12 - 10 - 2026

لماذا جوخة الحارثي الأقرب لحصد نوبل؟

لماذا جوخة الحارثي الأقرب لحصد نوبل؟

إذا سُئلت عن ترشيحاتي للأدباء العرب الذين أرى أنهم جديرون بالفوز بجائزة نوبل في الأدب، فإن الكاتبة والروائية والأكاديمية العُمانية جوخة الحارثي تأتي دائمًا في مقدمة الأسماء التي أضعها في الحسبان. ولا يستند هذا التصور إلى إعجابي بتجربتها الإبداعية فهذا جانب مهم ولا أنكره لكن هنا  مجموعة من الاعتبارات الأخرى التي أرى أنها تستحق طرحها.

 أتوقف في البدء عن عامل السن، حيث يرى البعض أن العمر قد يقف في وجه حصولها على نوبل، وُلدت جوخة الحارثي في 16 يوليو 1978، أي إنها بلغت الـ 48 عامًا من عمرها هذا العالم (أطال الله عمرها ومتعها بالصحة والعافية ودوام الإبداع)، وهو عمر يقل عن متوسط أعمار الفائزين بجائزة نوبل في الأدب، الذين غالبًا ما يصلون إليها بعد عقود من العمل والكتابة وتراكم التجربة الأدبية. ومع ذلك، تاريخ نوبل يضم استثناءات بارزة،  وإن جاءت هذه الاستثناءات في بداية الجائزة فكان البريطاني روديارد كيبلينج أصغر الفائزين بها، بعدما نالها عام 1907 وهو في الحادية والأربعين من عمره، فيما فاز الفرنسي ألبير كامو بها عام 1957 وهو في الثالثة والأربعين أو الرابعة والأربعين، بحسب تاريخ احتساب العمر. كما فاز الكولومبي جابرييل جارسيا ماركيز بالجائزة عام 1982 وهو في الخامسة والخمسين.

عامل العمر

وفي الآونة الأخيرة  وإن لم يحصل عليها كاتب في الأربعينيات عمره، فهناك من حصل عليها هو في بداية الخمسينات، فإذا نظرنا إلى أعمار الفائزين بجائزة نوبل في الأدب خلال السنوات العشر الأخيرة، من عام 2017 إلى عام 2026، تكشف القائمة أن الفوز في سن مبكرة نسبيًا يظل ممكنًا، وإن كان أقل شيوعًا من الفوز في الأعمار المتقدمة

السنة اسم الفائزالبلدالعمر وقت حصدها
2026آن كارسون كندا76 
2025لازلو كراسناهوركاي المجر71 
2024هان كانجكوريا الجنوبية53 
2023يون فوسه النرويج64 
2022آني إرنو فرنسا82 
2021عبد الرزاق  قرنحتنزانيا72 
2020لويز جوليك الولايات المتحدة الأمريكية77 
2019بيتر هاندكه النمسا76 
2018أولجا توكارتشوك بولندا56 
2017كازوو إيشيغورو المملكة المتحدة62 


وما يهمني في هذه القائمة ثلاثة أمور  أساسية. أولها أن أصغر الفائزين بجائزة نوبل في الأدب خلال هذه الفترة كنّ من النساء،  فازت الكورية الجنوبية هان كانج بالجائزة عام 2024 وهي في الثالثة والخمسين من عمرها، فيما فازت البولندية أولغا توكارتشوك بها عام 2018 وهي في السادسة والخمسين. وتجمع هاتين الكاتبتين، إلى جانب جوخة الحارثي، تجربة الفوز بجائزة البوكر الدولية فقد نالت توكارتشوك الجائزة عام 2018 عن روايتها «رحالة»، وفازت هان كانج بها عام 2016 عن روايتها «النباتية»، بينما فازت الحارثي عام 2019 عن روايتها «سيدات القمر». وهذه نقطة تستحق التوقف عندها، وسأعود إليها لاحقًا.

أما الأمر الثاني، فهو أن فوز هان كانج عام 2024 أظهر أن الأكاديمية السويدية ليست محكومة بقاعدة عمرية ثابتة، وأنها قد تمنح الجائزة لكاتب أو كاتبة (خاصة الكاتبات) في الخمسينيات من العمر، خلافًا للصورة الشائعة التي تربط نوبل بالأدباء الذين بلغوا مراحل متقدمة من حياتهم وإن كان هذا التصور يملك حجيته.

 والأمر الثالث مثّل اختيار كاتبة من كوريا الجنوبية خروجًا عن التمركز الأوروبي الذي طبع جانبًا كبيرًا من تاريخ الجائزة. وكانت الأصغر سنًا من بين الفائزين وهو ما يمكن أن يشير إلى أن عامل العمر قد يكون أقل حسمًا إذا ما خرجت الجائزة عن النطاق الأوربي وحين يتعلق الأمر بالكاتبات، والحارثي تجمع بين الأمرين فهي كاتبة وعربية خليجية آسيوية.

اعتراف دولي

يقتضي  النظر إلى تجربة الحارثي الانتقال من هذه الاعتبارات العامة إلى عوامل أكثر اتصالًا بمشروعها الأدبي نفسه: انتشار أعمالها المترجمة، والاعتراف الدولي الذي حققته، وتكوينها الأكاديمي، وقدرتها على تقديم تفاصيل المجتمع العُماني في صياغة أدبية تتجاوز حدود المكان. لكن قبل الانتقال إلى هذه الأمور، أود أن أشير إلى نقطتين. الأولى أن جائزة نوبل في الأدب تحاول، عبر تاريخها، توسيع نطاق تمثيل الآداب والثقافات المختلفة، وإن لم تلتزم بقاعدة ثابتة للتوزيع الجغرافي. وقد مر نحو أربعة عقود منذ حصول نجيب محفوظ على الجائزة عام 1988، أول كاتب يفوز بها عن أدب مكتوب باللغة العربية. وهو ما يفتح للحديث عن فرص عودة الأدب العربي إلى دائرة التتويج في السنوات المقبلة، لكن من وجهة نظري أن فوز أديب عربي بها أصبح وشيكًا خصوصًا في ظل وجود تجارب إبداعية تستحق أن تحظى بقراءة أوسع، وتأتي جوخة الحارثي في مقدمتها.

أما النقطة الثانية، فتتصل بحضور الكاتبات في قائمة الفائزين خلال السنوات الأخيرة. فمنذ عودة الجائزة عام 2018، بعد الأزمة التي أحاطت بالأكاديمية السويدية، فازت بها عدة كاتبات، من بينهن أولغا توكارتشوك عام 2018، وآني آرنو عام 2022، وهان كانج عام 2024، وأصبحت ظاهرة الجائزة تمنح عامًا لكاتبة والذي يليه لكاتب في آخر تسع سنوات منحت لخمس كاتبات مقابل أربعة كتاب

وفي هذا السياق، تبرز جوخة الحارثي واحدة من الكاتبات العربيات اللواتي حققن حضورًا دوليًا، خصوصًا بعد فوز روايتها «سيدات القمر» بجائزة بوكر الدولية عام 2019. ويمنحها هذا الإنجاز، إلى جانب ما يمكن رصده من انتشار أعمالها وترجمتها، موقعًا يستحق الدراسة عند التفكير في احتمالات وصول الأدب العربي إلى نوبل مجددًا.

منافسة آني آرنو

ما عن سر هذا البروز، فيعود، قبل كل شيء عندي  إلى القيمة الإبداعية المتميزة لمشروع جوخة الحارثي، وحصدها للبوكر الدولية، وإذا عدنا إلى قائمة الفائزين بجائزة نوبل في الأدب خلال السنوات الأخيرة، سنجد أن اثنتين من الكاتبات اللاتي نلن الجائزة، وهما البولندية أولغا توكارتشوك والكورية الجنوبية هان كانج، سبق لهما الفوز بالبوكر الدولية، يضاف إليهما الأديب المجري لازلو كراسناهوركاي وإن كان فاز بها مبكرًا - وهو أمر يستحق الانتباه عند النظر في مسار الحارثي الأدبي، ولعل المثال الأبرز على أهمية تجربة الحارثي في هذا السياق هو منافستها للكاتبة الفرنسية آني آرنو في جائزة البوكر الدولية لعام 2019. فقد وصلت رواية آرنو «السنوات» (The Years)، بترجمة أليسون إل. ستراير، إلى القائمة القصيرة للجائزة، إلى جانب رواية «سيدات القمر»، التي ترجمتها مارلين بوث. وقد أشاد الموقع الرسمي للجائزة برواية «السنوات»، واصفًا إياها بأنها تقدم شكلًا جديدًا للسيرة الذاتية، يجمع بين التجربة الشخصية والذاكرة الجماعية، ويزاوج بين الذاتي والجمعي في بناء أدبي يتجاوز التصنيفات التقليدية. ومع ذلك، ذهبت الجائزة في ذلك العام إلى جوخة الحارثي، لتصبح أول كاتب عربي يحقق هذا الإنجاز. وتزداد أهمية هذه المقارنة حين نتذكر أن آني آرنو فازت لاحقًا بجائزة نوبل في الأدب عام 2022. 

ترجمات واسعة

ومن الأمور المهمة التي تزيد من حضور جوخة الحارثي على خريطة الأدب العالمي أن أعمالها وصلت إلى قراء في ثقافات ولغات متعددة. فالترجمة تمثل إحدى الوسائل الأساسية التي تتيح للأعمال الأدبية المكتوبة بالعربية تجاوز حدود لغتها الأصلية، والوصول إلى القراء والنقاد والباحثين والمؤسسات الأدبية الدولية. وإذا أردنا الحديث عن الترجمة  أحد المؤشرات في الحضور العالمي للكاتب، فعلينا أن نميز بين مجرد نقل العمل إلى لغة أخرى وبين دخوله دورة النشر والتوزيع والتلقي النقدي في سوق الكتاب.

فهناك أعمال عربية تترجم في سياقات أكاديمية أو بحثية، وتظل دائرة تداولها محدودة، كما أن بعض الكتّاب يسعون إلى ترجمة أعمالهم على أمل لفت أنظار القراء والناشرين في الخارج.  فصدور ترجمة أجنبية، في حد ذاته، لا يكفي للحكم على مدى انتشار العمل أو تأثيره. والأجدى أن ننظر إلى مجموعة من المؤشرات مجتمعة، من بينها مكانة دار النشر، وتعدد اللغات التي تُرجم إليها الكتاب، وانتشاره في الأسواق المختلفة، وصدور طبعات جديدة منه، وما يحظى به من اهتمام نقدي وإعلامي.

وعند تطبيق هذه المعايير على تجربة جوخة الحارثي، نجد أن روايتها «سيدات القمر» حققت انتشارًا دوليًا لافتًا، بيعت حقوق ترجمتها إلى أكثر من 24 لغة، من بينها الإنجليزية والفرنسية والألمانية والروسية والصينية والسويدية والتركية والبرتغالية واليونانية والكورية والإندونيسية. وتكتسب هذه التعددية أهميتها من أنها تتيح للرواية الوصول إلى بيئات ثقافية مختلفة، كما تكشف المعلومات المتداولة عن طبعات الرواية في بعض البلدان، فقد طبعت سيدات الأقمار في إيران أكثر من 10 طبعات وتعددت طبعاتها في وروسيا وتركيا ولا يقتصر الأمر على «سيدات القمر»؛ ففي مايو 2022 صدرت الترجمة الإنجليزية لرواية الحارثي «نارنجة» بالتزامن في المملكة المتحدة والولايات المتحدة، وصدرت النسخة الأمريكية عن دار نشر كاتابلِت (Catapult). 

البعد الأكاديمي الدولي

ويضاف إلى هذه الأبعاد ما يتعلق بالتكوين الأكاديمي لجوخة الحارثي وصلتها بالمؤسسات العلمية والثقافية في العالمين العربي والغربي. فقد تلقت تعليمها في سلطنة عُمان والمملكة المتحدة، وحصلت على درجة الدكتوراه في الأدب العربي الكلاسيكي من جامعة إدنبرة، وهو تكوين يكشف عن صلتها الوثيقة بالتراث الأدبي العربي، إلى جانب انفتاحها على مناهج البحث الأكاديمي في الجامعات الغربية. وهذه الدراسات كتبتها باللغة الإنجليزية ثم ترجمت إلى العربي  فمن أعمالها في هذا المجال كتاب «ملاحقة الشموس: منهج التأليف الأدبي في خريدة القصر»، إلى جانب جمعها وتحقيقها ديوان الشيخ أحمد بن عبد الله الحارثي،  وفي عام 2023، وصدر كتابها «الجسد في الغزل العذري» باللغة العربية، بترجمة زوينة آل تويه، ليتيح هذا الجانب من مشروعها البحثي الوصول إلى الجمهور العربي

وفي ضوء هذه الخلفية الأكاديمية والإبداعية، يصعب استبعاد احتمال أن تحظى أعمال جوخة الحارثي باهتمام أساتذة الأدب والباحثين في الجامعات الغربية، ممن أتاح لهم تخصصهم الاطلاع على الأدب العربي، وممن قد يتعرفون إلى تجربتها من خلال رواياتها المترجمة ودراساتها الأكاديمية. ولا أستبعد أن يسهم هذا الحضور في طرح اسمها للترشيح لجائزة نوبل في الأدب، ليس من باب المجاملة أو الاحتفاء بكاتبة عربية، وإنما استنادًا إلى معرفة حقيقية بمشروعها الإبداعي والبحثي.

وهناك جانب آخر أراه مهمًا في تجربة الحارثي، وهو أن كتاباتها الإبداعية ليست منفصلة عن التراث العربي، تنطلق من معرفة وثيقة به، وهذه الصلة بين الخصوصية الثقافية والامتداد الإنساني تفتح بابًا لمقارنة تجربتها بتجارب أدبية حظيت باعتراف عالمي، فالفائزة الكندية الأخيرة كان جزءًا من حيثيات فوزها هو ارتباطها بالتراث اليوناني

وفي هذا السياق، أعود إلى نجيب محفوظ، الذي أرى أن المقارنة بين جانبًا من تجربتها مع  جوخة الحارثي تستحق التوقف، ففي رواية «سيدات القمر»، تقدم حكايات شخصيات عُمانية وترصد التحولات التي لحقت بالمجتمع العُماني، وما تركته من آثار في العلاقات الأسرية والاجتماعية، وهنا تتجلى فكرة الخصوصية التي تقود إلى العالمية. فقد استطاع نجيب محفوظ، في أعماله الروائية، أن يرصد تحولات المجتمع المصري في مراحل تاريخية واجتماعية شديدة الخصوصية، وأن يجعل من الحارة والبيت والأسرة والمدينة عوالم أدبية تتجاوز حدودها المحلية.  مع الأخذ في الاعتبار أنني هنا لا أساوي بين تجربة الحارثي ومحفوظ فقط أردت أن أشير إلى هذا التشابه.

تعددية واضحة

ويضاف إلى هذه الأسباب ما تتمتع به تجربة جوخة الحارثي من تعددية واضحة فهي الأكاديمية والروائية والقاصة وكاتبة أدب الأطفال، وهو ما تكشف عنه قائمة إصداراتها التي تضم أربع روايات هي «حرير الغزالة» و«سيدات القمر» و«نارنجة» و«منامات»، وثلاث مجموعات قصصية هي «مقاطع من سيرة لبنى إذ آن الرحيل» و«صبي على السطح» و«في مديح الحب»، إلى جانب عدد من قصص الأطفال، منها «عش للعصافير» و«السحابة تتمنى» و«فوفو والألوان»، فضلًا عن دراساتها الأكاديمية في الأدب العربي وتراثه.

وتمنح هذه التعددية مشروع الحارثي ثراءً كبيرًا وهذه السمة نجدها حاضرة في تجارب عدد من الفائزين بجائزة نوبل في الأدب خلال السنوات الأخيرة، ممن امتدت كتاباتهم إلى أجناس أدبية ومجالات فكرية متنوعة.

وفي الأخير، أعود فأجمل بأن توقعي لجوخة الحارثي بالفوز بجائزة نوبل يستند إلى مجموعة من العوامل التي تتكامل في تجربتها. فمن ناحية، هناك الحضور اللافت للكاتبات في قائمة الفائزين بالجائزة خلال السنوات الأخيرة، ومن ناحية أخرى، غياب الأدب العربي عن قائمة الفائزين منذ حصول نجيب محفوظ على الجائزة عام 1988. ويضاف إلى ذلك فوز الحارثي بجائزة البوكر الدولية، التي سبق أن فازت بها عدة كاتبات الحاصلات لاحقًا على نوبل، وانتشار أعمالها المترجمة إلى لغات متعددة،  وتعددية مجالات إبداعها، فضلًا عن تكوينها الأكاديمي الذي يجمع بين دراسة التراث العربي والانفتاح على المؤسسات العلمية الغربية. ويبقى الأهم في تقديري قدرتها على التعبير عن الخصوصية العُمانية، ورصد تحولات المجتمع العُماني في أعمال أدبية تتجاوز حدودها المحلية لتطرح أسئلة إنسانية أوسع.
-------------------------------------
بقلم: د. عبدالكريم الحجراوي

مقالات اخرى للكاتب

لماذا جوخة الحارثي الأقرب لحصد نوبل؟