شهد معرض دمنهور التاسع للكتاب، الذي تنظمه الهيئة المصرية العامة للكتاب بمكتبة مصر العامة بدمنهور، تحت رعاية الدكتور عبد العزيز قنصوة، وزير التعليم العالي والبحث العلمي والقائم بأعمال وزير الثقافة، ندوة بعنوان «دور الفن في المجتمع»، ناقشت أهمية الفنون التشكيلية في تشكيل الوعي المجتمعي، والارتقاء بالذوق العام، والحفاظ على الهوية المصرية، إلى جانب دور التجارب الفنية في إحداث تغيير إيجابي داخل المجتمعات المحلية.
شارك في الندوة الفنان الدكتور وليد قانوش، أستاذ التصوير بكلية الفنون الجميلة جامعة الإسكندرية والرئيس السابق لقطاع الفنون التشكيلية بوزارة الثقافة، والفنان الدكتور عادل مصطفى، الفنان التشكيلي وعضو هيئة التدريس بكلية الفنون الجميلة جامعة الإسكندرية، وأدار اللقاء الفنان التشكيلي عماد كشك، وذلك بحضور عدد من الفنانين والهواة والطلاب والخريجين والمهتمين بالفنون التشكيلية.
وسبق الندوة افتتاح معرض للفن التشكيلي لفناني محافظة البحيرة، ضم أعمالًا متنوعة لفنانين من أجيال وخلفيات فنية مختلفة، من بينهم طلاب وخريجو الكليات الفنية، ومشاركون اكتسبوا خبراتهم من خلال أنشطة قصور الثقافة والتجارب الفنية المستقلة.
وشهد المعرض تفاعلًا من الفنانين المشاركين مع ضيفي الندوة، اللذين قدما ملاحظات ونصائح فنية حول الأعمال المعروضة، وأشادا بتنوع التجارب والأساليب الفنية.

وليد قانوش: الفن لغة بصرية تعكس هوية المجتمع وتفاصيل حياته
وأكد الفنان الدكتور وليد قانوش أن الفن التشكيلي يمثل أحد أركان الثقافة الإنسانية، ولا يقتصر دوره على التجميل أو الترفيه، بل يعد لغة بصرية تعبر عن الأفكار والوجدان والتحولات الاجتماعية، وتعكس هوية المجتمع وثقافته وتطلعاته، فضلًا عن قدرته على التعبير عن مشكلاته والتفاعل مع طبيعة البيئات المختلفة.
وأوضح أن الفن وليد البيئة والتفاعل بين أفراد المجتمع، وأن لكل مدينة وقرية خصوصيتها التي تنعكس على أشكال التعبير الفني، سواء في الأزياء أو العمارة أو المعتقدات أو أنماط الحياة، مشيرًا إلى أن فهم هذه الاختلافات يساعد على تنمية التفكير النقدي والبصري، ويمنح الإنسان قدرة أكبر على إدراك محيطه والتفاعل معه.
وأضاف أن الفن حاضر في تفاصيل الحياة اليومية، حتى عندما لا يدرك الإنسان علاقته المباشرة به، موضحًا أن اختيارات الأفراد للألوان والملابس وقطع الديكور، وكذلك تصميم المنازل والشوارع والميادين، تعكس أذواقًا وتفضيلات جمالية تتأثر بالثقافة والوعي البصري.
وأشار قانوش إلى أن مظاهر التطور في تصميم المساجد والمباني والقرى على الطرق المختلفة تكشف عن تنوع في الرؤى الجمالية والأنماط المعمارية، مؤكدًا أن الارتقاء بالمشهد البصري مسؤولية مشتركة بين الفنان والمجتمع، وليست مهمة مؤسسة واحدة أو جهة بعينها.
وشدد على أهمية البدء بتعليم الأطفال الفنون داخل المدارس، وتنمية قدرتهم على التذوق والإبداع منذ الصغر، بما يسهم في بناء أجيال أكثر وعيًا بالقيم الجمالية، وقادرة على التعبير عن هويتها الثقافية والتعامل النقدي مع ما يحيط بها.

عادل مصطفى: الفن قادر على تغيير علاقة الإنسان بالمكان
من جانبه، أكد الفنان الدكتور عادل مصطفى أن الفن يمكن أن يؤدي دورًا مهمًا في تحقيق التوازن النفسي والتخفيف من ضغوط الحياة اليومية، سواء من خلال زيارة المعارض أو مشاهدة الأفلام أو الاستماع إلى الموسيقى والشعر، مشيرًا إلى أن نشر ثقافة تذوق الفن بين أفراد المجتمع لا يقل أهمية عن إعداد الفنانين المتخصصين.
واستعرض مصطفى تجربته في ملتقى البرلس للرسم على الجدران والمراكب، الذي تنظمه مؤسسة الفنان عبد الوهاب عبد المحسن، موضحًا أن التجربة واجهت في بدايتها صعوبات في التواصل مع بعض الأهالي والأطفال، ووصل الأمر إلى تعرض المشاركين لمضايقات، قبل أن تتغير نظرة المجتمع المحلي تدريجيًا مع استمرار الفعاليات وتفاعل السكان مع الفنانين.
وأضاف أن الأطفال بدأوا مع الوقت في انتظار الفنانين والمشاركة في أنشطتهم، بل وتقليد الرسومات وتنفيذ أعمال مشابهة داخل منازلهم، فيما ازداد اهتمام الأهالي بالتجربة، وظهر أثرها في علاقتهم بالمكان وحرصهم على نظافته وجماله.
وأوضح أن هذه التجربة كشفت عن قدرة الفن على تجاوز حدود اللوحة والعمل الإبداعي، ليصبح وسيلة للتواصل مع المجتمع وتحسين البيئة المحيطة، لافتًا إلى أن استمرار مثل هذه المبادرات يحتاج إلى دعم يضمن استدامتها، خاصة أن تجربة البرلس اعتمدت بدرجة كبيرة على الجهود الذاتية، وهو ما فرض تحديات تتعلق بتكاليف التنظيم والتنفيذ.
وتطرق مصطفى إلى أهمية تصحيح الصورة النمطية عن الفنان التشكيلي، التي قد تسهم بعض الأعمال الدرامية في تشكيلها، مؤكدًا ضرورة تعريف الجمهور بطبيعة العمل الفني وقيمته، وإتاحة الفرصة أمام الفنانين للتواصل المباشر مع المجتمع من خلال المعارض والورش والأنشطة الثقافية.

عماد كشك يدعو إلى إطلاق «شارع للفن» في دمنهور
وخلال المناقشات، طرح الفنان التشكيلي عماد كشك مقترحًا لإقامة «شارع للفن» في دمنهور، بما يتيح للفنانين مساحة لممارسة أنشطتهم وعرض أعمالهم والتواصل مع الجمهور، مقترحًا الاستفادة من منطقة مساكن مضرب الأرز، لما تتمتع به من هدوء وطبيعة مناسبة، ودراسة تجارب فنية مصرية، مثل شارع الفن بالقاهرة وملتقى البرلس وسمبوزيوم أسوان للنحت.
وأكد كشك أهمية أن تكون لكل محافظة فعالياتها الفنية وهويتها الثقافية التي تعبر عن طبيعتها وخصوصيتها، مشيرًا إلى أن مسؤولية الفنانين الأكاديميين وخريجي الكليات المتخصصة لا تتوقف عند إنتاج الأعمال الفنية، بل تمتد إلى المشاركة المجتمعية وتنظيم الورش والمحاضرات لتطوير مهارات الهواة، وتصحيح المفاهيم الفنية، وتعزيز أسس الممارسة الفنية السليمة.
وشهدت الندوة نقاشًا مفتوحًا حول تأثير الفن الرقمي والذكاء الاصطناعي على الإبداع التشكيلي، حيث تباينت آراء الحضور بين من يرى أن الاعتماد المفرط على التقنيات الحديثة قد يحد من دور الموهبة والتفكير الإبداعي، ومن يعتبرها أدوات يمكن الاستفادة منها في تطوير الممارسة الفنية، فيما أكد المشاركون أهمية الحفاظ على دور الإنسان في العملية الإبداعية.
كما تفاعل الحضور مع فكرة إطلاق مبادرة فنية داخل نادي الألعاب الرياضية بدمنهور، تتيح للفنانين ممارسة الرسم والتدريب في أجواء مناسبة، وتفتح المجال أمام التعاون بين المؤسسات الرياضية والثقافية لدعم المواهب المحلية.
واختتمت الندوة بالتأكيد على أهمية توسيع مساحة حضور الفنون في الحياة اليومية، وربطها بقضايا المجتمع واحتياجاته، ودعم المبادرات التي تتيح للفنانين التواصل مع الجمهور، بما يسهم في بناء الوعي الجمالي وتعزيز الهوية الثقافية المصرية.






