14 - 10 - 2026

صراع الطبقات في اقتصاد المنصات: قراءة نقدية في القيمة والعمل والتكوين الطبقي

 صراع الطبقات في اقتصاد المنصات: قراءة نقدية في القيمة والعمل والتكوين الطبقي

عندما نقرأ كتاب أشرف إبراهيم «صراع الطبقات في اقتصاد المنصات»، نجد أنفسنا أمام محاولة لفهم التحولات التي أحدثتها التكنولوجيا الرقمية في علاقات الإنتاج والعمل والصراع الطبقي داخل الرأسمالية المعاصرة. ينطلق الكتاب من فكرة أساسية مفادها أن التطور التكنولوجي لم يلغ التناقض بين العمل ورأس المال، وإنما أوجد أشكالا جديدة لظهور هذا التناقض، من خلال المنصات الرقمية والخوارزميات والبيانات وتوسع أنماط العمل غير المستقر. ومن هذا المنطلق، يحاول الكاتب إعادة قراءة عدد من المفاهيم الماركسية، وفي مقدمتها القيمة والعمل والطبقة والهيمنة والإمبريالية والأزمة، وربطها بما يسميه الرأسمالية الرقمية.

وأنا أرى أن أهمية الكتاب تكمن في أنه يطرح موضوعا يستحق النقاش، خصوصا أن اقتصاد المنصات أصبح جزءا من الحياة اليومية ومصدرا للعمل والدخل لملايين الأشخاص، كما أصبح أداة لإعادة تنظيم قطاعات كاملة من الاقتصاد. لكن أهمية الموضوع لا تعني أن كل الاستنتاجات التي يقدمها الكتاب قد أصبحت محسومة، ولا أن استخدام المفاهيم الماركسية في تحليل الاقتصاد الرقمي يكفي وحده لإثبات صحة التحليل. لذلك أريد أن أتناول الكتاب من خلال مجموعة من الأسئلة التي تتعلق ببناء حجته، وطريقة استخدامه للتراث الماركسي، وتفسيره لطبيعة العمل والقيمة، ومدى قدرته على تحديد ملامح التكوين الطبقي في اقتصاد المنصات.

أولا: بين تكرار الفكرة وبناء الحجة

من الملاحظات التي لفتت انتباهي أثناء قراءة الكتاب تكرار عدد من الأفكار في أكثر من موضع، وأحيانا ظهورها تحت عناوين فرعية لا تضيف إليها تطورا تحليليا واضحا. تتكرر فكرة أن التكنولوجيا لا تلغي الصراع الطبقي، وأن الخوارزميات أصبحت أداة للسيطرة على العمال، وأن البيانات تحولت إلى مورد للتراكم الرأسمالي، وأن المنصات تعيد إنتاج علاقات الاستغلال بأشكال جديدة. وهذه أفكار مهمة، لكن تكرارها لا يكفي لإثباتها، ما لم يقترن بتطويرها من مستوى إلى آخر.

فعندما يقول الكاتب إن الخوارزميات تستخدم لمراقبة العمال وتحديد أدائهم وأجورهم، فهذه نقطة بداية لتحليل العلاقة بين التكنولوجيا ورأس المال والعمل. لكن المطلوب بعد ذلك هو توضيح الكيفية التي تغيرت بها عملية الإنتاج، وطبيعة السيطرة على العمل، وموقع العامل داخلها، وكيف تتكون القيمة، وما الذي يميز علاقة العمل في المنصة عن علاقتها في المصنع التقليدي. وإذا تكررت الفكرة من دون الإجابة عن هذه الأسئلة، فإننا نظل أمام وصف لظاهرة جديدة، من دون الوصول إلى تفسير كاف لطبيعتها الاقتصادية والاجتماعية.

وتظهر المشكلة نفسها عندما ينتقل الكتاب بين موضوعات القيمة والطبقة والهيمنة والإمبريالية الرقمية والأزمة الرأسمالية. فهذه الموضوعات مترابطة بالفعل، لكن الترابط بينها يحتاج إلى بناء تحليلي يوضح كيف تقود كل مسألة إلى الأخرى. لا يكفي أن نثبت وجود احتكار رقمي حتى نستنتج تلقائيا طبيعة علاقته بإنتاج القيمة، ولا يكفي أن نثبت وجود عمال يعملون عبر المنصات حتى نصل إلى استنتاج أن طبقة عاملة رقمية قد تشكلت، كما لا يكفي إثبات وقوع إضرابات حتى نعتبرها دليلا على وجود حركة طبقية واسعة.

ثانيا: استخدام ماركس ولينين وجرامشي بين الاستفادة النظرية وإسقاط المفاهيم

يعتمد الكتاب على مفاهيم ماركس ولينين وجرامشي، ويستعين بها في تفسير الخوارزميات والاحتكارات الرقمية والعمل عبر المنصات وأشكال الهيمنة الجديدة. وهذا أمر مشروع من حيث المبدأ، لأن التحليل الماركسي لا يفقد صلاحيته لمجرد ظهور تكنولوجيا جديدة. لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول المفاهيم الكلاسيكية إلى قوالب جاهزة نضع داخلها الظواهر الجديدة، بدلا من استخدامها في تحليل هذه الظواهر واختبار حدود المفاهيم نفسها.

عندما نتحدث عن ماركس والعمل وفائض القيمة، ثم ننتقل إلى المستخدم الذي يبحث أو يشاهد أو يشارك محتوى على منصة، لا يكفي أن نقول إن نشاطه يفيد الشركة، ومن ثم نعتبره عاملا منتجا للقيمة بالمعنى الماركسي. وعندما نستدعي تحليل لينين لتركيز رأس المال والاحتكار، لا يكفي أن نشير إلى ضخامة شركات التكنولوجيا حتى نكون قد فسرنا طبيعة احتكاراتها ومصادر أرباحها. وعندما نستعين بجرامشي لفهم الهيمنة، لا يكفي أن نقول إن الخوارزميات تؤثر في الوعي حتى نكون قد حددنا العلاقة بين القوة الاقتصادية والسيطرة الثقافية والسياسية.

كل مفهوم من هذه المفاهيم يحتاج إلى أن نعيد اختباره داخل العلاقات الاقتصادية والاجتماعية الجديدة. فالمطلوب ليس أن نثبت أن ماركس تحدث عن العمل، وأن لينين تحدث عن الاحتكار، وأن جرامشي تحدث عن الهيمنة، ثم نبحث عن أمثلة رقمية تناسب هذه المفاهيم. المطلوب أن نحدد ما الذي بقي من العلاقات القديمة، وما الذي تغير في شكلها وآليات عملها، وما المفاهيم التي ما زالت تفسر الواقع، وما الذي يحتاج إلى تطوير نظري.

وهنا تظهر أيضا أهمية مناقشة اعتماد الكاتب على كريس هارمان. فالكتاب يستفيد من منهج يركز على استمرارية التناقضات الرأسمالية مع تغير الأشكال التي تظهر فيها. لكن علينا أن نسأل: هل يساعد هذا المنهج على تفسير التحولات الجديدة، أم يؤدي أحيانا إلى التعامل معها باعتبارها مجرد أشكال مختلفة لظواهر معروفة سلفا؟ إذا أصبحت المنصة هي المصنع الجديد، والخوارزمية هي الآلة الجديدة، والعامل الرقمي هو العامل الصناعي في صورة أخرى، فهل نكون قد فسرنا التحول التاريخي، أم أننا اكتفينا بإعادة تسمية عناصره؟

لا أطرح هذا السؤال باعتباره حكما نهائيا على هارمان، لأن مناقشة أفكاره تتطلب التمييز بين ما يستند فيه إلى ماركس، وما يقدمه بوصفه تفسيره الخاص لتطور الرأسمالية. لكنني أرى أن الكتاب كان يحتاج إلى مساحة أكبر لاختبار هذا المنهج، خصوصا أن موضوعه يقوم أساسا على تفسير اقتصاد يتغير بسرعة.

ثالثا: اقتصاد المنصات داخل التاريخ الرأسمالي

من المشكلات التي أرى ضرورة التوقف أمامها أن بعض أجزاء الكتاب تتعامل مع الاقتصاد الرقمي كما لو كان عالما مستقلا له قوانينه الخاصة، رغم أن أطروحته الأساسية تؤكد أنه امتداد تاريخي للرأسمالية. وهنا نحتاج إلى إعادة وضع اقتصاد المنصات داخل تاريخ تطور الرأسمالية نفسها.

فالمنصات لم تظهر من فراغ، ولم تنشأ بمعزل عن التحولات التي عرفها الإنتاج الصناعي، وتركيز رأس المال، وصعود الشركات متعددة الجنسيات، وتطور الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، وتوسع الأسواق المالية، وإعادة تنظيم سلاسل الإنتاج العالمية، وتزايد أنماط العمل غير المستقر. كما أن انتشار المنصات ارتبط بتطور الهواتف الذكية والإنترنت التجاري، ثم توسع استخدامها خلال جائحة كورونا، وصولا إلى التحولات الجارية في الذكاء الاصطناعي.

وعندما ننظر إلى شركة مثل أمازون، مثلا، فإننا لا نجد منصة رقمية بالمعنى المجرد فقط، وإنما نجد شبكة متداخلة من التجارة والمستودعات واللوجستيات والنقل والعمل المأجور والحوسبة السحابية والإعلانات والبيانات والملكية الفكرية. وهذه الأنشطة لا تخضع بالضرورة للعلاقات الاقتصادية نفسها، حتى لو اجتمعت تحت ملكية شركة واحدة.

لذلك فإن فهم اقتصاد المنصات يتطلب دراسة ما يربطه بالأشكال السابقة للرأسمالية وما يميزه عنها. علينا أن نحدد كيف أعادت التكنولوجيا تنظيم عمليات الإنتاج والتوزيع والتبادل، وكيف تغيرت العلاقة بين رأس المال والعمل، وكيف أصبحت البيانات والبنية التحتية الرقمية والملكية الفكرية مصادر للقوة الاقتصادية، وكيف تتداخل هذه العناصر مع أشكال الإنتاج التقليدية.

وهنا يمكن الاستفادة من فؤاد مرسي، وخصوصا من الفكرة التي يطرحها عنوان كتابه «الرأسمالية تجدد نفسها». فهذه المقاربة تتيح لنا التفكير في التكنولوجيا باعتبارها جزءا من قدرة الرأسمالية على تجديد شروط إنتاجها وتراكمها، وليس مجرد أداة خارجية تستخدمها الرأسمالية القائمة. والسؤال هنا هو كيف يعيد الاقتصاد الرقمي تشكيل الرأسمالية وتجديد آليات عملها، وما الذي يتغير في بنية الإنتاج والعمل والتراكم نتيجة ذلك.

لكن تجدد الرأسمالية لا يعني أن كل تحول تكنولوجي يؤدي تلقائيا إلى زيادة الإنتاجية أو تحسين شروط العمل أو تجاوز أزماتها. فقد تؤدي التكنولوجيا إلى رفع الإنتاجية في بعض القطاعات، بينما تستخدم في قطاعات أخرى لتكثيف العمل ومراقبة العاملين وخفض تكاليف الإنتاج. وقد تفتح مجالات جديدة للتراكم، بينما تزيد في الوقت نفسه من التركيز والاحتكار والتفاوت. ولذلك ينبغي تحليل هذه النتائج داخل العلاقات الاقتصادية والاجتماعية التي تحكم استخدام التكنولوجيا.

رابعا: العمل الاجتماعي الضروري ومشكلة إنتاج القيمة

أعتقد أن الفصل الأول من الكتاب، الذي يتناول إعادة تشكيل نظرية القيمة في ظل الرأسمالية الرقمية، هو من أهم أجزاء الكتاب وأكثرها احتياجا إلى المناقشة النظرية. فالانتقال من العمل الصناعي إلى النشاط الرقمي يفرض علينا أن نعود إلى مفاهيم ماركس الأساسية، وأن نميز بينها بدقة قبل أن نستخدمها في تفسير الظواهر الجديدة.

لنتخيل خط إنتاج داخل مصنع. عامل يشغل آلة لإنتاج جزء من السلعة، ثم ينتقل هذا الجزء إلى عامل آخر يضيف إليه جزءا جديدا، ثم يأتي عامل التجميع، وبعده عامل الفحص والتغليف، حتى يخرج المنتج النهائي. لا ينتج أي عامل من هؤلاء السلعة بمفرده، وإنما تتكون السلعة من خلال تعاون مجموعة من العمال وتقسيم العمل بينهم داخل عملية إنتاج واحدة.

هنا نكون أمام ما يمكن تسميته العامل الجماعي، أي قوة العمل التي تعمل بصورة مترابطة داخل عملية الإنتاج. لكن الزمن الذي ينفقه كل عامل على حدة لا يحدد وحده قيمة السلعة. فالقيمة ترتبط بالوقت اللازم اجتماعيا لإنتاجها في ظل شروط الإنتاج السائدة ومستوى المهارة والإنتاجية والتكنولوجيا المتاح.

وهذا هو الفارق بين مجرد جمع ساعات العمل الفردية وبين مفهوم العمل الاجتماعي الضروري عند ماركس. فإذا كان مصنع ينفق عشر ساعات لإنتاج سلعة، بينما يحتاج إنتاجها في ظل شروط الإنتاج الاجتماعية السائدة إلى خمس ساعات، فإن الوقت الإضافي الذي أنفقه المصنع لا يمنح السلعة قيمة أعلى تلقائيا. فالقيمة لا تتحدد وفقا للوقت الفردي الذي أنفقه المنتج بالفعل، وإنما وفقا للشروط الاجتماعية للإنتاج.

وعندما ننتقل من المصنع إلى المنصة الرقمية، يصبح السؤال أكثر تعقيدا. فالكتاب يتحدث عن المستخدم الذي يبحث ويشاهد ويضغط إعجابا وينشر محتوى، ويعتبر هذه الأنشطة جزءا من العمل الرقمي الذي تستفيد منه المنصة. لكن هل كل نشاط بشري ينتج أثرا اقتصاديا يصبح عملا منتجا للقيمة بالمعنى الماركسي؟

أعتقد أن هذه النقطة تحتاج إلى تمييز واضح. فوجود نشاط بشري لا يعني بالضرورة أننا أمام عمل بالمعنى الاقتصادي المقصود، ووجود عمل لا يعني بالضرورة أنه عمل منتج لرأس المال. كما أن استفادة الشركة من نشاط معين لا تكفي وحدها لإثبات أن هذا النشاط ينتج قيمة بالطريقة نفسها التي ينتج بها العامل سلعة أو خدمة داخل عملية إنتاج رأسمالية.

العامل الذي يعمل في مصنع أو يقدم خدمة مأجورة عبر منصة له موقع محدد نسبيا داخل علاقة الإنتاج. أما المستخدم الذي يدخل إلى منصة اجتماعية لمشاهدة فيديو أو التواصل مع أصدقائه، فقد تنتج عن نشاطه بيانات تستفيد منها الشركة في الإعلانات أو تطوير خدماتها أو تحسين خوارزمياتها. لكن هذه الاستفادة لا تحسم وحدها ما إذا كان المستخدم يؤدي عملا منتجا للقيمة، أو ما إذا كان نشاطه يدخل في عملية إنتاج قيمة بطريقة غير مباشرة، أو ما إذا كانت المنصة تحقق جزءا من إيراداتها من خلال السيطرة على البيانات والاهتمام والوصول إلى الجمهور.

هنا يجب أن نفرق بين البيانات بوصفها موردا اقتصاديا، والعمل الذي ينتجها، والقيمة بالمعنى الماركسي، والربح الذي تحققه الشركة، والريع الذي قد تحصل عليه نتيجة سيطرتها على سوق أو بنية تحتية أو أصل احتكاري. فهذه المفاهيم مترابطة، لكنها ليست مترادفة.

ولذلك فإن القول إن البيانات نتاج نشاط بشري لا يكفي وحده لإثبات أن كل مستخدم أصبح عاملا منتجا للقيمة. كما أن وصف البيانات بأنها مصنع جديد لا يحل المشكلة النظرية، لأن المطلوب هو تحديد العملية الاقتصادية التي تتحول من خلالها البيانات إلى مصدر للتراكم، وتحديد موقع العمل البشري داخل هذه العملية، وكيف تتكون الإيرادات والأرباح، وما إذا كانت تأتي من إنتاج قيمة جديدة أو من الاستحواذ على قيمة منتجة في مواضع أخرى أو من السيطرة الاحتكارية على السوق.

هذه الأسئلة لا تنفي أهمية البيانات في الاقتصاد الرقمي، وإنما تجعل تحليلها أكثر دقة. فبدلا من أن نضع كل الأنشطة الرقمية تحت مفهوم واحد هو العمل الرقمي، ينبغي أن نحدد طبيعة كل نشاط وعلاقته بعملية الإنتاج وبالتراكم الرأسمالي.

خامسا: من العامل الرقمي إلى تكوين الطبقة العاملة

ترتبط مشكلة القيمة مباشرة بمشكلة التكوين الطبقي. فإذا لم نحدد طبيعة العمل الذي يؤديه كل طرف داخل الاقتصاد الرقمي، يصبح من الصعب أن نحدد موقعه الطبقي والعلاقة التي تربطه ببقية العاملين.

فالكتاب يتحدث عن البروليتاريا الرقمية، لكن هذا المصطلح يحتاج إلى تحديد أكثر دقة. لدينا سائق يعمل عبر تطبيق، وعامل توصيل، ومبرمج، وعامل في مركز بيانات، وعامل في تصنيع الأجهزة والرقائق، وعامل محتوى، وشخص يؤدي مهام صغيرة عبر منصة إلكترونية، ومستخدم ينتج بيانات أثناء استهلاكه لخدمة رقمية. هل ينتمي كل هؤلاء إلى الموقع الطبقي نفسه لمجرد ارتباطهم بالتكنولوجيا أو بالمنصات؟

من وجهة نظري، لا يمكن حسم هذه المسألة بهذه الطريقة. فالتكوين الطبقي لا يتحدد بمجرد استخدام وسيلة تكنولوجية واحدة، وإنما يرتبط بملكية وسائل الإنتاج، وطبيعة العلاقة بقوة العمل، والموقع داخل عملية الإنتاج، والسيطرة على الموارد والمنتجات، وطبيعة الدخل، وعلاقة الفرد بعملية التراكم الرأسمالي.

وهذا لا يمنع أن تكون هناك مصالح مشتركة بين شرائح مختلفة من العاملين في الاقتصاد الرقمي، ولا يمنع إمكان نشوء أشكال جديدة من التنظيم والتضامن. لكنه يفرض علينا أن نوضح كيف تتكون هذه المصالح، وما الذي يجمع هذه الشرائح، وما الذي يفرق بينها، وكيف يمكن أن تتحول من مواقع اقتصادية متباينة إلى حركة عمالية قادرة على العمل المشترك.

وهنا يجب أن نفرق بين وجود عمال يعملون عبر المنصات، ووجود مصالح مشتركة بينهم، وظهور وعي بهذه المصالح، وقيام تنظيمات مستقرة، ثم تشكل حركة طبقية لها مطالب وبرامج وأدوات للتأثير. هذه مستويات مختلفة، ولا يصح الانتقال من واحد منها إلى الآخر من دون أدلة.

سادسا: هل الإضرابات تثبت وجود حركة مقاومة طبقية؟

يستشهد الكتاب بأشكال مختلفة من الاحتجاجات والإضرابات في الاقتصاد الرقمي، ويستعين بها لإظهار أن العمال لم يقبلوا شروط العمل الجديدة بصورة سلبية. وهذه شواهد مهمة، لكنها تحتاج إلى تفسير يتجاوز مجرد تسجيل وقوعها.

فالإضراب في شركة أو قطاع يثبت أن مجموعة من العمال استطاعت تنظيم فعل جماعي للدفاع عن مصالحها. وإذا تكررت الإضرابات في شركات وبلدان مختلفة، فإن ذلك يقدم دليلا أقوى على وجود تناقضات مشتركة ومصالح تدفع العمال إلى الاحتجاج. لكن هل يكفي ذلك لإثبات تشكل طبقة عاملة رقمية متماسكة أو وجود حركة عمالية دولية واسعة؟

الإجابة تحتاج إلى بحث في مدى انتشار الاحتجاجات، واستمراريتها، وقدرتها على بناء تنظيمات مستقرة، وتطور المطالب من تحسين الأجور وظروف العمل إلى قضايا أوسع تتعلق بالسيطرة على عملية الإنتاج وتحديد شروطها. كما تحتاج إلى دراسة العلاقة بين العمال في القطاعات الرقمية المختلفة، ومدى قدرتهم على التنسيق فيما بينهم.

والأمر نفسه ينطبق على الحديث عن التحسينات القانونية التي شهدتها بعض الدول الأوروبية. فمن الخطأ أن ننسب هذه التحسينات كلها إلى الإضرابات وحدها، كما أنه من الخطأ تجاهل دور النضال العمالي في الضغط من أجلها. فالتغييرات التشريعية قد تنتج من تفاعل الاحتجاجات والتنظيم النقابي والدعاوى القضائية والمفاوضات السياسية والضغوط المجتمعية ومواقف الحكومات والمؤسسات الدولية.

وهنا تظهر أهمية التمييز بين التزامن والسببية. وجود إضرابات قبل صدور قانون لا يثبت وحده أن الإضرابات هي التي أنتجت القانون. إثبات هذه العلاقة يحتاج إلى تتبع تاريخي يوضح المطالب التي رفعتها الحركة العمالية، وكيف انتقلت إلى المجال السياسي والقانوني، وما الذي دفع المؤسسات المعنية إلى الاستجابة، وما العوامل الأخرى التي ساهمت في القرار.

كما أن العلاقة بين الصراع والقانون ليست في اتجاه واحد. فالنضالات قد تدفع إلى تغييرات قانونية، لكن القانون نفسه قد يعيد تشكيل سوق العمل، ويغير العلاقة بين العامل والمنصة، ويفتح إمكانات جديدة للتنظيم، أو يضع حدودا أمامه. ولذلك لا يمكن اختزال التاريخ في مسار خطي يبدأ بالتناقض وينتهي بالمقاومة ثم التغيير.

من المهم هنا الإشارة إلى أن مؤتمر العمل الدولي اعتمد في يونيو 2026 الاتفاقية رقم 193 بشأن العمل اللائق في اقتصاد المنصات. ويشكل هذا التطور دليلا على أن تنظيم العمل عبر المنصات أصبح موضوعا لصراع ومفاوضات على المستوى الدولي، لكنه لا يثبت بمفرده أن الاتفاقية كانت نتيجة مباشرة للإضرابات. هذه العلاقة تحتاج إلى بحث في المسار التاريخي والسياسي الذي قاد إلى اعتمادها.

سابعا: حدود الاستشهاد بالتجارب المعاصرة

من الملاحظات المهمة أيضا أن الكتاب يعتمد بدرجة كبيرة على بيانات وأمثلة تتوقف في معظمها عند عام 2023، في حين شهد الاقتصاد الرقمي بعد ذلك تطورات تستحق أن تدخل في التحليل. وأهمية هذه المسألة لا تتعلق فقط بضرورة تحديث الأرقام، وإنما بضرورة متابعة تغير الموضوع نفسه الذي نحاول تفسيره.

فالاقتصاد الرقمي لا يتطور في اتجاه واحد ثابت، كما أن أشكال العمل والتنظيم والقوانين تختلف بين البلدان والقطاعات. وقد يؤدي تعميم تجربة احتجاجية في شركة معينة على اقتصاد المنصات كله إلى إغفال الفروق بين العاملين، كما أن الاستشهاد بتجربة أوروبية لا يكفي لإثبات أن المسار نفسه يتكرر في بلدان الجنوب العالمي.

ولذلك ينبغي أن نميز بين المثال الذي يوضح إمكان حدوث ظاهرة، والبيانات التي تثبت مدى انتشارها، والتحليل الذي يفسر أسبابها، والاستنتاج الذي نحاول تعميمه. فإضراب ناجح يمكن أن يثبت قدرة مجموعة من العمال على فرض مطالبها في ظروف محددة، لكنه لا يثبت أن جميع عمال المنصات يمتلكون القدرة نفسها أو أن الحركة العمالية الرقمية أصبحت قوة موحدة.

وتنطبق القاعدة نفسها على القوانين والتجارب التنظيمية. فوجود تشريع يحسن بعض شروط العمل في دولة ما لا يعني أن المشكلة قد حلت، ولا أن التشريع نفسه قابل للتطبيق بالآليات ذاتها في دول أخرى. المطلوب هو دراسة شروط نشوء التجربة، وحدودها، والنتائج التي حققتها بالفعل.

ثامنا: سمير أمين والاقتصاد الرقمي داخل تقسيم العمل العالمي

بعد تحديد هذه المشكلات، أعتقد أن أفكار سمير أمين يمكن أن تضيف بعدا مهما إلى قراءة الكتاب، وخصوصا فيما يتعلق بالإمبريالية الرقمية والعلاقة بين المركز والأطراف.

فالاقتصاد الرقمي ليس شبكة عالمية متساوية تتاح فيها التكنولوجيا للجميع بالشروط نفسها. هناك تفاوت في ملكية التكنولوجيا والبنية التحتية والتمويل والملكية الفكرية، وفي القدرة على تحديد المعايير والتحكم في الأسواق. وهناك دول وشركات تمتلك الموارد اللازمة لتطوير الرقائق والأنظمة السحابية والخوارزميات، في حين تعتمد دول أخرى على استيراد هذه التكنولوجيا أو العمل داخل سلاسل إنتاج تسيطر عليها شركات من الخارج.

ومن هنا يصبح من الضروري أن نسأل عن الموقع الذي تحتله كل دولة داخل الاقتصاد الرقمي العالمي. من يمتلك التكنولوجيا؟ من يحدد شروط استخدامها؟ أين يتركز البحث والتطوير؟ أين توجد مراكز القرار؟ أين يتم إنتاج العمل الذي تعتمد عليه المنصات؟ وأين تتحقق الأرباح وتستقر الملكية الفكرية؟

تساعدنا مقاربة سمير أمين على ربط هذه الأسئلة بالاستقطاب العالمي والتبادل غير المتكافئ والتراكم على المستوى العالمي. فالمسألة لا تتعلق فقط بشركات أجنبية تجمع بيانات مستخدمين في دول أخرى، وإنما ببنية أوسع تتعلق بملكية التكنولوجيا والتمويل والمعرفة والقدرة على التحكم في سلاسل القيمة.

ومن هذا المنطلق، فإن الحديث عن الإمبريالية الرقمية يحتاج إلى تحديد آلياتها المادية والاقتصادية، بدلا من الاكتفاء بوصف الشركات الكبرى بأنها مراكز للهيمنة. ينبغي أن نبحث في كيفية انتقال القيمة، وموقع العمالة منخفضة الأجر في البلدان المختلفة، وشروط الوصول إلى التكنولوجيا، ومدى قدرة الاقتصادات التابعة على بناء قاعدة إنتاجية وتكنولوجية مستقلة نسبيا.

هنا يصبح السؤال عن اقتصاد المنصات جزءا من سؤال أوسع عن تطور الرأسمالية العالمية، وعن كيفية إعادة إنتاج التفاوت بين البلدان داخل الثورة التكنولوجية نفسها.

تاسعا: فؤاد مرسي وتجدد الرأسمالية

أما فؤاد مرسي، فإن استحضاره يساعدنا على طرح سؤال مختلف ومكمل: كيف تجدد الرأسمالية نفسها من خلال التحولات العلمية والتكنولوجية وإعادة تنظيم الإنتاج؟

إذا تعاملنا مع الاقتصاد الرقمي باعتباره مجرد شكل جديد من أشكال الاستغلال القديم، فقد نغفل التغيرات الفعلية التي أحدثتها التكنولوجيا في بنية الإنتاج وفي تنظيم الأسواق وفي العلاقة بين الشركات والعملاء والعمال. لكن إذا تعاملنا معه باعتباره قطيعة كاملة مع الرأسمالية السابقة، فقد نفقد القدرة على فهم استمرارية علاقات الملكية والتراكم والعمل المأجور.

المطلوب إذن أن نفهم التجدد والاستمرارية معا. التكنولوجيا الرقمية تغير طريقة تنظيم الإنتاج وتوزيع السلع والخدمات ومراقبة العمل والوصول إلى المستهلكين، لكنها تعمل داخل علاقات اجتماعية واقتصادية محددة. ورأس المال يستطيع أن يستخدمها لتوسيع الأسواق ورفع الإنتاجية وخفض بعض التكاليف، كما يستطيع استخدامها لتكثيف العمل وتوسيع أشكال المراقبة وزيادة تركيز القوة الاقتصادية.

لكن تجدد الرأسمالية لا يعني أنها تجاوزت تناقضاتها. فالتكنولوجيا قد تفتح مجالات جديدة للتراكم، لكنها قد تعمق أيضا التفاوت والاحتكار وعدم الاستقرار. والسؤال ليس هل تجددت الرأسمالية أم لا، وإنما كيف تجددت، وما التغيرات التي أحدثتها في عملية الإنتاج، وكيف أعادت تنظيم العلاقة بين العمل ورأس المال، ومن المستفيد من هذا التجدد ومن يتحمل تكاليفه.

وهنا يلتقي سؤال فؤاد مرسي بسؤال سمير أمين. الأول يساعدنا على فهم التحول داخل الرأسمالية، والثاني يساعدنا على فهم موقع هذا التحول داخل النظام الرأسمالي العالمي. أما التحليل الماركسي للقيمة والعمل فيظل ضروريا لتحديد العلاقات الاقتصادية التي تقوم عليها هذه العملية.

عاشرا: هل يقدم الكتاب تفسيرا كافيا لأزمة الرأسمالية الرقمية؟

يخصص الكتاب مساحة للحديث عن تناقضات الرأسمالية الرقمية وأزماتها، ويستعين في ذلك بأفكار ماركس عن التراكم وميل معدل الربح إلى الانخفاض. لكن استخدام هذه المفاهيم يحتاج إلى تمييز بين النظرية العامة والتفسير التاريخي المحدد.

فوجود شركات تكنولوجية تحقق أرباحا ضخمة، أو شركات أخرى تتكبد خسائر، أو موجات من تسريح العمال، لا يكفي وحده لإثبات أن الأزمة ناتجة عن ميل معدل الربح إلى الانخفاض. علينا أن نحدد القطاع الذي نتحدث عنه، وطبيعة رأس المال المستثمر فيه، ومصادر الإيرادات، وتكاليف الإنتاج، وشروط المنافسة، وأثر الاحتكار، ودور التمويل والريع.

كما أن الاقتصاد الرقمي يضم أنشطة مختلفة، ولا يمكن افتراض أن جميعها تخضع للآليات نفسها. فاقتصاد الإعلانات الرقمية يختلف عن خدمات الحوسبة السحابية، وكلاهما يختلف عن التجارة الإلكترونية وتصنيع الرقائق والعمل عبر التطبيقات. وقد ترتبط أرباح بعض الشركات بالإنتاج المباشر، بينما ترتبط أرباح أخرى بالوساطة أو السيطرة على البنية التحتية أو الملكية الفكرية أو السوق.

لذلك فإن تحليل الأزمة يحتاج إلى دراسة كيفية تفاعل هذه الآليات، وكيف يمكن أن يؤدي التقدم التكنولوجي إلى زيادة الإنتاجية في الوقت الذي يعزز فيه الاحتكار أو يغير توزيع الأرباح. كما يحتاج إلى التمييز بين الأزمة الدورية في سوق معين، والتناقضات طويلة المدى في عملية التراكم، والتحولات التي تحدث نتيجة المنافسة بين الشركات والدول.

وهنا تظهر أهمية ألا تتحول نظرية الأزمة إلى نتيجة جاهزة نصل إليها بمجرد ملاحظة وجود تفاوت أو تسريح للعمال أو احتكار. النظرية ينبغي أن تساعدنا على تفسير الوقائع، لا أن تحل محل تحليلها.

 حادي عشر: ما الذي يمكن أن نستخلصه من هذه القراءة؟

أعتقد أن الكتاب ينجح في طرح سؤال مهم عن استمرار التناقض بين العمل ورأس المال في ظل التحول الرقمي، لكنه يحتاج إلى مزيد من التدقيق في تفسير ما تغير داخل الرأسمالية نفسها. فالتكنولوجيا الرقمية ليست مجرد أدوات جديدة تؤدي الوظائف القديمة، كما أن ظهورها لا يعني أننا أصبحنا أمام نمط إنتاج مستقل تماما عن الرأسمالية السابقة.

المشكلة الأساسية التي أراها هي أن الكتاب ينتقل أحيانا بسرعة من وجود ظاهرة إلى تعميم نظري. ينتقل من استفادة الشركات من بيانات المستخدمين إلى اعتبار نشاطهم عملا منتجا للقيمة، ومن وجود عمال يعملون عبر المنصات إلى الحديث عن البروليتاريا الرقمية، ومن وقوع احتجاجات وإضرابات إلى الاستنتاج بوجود مقاومة طبقية واسعة، ومن ظهور إصلاحات قانونية إلى ربطها بالنضال العمالي من دون تقديم تحليل سببي كاف لكل حالة.

وكل انتقال من هذه الانتقالات يحتاج إلى أدلة ومفاهيم واضحة. لا يكفي أن نثبت وجود نشاط اقتصادي حتى نحدد طبيعة القيمة الناتجة عنه، ولا يكفي أن نثبت وجود عمال حتى نحدد موقعهم الطبقي، ولا يكفي أن نثبت وقوع إضراب حتى نصل إلى استنتاج عن درجة الوعي والتنظيم، ولا يكفي أن نلاحظ تغيرا قانونيا حتى ننسبه إلى سبب واحد.

ومن هنا أرى أن نقد الكتاب ينبغي أن يبدأ من محاولة تحديد العلاقات الفعلية التي يقوم عليها اقتصاد المنصات، ثم استخدام المفاهيم الماركسية لتفسيرها، مع الاستفادة من سمير أمين في تحليل التفاوت العالمي، ومن فؤاد مرسي في فهم تجدد الرأسمالية، ومن هارمان في مناقشة استمرارية التناقضات الرأسمالية وحدود هذا المنهج في تفسير التحولات الجديدة.

والنتيجة التي أصل إليها ليست أن أدوات التحليل الماركسي أصبحت عاجزة عن تفسير الاقتصاد الرقمي، وإنما أن استخدامها يتطلب عملا نظريا وتاريخيا أكثر دقة. فالحفاظ على صلاحية النظرية لا يتحقق بمجرد تكرار مفاهيمها، وإنما بإعادة اختبارها في ضوء الواقع المتغير، وتحديد ما تفسره وما لا تفسره، والتمييز بين العلاقات التي استمرت والعلاقات التي تغيرت.

وفي النهاية، أعتقد أن السؤال الذي ينبغي أن نخرج به من مناقشة هذا الكتاب هو: هل الاقتصاد الرقمي أعاد إنتاج علاقات الرأسمالية القديمة بأدوات جديدة، أم أنه يعيد تشكيل هذه العلاقات نفسها؟ وكيف يمكننا إثبات ذلك من خلال تحليل العمل والقيمة والملكية والتراكم والتكوين الطبقي، بدلا من الاكتفاء بوصف الظواهر الجديدة بمفاهيم قديمة. 

هذا هو السؤال الذي أرى أنه يستحق أن يكون محور الندوة، لأنه ينقلنا من مجرد مناقشة كتاب عن اقتصاد المنصات إلى مناقشة أوسع عن قدرة التحليل الماركسي على فهم التحولات الجارية في الرأسمالية المعاصرة.
--------------------------------
بقلم: حسن البربري

مقالات اخرى للكاتب

 صراع الطبقات في اقتصاد المنصات: قراءة نقدية في القيمة والعمل والتكوين الطبقي