مقدار المقابل. فإذا حصل شخص على منفعة دون أن يترتب على ذلك إفقار طرف آخر، فلا يلتزم المدين بالتعويض. ويُقصد بالإفقار أي خسارة يتكبدها الدائن أو منفعة تفوته كان من حقه الحصول عليها والانتفاع بها وإضافتها إلى ذمته المالية.
والإثراء والإفقار حقيقتان مادينان يجوز إثباتهما بجميع وسائل الإثبات، بما في ذلك الأدلة القطعية والقرائنية، وإن عباء إثبات الإثراء غير المشروع يقع دائما على عاتق الدائن المفتقر.(حكم محكمة النقض المصرية، الطعن رقم 29 لسنة 41 ق، جلسة 16/3/1976).
والإثراء يأخذ صوراً متعددة، فقد يكون مادياً أو معنوياً مباشراً أو غير مباشر، وإن كان الأثر المعنوي قد انتقده الفقه، وقد يكون الإثراء إيجابياً بإضافة الغني إلى ذمته المالية مالاً لا حق له فيه، وقد يكون سلبياً بمنع تخفيض ذمته المالية بتحمل نفقات شيء ما.
ويتحدد تقدير التعويض عن الإثراء بلا سبب في نظام المعاملات المدنية السعودي وفقاً للمادة 144، والتي تلزم المُثري بالتعويض في حدود ما أثرى به وعما لحق الطرف الآخر من خسارة، مع بقاء الالتزام قائمًا ولو زال الإثراء فيما بعد. وتُقيّم هذه القيمة (الإثراء أو الافتقار) بناءً على وقت حدوث الواقعة.
ويقصد بتقدير التعويض الناشئ عن الإثراء بلا سبب: بيان القواعد النظامية المحددة لمقدار التعويض، سواء كانت هذه القواعد عامة أم خاصة. ويشترط لتحقق هذه الواقعة توافر أركانها الأربعة، وهي:
1-إثراء المدين (المُثري).
2-افتقار الدائن )المفتقر).
3-رابطة السببية بين الإثراء والافتقار.
4-انتفاء السبب المشروع أو النظامي لكل من الإثراء والافتقار.
أمّا بخصوص تقادم دعوى الإثراء بلا سبب، فإنها لا تُسمع بانقضاء ثلاث سنوات من تاريخ علم الدائن بحقه، وفي جميع الأحوال لا تُسمع الدعوى بانقضاء عشر سنوات من تاريخ نشوء الحق (وقت حدوث الواقعة).
وقد أقرت أحكام القضاء السعودي بمرور عشر سنوات كمدة تقادم لدعوى الإثراء بلا سبب، حيث قضت المحكمة التجارية بالرياض بأن المحكمة لاحظت انقضاء عشر سنوات منذ نشوء الحق دون المطالبة به، وبالتالي لا تقبل دعوى الإثراء بلا سبب
أو الفضالة بعد مرور هذه المدة من تاريخ نشوء الحق. (حكم المحكمة التجارية بالرياض، القرار رقم 4530735184 بتاريخ 1/8/1445هـ .
ومن الجدير بالذكر أن السقوط بالتقادم لا يعد من قواعد النظام العامة التي يجوز للمحكمة ابداؤها من تلقاء نفسها دون طلب من الخصوم، بل يشترط التمسك به من قبل المدين أو من له مصلحة في الدعوى.
وهذا الحق يثبت للمدين ويمتد إلى الخلف الخاص والخلف العام كما يجوز لكل ذي مصلحة أن يتمسك بالتقادم مثل تدخل كفيل المدين في الدعوى ويتمسك بعدم سماعها لمرور المدة، وكذلك للمدين المتضامن ولكل طرف له مصلحة في إبراء ذمة المدين من الدين أن يدفع بالتقادم.
ويجوز إبداء الدفع بالتقادم في أي مرحلة من مراحل الدعوى أمام محكمة الدرجة الأولى أو أمام محكمة الاستئناف حتى لو لم يتمسك به المدين أمام محكمة الدرجة الأولى، ومناقشة المدين للدفوع الموضوعية لا يسقط حقه في التمسك بالتقادم، لكن لا يجوز للمدين الدفع بالتقادم لأول مرة أمام المحكمة العليا.
وقد عالج نظام المعاملات المدنية السعودي في المادة (144) التعويض عن الإثراء بلا سبب بأن: "كل شخص، حتى لو كان غير مميز، يثرى دون سبب مشروع على حساب شخص آخر يلتزم بتعريض هذا الشخص في حدود مقدار الإثراء عما تكبده من خسارة. ويظل هذا الالتزام قائماً حتى لو زال الإثراء لاحقا. بمعنى أن المثرى، حتى لو كان غير مميز، يتحمل مسؤولية التعويض في حدود ما استفاد به عن الخسائر التي تعرض لها المفتقر. ويستمر هذا الالتزام قائمًا حتى في حالة زوال الإثراء فيما بعد.
ويظهر مما سبق، أن تقدير التعويض الناشئ عن الإثراء بلا سبب يختلف اختلافاً جذرياً عن تقدير التعويض الناشئ عن الفعل الضار؛ فبينما يتحدد التعويض في الإثراء بلا سبب وفقاً للمادة (144) بـأقل القيمتين (ما أثرى به المدين وما افتقر به الدائن)، فإن مقدار التعويض الناشئ عن الفعل الضار يتحدد بقدر ما لحق المتضرر من خسارة وما فاته من كسب وفقاً للمادة 137 من النظام، مما يوجب عدم الخلط بين التقديرين لاختلاف طبيعتهما القانونية وأحكامهما.
ولم تكن أحكام القضاء السعودي بعيدة عن إثبات مسؤولية الغنى عن إثرائه دون وجه حق على حساب الفقير، حيث قصت المحكمة التجارية بالرياض بأن الإثراء على حساب الغير بلا سبب مشروع سبب للالتزام. (المحكمة التجارية بالرياض القضية 1009 وتاريخ 29/4/1442 هــ - قرار المحكمة الاستئنافية رقم 2623 وتاريخ 8/4/2022). وإذا كانت القاعدة أن المثرى لا يلزمه إلّا بقدر ما أثرى على حساب غيره، إلّا إذا كان المثرى سيئ النية في كسبه، ففي هذه الحالة يلزم المثرى برد كل ما اكتسبه. ولا يستحق شيئًا من هذا الكسب إلّا النفقات الضرورية التي أنفقها في كسبه (مرقس، 1961، ص 56).
-----------------------------------
بقلم: د. محمد جلال عبدالرحمن
* كاتب وباحث - دكتوارة في القانون، محام بالنقض ومستشار قانوني






