13 - 10 - 2026

نافي بيلاي ودونالد ترامب: عندما ينحاز العالم للعدالة وتكشف نوبل عورة الإجرام

نافي بيلاي ودونالد ترامب: عندما ينحاز العالم للعدالة وتكشف نوبل عورة الإجرام

في زمن تلاشت فيه خيوط الحياء السياسي، وساد فيه منطق الغاب الصريح، يجيء منح جائزة نوبل للسلام للقاضية والناشطة الحقوقية البارزة من جنوب إفريقيا، نافي بيلاي، كصفعةٍ مدويةٍ على وجه القوة العرقية الصلفة وحلفائها، وانتصارًا أخلاقيًا متأخرًا لسردية المظلومين في قطاع غزة وفي كل بقاع الأرض.

نصر الجنين وغزة المنسية

لم تكن نافي بيلاي – السيدة الثمانينية ذات الأصول التاميلية التي نشأت في ظلال الفصل العنصري بجنوب إفريقيا – تنتمي يوماً إلى نخبة النظام العالمي ولا إلى تيجان النفط ومصالح الثراء، لكنها، وهي الرئيسة السابقة للجنة التحقيق الدولية المستقلة التابعة للأمم المتحدة، اختارت أن تقف بصلابةٍ في وجه آلة البطش والتدمير الصهيونية.

ففي ديسمبر 2023، حين استهدفت مدفعية العدو مركز البسمة لتخصيب الأجنة في قطاع غزة وقصفت خزانات النيتروجين السائل لتمحو حلم 4000 جنين من الوجود في محاولةٍ ممنهجةٍ لمحو القدرة على الإنجاب، صمتت حكومات العالم وتوارى التجار والدعاة، غير أن هذه السيدة الباسلة رفعت صوتها صادحةً بأن هذا الفعل يمثل جريمة إبادةٍ جماعيةٍ معلنةً. لقد أثبتت بيلاي للجميع أن العدالة لا تُشترى بالترقيات والصفقات – كما فعل غيرها ممن باعوا مبادئهم في المحاكم الدولية – بل بالوقوف الصريح ضد مجرمي الحرب، والمطالبة بقطع التجارة مع كيان الاحتلال، ومواجهة الغولة الصهيونية في عينيها. إن فوزها بجائزة نوبل هو تكريمٌ لصوت الحق القادم من بين ركام غزة، وإعلانٌ صريحٌ بأن السردية الفلسطينية باتت أقوى وأعتى من كل زيف الإعلام الغربي وتخاذل القادة.

ترامب وهذيان نوبل

على الضفة الأخرى من العالم، يقف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يندب حظه بمنشوراتٍ ملؤها الهذيان والإنكار عبر منصاته الإلكترونية، متباكيًا على حرمان إدارة جائزة نوبل له وللولايات المتحدة من الجائزة، ومهددًا بتفكيك المحكمة الجنائية الدولية وفرض العقوبات على لجنة أوسلو ذاتها لأنها لم تخضع لنزواته! يخرج علينا ترامب في منشوراته الأخيرة ليصرخ في وجه العالم بنبرةٍ طفوليةٍ مضحكة متباهيًا بإنجازاته الوهمية، حيث كتب مستغرباً: "لقد أنهيت ثماني حروب، وأوشكت على تسوية نزاعين آخرين، وأعدت  جميع الرهائن الأحياء منهم والأموات، وحققت انتصاراً في فنزويلا، ومنعت إيران من امتلاك سلاح نووي.. ومع كل ذلك، لم أحصل أنا ولا الولايات المتحدة على جائزة نوبل للسلام.. يا للدهشة!".

عن أي دهشة يتحدث هذا الرجل الذي يظن أن العالم يتابع مسرحياته دون أن تنتابه نوبةٌ من الضحك والشرخ الأخلاقي؟ عجيبٌ أمر هذا الرجل الذي يطالب بجائزة السلام وفي صحيفته السوداء ما يندى له جبين الإنسانية؛ يفاخر بكل صلافةٍ بخطف رئيس دولةٍ منتخبٍ وزوجته في فنزويلا، وسرقة بترول الشعوب الفقيرة، والتطاول على سيادة دولٍ شقيقةٍ وصديقةٍ كالتهديد بضم كندا وشراء جرينلاند، وكأن العالم مجرد ضيعةٍ عقاريةٍ خاصةٍ به!

 ينسى ترامب أنه شارك الإبادة في غزة وكان ولا يزال الداعم الأكبر لآلة الدمار التي قتلت وأصابت أكثر من 150 ألف فلسطيني، بل ويهذي نهاراً جهاراً بتهجير أكثر من 2.2 مليون نسمة لبناء منتجعاته السياحية الخاصة على جثث الأطفال!

بالإضافة لعدائه السافر للشعوب والحرية ومنع دخول مواطني عشرات الدول الإسلامية والنامية، وتهجمه على رموزٍ سياسيةٍ من أصولٍ إفريقيةٍ، ومهاجمته الدين الإسلامي علنًا، وتسببه في إشعال الأزمات الاقتصادية التي ضربت الطاقة والأسواق العالمية ورفعت أسعار النفط، حارمًا الفقراء من أسباب الحياة. كما قام بضرب الشرعية الدولية عندما ضرب إيران بقراراتٍ منفردةٍ بعيدًا عن أروقة الأمم المتحدة، مما أضر بمنطقة الخليج العربي حيث أصابت الحرب الدول الخليجية من الرد الإيراني على القواعد الأمريكية، وتسببت الحرب في إغلاق مضيق هرمز واشتعال أسعار النفط مما أضر بجميع دول العالم.

وحين تجرأت المحكمة الجنائية الدولية وقالت الحق عن القتل والإبادة الجماعية وطالبت بمحاكمة المجرمين، سارع ترامب لمعاقبتها وتهديد قضاة العالم، ثم يأتي بصلافةٍ ليطالب بنوبل! إن مطالبات ترامب بنيل جائزة السلام ليست سوى فاصلٍ كوميديٍ يوميٍ يضحك منه العالم، فالرجل الذي يتوهم أنه أنهى الحروب بإحداث الدمار لا يستحق جائزة السلام بشتى المقاييس، بل يستحق عن جدارةٍ واستحقاقٍ جائزة الإجرام العالمي والإرهاب السياسي.

سخرية بيلاي وتحول البوصلة الدولية

وفي مقابل هذا الهذيان المبتذل، جاء رد القاضية الفائزة نافي بيلاي يحمل التكثيف الساخر والرفعة الأخلاقية؛ فعندما وقف الصحفيون يصفقون لها بحرارةٍ إثر الإعلان عن فوزها المستحق، ابتسمت بيلاي وقالت لهم بسخريةٍ ذكيةٍ تهكمت فيها على ترامب وعلى عملاء الصفقات: "لو واصلتم التصفيق لي هكذا كثيراً، لربما اضطررت لاقتسام الجائزة مع ترامب!"، في إشارةٍ تهكميةٍ لاذعةٍ لما تفعل بعض الشخصيات التي تتاجر بالجوائز الدولية وترتمي في أحضان واشنطن.

لقد شكل فوز نافي بيلاي بنوبل للسلام انتكاسةً قاصمةً وصدمةً مدويةً للكيان الصهيوني وحلفائه في واشنطن، فلم يعد الكيان خطًا أحمر كما كان في السابق، بل أصبحت تعريته ومحاكمته سبيلاً لنيل أعلى المراتب الأخلاقية والإنسانية، فيما يتوارى قادته ومجرموه كالفئران في المزارع والمطارات المجهولة خوفًا من يد العدالة الدولية. 

مبروكٌ للقاضية الباسلة نافي بيلاي.. مبروكٌ لصديقة فلسطين والأحرار التي أثبتت أن الحقيقة تشرق دائمًا من بين الركام، وأن أصحاب النخوة الحقيقية هم من يقفون في وجه الظلم، لا من يصفقون للقتلة والمستكبرين.
-------------------------------
بقلم: محمد عبدالشكور


مقالات اخرى للكاتب

نافي بيلاي ودونالد ترامب: عندما ينحاز العالم للعدالة وتكشف نوبل عورة الإجرام