"الغيتو".. فكرة أوروبية تنفذها إسرائيل بوحشية في غزة.. والفلسطينيون يتحملون كلفة التاريخ الأوروبي المظلم
بعد ثلاثة أعوام من إبادة الشعب الفلسطيني في قطاع غزة، وبداية عامها الرابع لازالت الإبادة مستمرة، ورغم توقيع الرئيس الأمريكي على اتفاق "شرم الشيخ"، والذي يوصف بأنه خطة ترامب للسلام في غزة، إلا أن الإبادة قائمة. وكما وصف المركز الأورومتوسطي لحقوق الإنسان "وقف إطلاق النار الذي لا يوقف القتل ليس إلا إبادة تحت اسم مختلف".
وهو ما يحدث بالنظر إلى التقرير الإحصائي اليومي لعدد الشهداء والجرحى جراء العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة، والذي تصدره وزارة الصحة الفلسطينية في القطاع، أوضح أنه منذ وقف إطلاق النار في 11 أكتوبر 2025،وحتى 8 أكتوبر 2026، وصل إجمالي الشهداء إلى 1471 شهيداً، والمصابين 5189 إصابة، وانتشال 836 شهيداً من تحت الأنقاض والركام، الذي قدرته التقارير الرسمية الفلسطينية والدولية بحوالي 61 مليون طن. ووفقا لتقرير الصحة الفلسطينية وصلت الحصيلة التراكمية منذ بداية العدوان للشهداء إلى 74 ألف و254 شهيداً، وإجمالي الإصابات 175 ألف و306 إصابة.
لقد حولت إسرائيل قطاع غزة من "أكبر سجن مفتوح في العالم" إلى "أكبر غيتو في التاريخ"، تعزل فيه أكثر من مليوني فلسطيني تحت وطأة حصار مزدوج وغير مسبوق، يجمع بين الاستيلاء العسكري على نحو 70% من مساحة القطاع لدفع السكان نحو التكدس القسري وحرمانهم من منازلهم، وبين الإغلاق الخانق للمعابر للتحكم المنهجي في منع إدخال أبسط مقومات البقاء، ليُتركوا محاصرين في رقعة جغرافية مستنزفة ومفتقرة لأدنى متطلبات الحياة لا تتجاوز 30% من مساحة القطاع، لتخلق كثافة سكانية خانقة تعد الأعلى عالمياً، ضمن سياق الإبادة الجماعية المستمرة. وذلك وفقاً لبيان المرصد الأورومتوسطي الذي أوضح أن الحصار الخارجي الشامل وغير القانوني المفروض عبر إغلاق المعابر يُحكم الطوق على ملايين النازحين قسرًا في قطاع غزة، مكرّسًا سياسة الحرمان الممنهج لمنع إدخال الإمدادات المنقذة للحياة من غذاء ودواء ووقود ومواد إيواء، ضمن خنق إنساني يتزامن مع التدمير الواسع للمساكن والمرافق الصحية ليُجرّد السكان من أبسط الحقوق ومن أي قدرة على الصمود أو تلقي الرعاية الطبية.
المرصد الأورومتوسطي أكد في بيانه أن تعمد إسرائيل حشر وتكديس أكثر من مليوني إنسان قسرياً في بقعة جغرافية مستنزفة لا تتجاوز 30% من مساحة القطاع، والمقترن بالتحكم العسكري المطلق في المعابر والحرمان المنهجي من مقومات البقاء الأساسية، يفرز نموذجاً للعزل والإهلاك الجماعي يجعل من غزة "الغيتو" الأضخم والأكثر قسوة في العصر الحديث.
** إسرائيل تنتقم من أوروبا في غزة
وكأن إسرائيل ـ والحديث هنا لـ "المشهد"ـ تنتقم من الشعب الفلسطيني في قطاع غزة مما حدث معها في دول أوروبا التي فرضت عليها العيش في أماكن معزولة.
والـ "غيتو"، هي "المعزل".. وهي منطقة من مدينة يعيش فيها، أو يعزل طوعاً أو كرهاً ، مجموعة من السكان ينتمون لعرقية، أو ديانة، أو ثقافة، أو لأسباب اجتماعية معينة، إما بشكل إجباري بموجب قوانين ونظم سياسية، أو نتيجة لضغوط اجتماعية واقتصادية.
ويعتبر مجلس مدينة فرانكفورت الألمانية، أول مدينة تقرر نقل جميع السكان اليهود قسراً من منازلهم الموزعة في المدينة إلى شارع واحد ضيق ومحاط بالأسوار خارج أسوار المدينة القديمة، أُطلق عليه اسم "زقاق اليهود"، وكانت له بوابات حراسة تغلق على السكان اليهود ليلاً، وأيام الأحد و في الأعياد المسيحية، وفرضت عليهم وظائف ومهن معينة. ومع ذلك يبقى اسم "غيتو" مقترن بالبندقية. وكان ذلك في عام 1462، إلا أن مصطلح "الغيتو" أرتبط تاريخياً بمدينة البندقية الإيطالية، التي أصد مجلس مدينتها قراراً في 29 مارس 1516،بتخصيص حي مغلق يسمى"Ghetto" لإجبار اليهود على العيش فيه وفصلهم عن باقي سكان المدينة، بقرار رسمي من من مجلس مدينة البندقية في 29 مارس 1516، ليكون أول حي مغلق يُطلق عليه اسم "غيتو" رسمياً في التاريخ، استُنسخ منه هذا المصطلح لاحقاً ليصبح اسماً عاماً لكل حي يُعزل فيه السكان قسراً عبر العالم.
وفي منتصف القرن العشرين، أحيَت ألمانيا هذا المفهوم بشكل إجباري، حيث أنشأت أحياء مغلقة ومحاطة بالأسوار والجدران العازلة (مثل غيتو وارسو) لتجميع السكان اليهود وتقييد حركتهم قبل تهجيرهم. ووفقًا لمتحف ذكرى الهولوكوست بالولايات المتحدة، فقد أسس الألمان ما لا يقل عن 1000 غيتو في بولندا والاتحاد السوفيتي. لكن المؤكد أن المدن الأوروبية، التي سمح لليهود بالعيش فيها، حصرت وجودهم في الغيتوات، محاطة بأسوار وبوابات، وقوانين صارمة.

** بين "الملاح" و"الحارة" يكمن الفرق بين أوروبا والعرب
على عكس التجربة الأوروبية المليئة بالقوانين التمييزية والجدران العازلة، لم تشهد المدن العربية والشرق أوسطية "غيتوات" بالمعنى القسري أو الاضطهادي. فلقد عاش اليهود في أحياء هي مناطق سكنية فرضتها طبيعتهم ،عرفت باسم "الملاح" في المغرب.. و"حارة اليهود" في مصر والعراق والشام، وكانت هذه الأحياء في المدن العربية غير معزولة بأسوار عالية ولا مغلقة ببوابات محكمة يحظر الخروج منها ليلاً، ولم تُفرض قوانين تمنع السكان اليهود من التملك أو ممارسة المهن الحرّة أو الاختلاط بباقي أطياف المجتمع. عاش اليهود في فلسطين التاريخية والشرق الأوسط لقرون كجزء من النسيج الاجتماعي والمحلي، دون أن يتعرضوا لسياسات العزل المكانية أو التصفيات الجماعية التي لاحقتهم في القارة الأوروبية.
** في إيران.. من "المحلة" إلى الاندماج
وفي إيران التي تتعرض لعدوان أمريكي إسرائيلي منذ 28 فبراير 2026، وتتهمها الإدارة الأمريكية والعواصم الأوروبية باضطهاد سكانها وقتلهم. تندمج الطائفة اليهودية سكنياً وتجارياً بين الشعب الإيراني الذي يضم 7 طوائف دينية ( الشيعة والسنة، المسيحيون، الزرادشتيون، البهائيون، الصابئة المندائيون واليهود) و10 أعراق (الفرس، الآذريون (الأذربيجانيون)، الأكراد، الجيلك والمازندانيون، العرب، البلوش، اللور، التركمان، القشقاي، التالش والبختياريون).
خلال العصور الصفوية والقاجارية، عانى يهود فارس من عزل مكاني وشعبوي في أحياء خاصة كانت تُعرف بـ "محلة"ومع تولي السلالة البهلوية (الشاه) الحكم في أربعينيات القرن الماضي، أُلغيت القيود المكانية، وخرج اليهود من "المحلات" القديمة واندمجوا في المجتمع والتجارة الحديثة. ومع قيام الثورة الإيرانية عام 1979، أقر الدستور الإيراني باليهودية التي يعود تاريخها لـ 2700 عام، وخصص لهم مقعد ثابت ودائم في البرلمان الإيراني، ويتم تجنديهم في الجيش الإيراني. وتفرق السلطات الإيرانية بين الديانة اليهودية والصهيونية ودولة إسرائيل التي يحظر عليهم التواصل معها والسفر إليها.
وحالياً هم مجتمع حضري يندمج سكنياً وتجارياً داخل المدن الكبرى (خاصة طهران، أصفهان، وشيراز)، ويتركز أغلبهم في أحياء الطبقة المتوسطة والغنية، وتمتلك الطائفة أكثر من 30 كنيساً في طهران وحدها، ومستشفيات خاصة، ومقابر ومدارس لتعليم العبرية والديانة اليهودية، ومطاعم ملتزمة بالأكل الحلال اليهودي (كوشر).

** أوروبا تصدر الأزمة للشرق الأوسط وتدعمها
تتجلى المفارقة التاريخية في أن أوروبا، التي عجزت عن تقبل تنوعها ودَفعت باليهود إلى أحياء معزولة" الغيتوات"، ومارست بحقهم الإبادة والتهجير القسري، قامت بتصدير الأزمة للشرق الأوسط عبر دعم المشروع الاستيطاني في فلسطين للتخلص من "المسألة اليهودية" على حساب السكان الأصليين.
واليوم، ينعكس هذا الإرث الغربي في قطاع غزة؛ حيث تُعيد إسرائيل ـ المدعومة غربياً ـ إنتاج أدوات العزل والحصار والتكديس القسري ذاتها التي عانى منها أجدادها في أوروبا، لتفرض على الفلسطينيين "غيتو" معاصراً هو الأشد قسوة في التاريخ الحديث.
ويفسر الدعم غير المشروط الذي تقدمه دول مثل ألمانيا والولايات المتحدة لإسرائيل بوجود "عقدة ذنب تاريخية" وتكفير عن الفظائع التي ارتكبتها أوروبا سابقاً، وهو ما يترجم تشكّيل غطاء سياسي ودبلوماسي للممارسات الإسرائيلية.
ويرى بعض في علم النفس السياسي والاجتماعي، أن الفئات التي تعرضت للاضطهاد والعزل القسري في التاريخ قد تطور استراتيجيات أمنية متطرفة تدفعها لممارسة أشكال مشابهة من القمع والعزل ضد أطراف أخرى تحت شعار "حماية الذات" أو "منع التكرار". وهو ما يحدث في قطاع غزة والضفة الغربية.
الفلسطينيون عموماً يتحملون كلفة التاريخ الأوروبي المظلم، دون أن يكون لهم أي دور في المظالم التي تعرض لها اليهود في أوروبا.










