12 - 10 - 2026

عطفة المحبة "٥" | الست أم سلمي .. ودقات على دفوف الزمن

عطفة المحبة

كان يكفي أن تصل إلينا أولى الدقات من شقة الدور الأرضي في إحدى بيوت عطفة المحبة حتى يتوقف اللعب في منتصفه، نتبادل نظرات قلقة من دون كلام، لم يكن أحد منا يسأل عن مصدر الصوت، كنا نعرف أن الزار بدأ عند أم سلمي، ونعرف أن ليلة طويلة من الأرق تنتظر أطفال العطفة.

في ذلك الزمن لم نكن نعرف شيئًا عن الزار. كنا نرى الباب مواربًا وخيط الضوء المرتجف يتسلل من تحته. كانت رائحة البخور تصعد إلى الدرج وتعلق بثيابنا حتى الصباح، وكانت الدفوف تعلو وتهبط كأنها نبض كائن كبير نائم تحت الأرض، كان الفضول يغلب خوفنا أحيانًا، نقترب من الباب، ننظر خلسة، ثم نعود إلى بيوتنا برؤوس ممتلئة بصور لا نعرف لها اسمًا.

لكن حكاية أم سلمي أكبر من الزار نفسه، لذلك ستأتي حكايتها في جزأين، فهي تستحق أن نتعمق في حياتها وأن نروي تفاصيلها. تستحق أن نعرف المرأة التي كانت تقف خلف الدفوف والبخور، وأن نفهم كيف تحولت شقتها الصغيرة إلى مساحة أمان لنساء العطفة، وكيف أصبحت تلك الليالي جزءًا من ذاكرة المكان، هذه ليست حكاية طقس غامض فقط، إنها حكاية امرأة وأبناء ونساء وحي وزمن كانت فيه أشياء كثيرة لا تجد طريقها إلى الكلام.

كانت أم سلمي تسكن شقة صغيرة في الدور الأرضي مع بناتها الثلاث وابنها أسامة، كانت جميلة جمالًا لا يحتاج إلى تعريف، ورثت البنات عنها هذا الجمال. وكانت سلمي، كبرى بناتها، في نظر كثيرين أجمل من أمها.

لكن الجمال لم يكن ما جعل أم سلمي مختلفة في عيون أهل العطفة، كانت أرملة ، لم يكن في بيتها رجل بالغ. وحولتها الظروف إلى مأوى تأمنه نساء العطفة، كانت الجارات يأتين إليها بعد الظهر. يحملن همومهن وأطباق الطعام او الحلوي وأخبار الأيام يجلسن ويتحدثن ويضحكن بصوت لا يجرؤن عليه في بيوتهن.

كان بيتها مكانًا تتنفس فيه النساء بعيدًا عن أعين الرجال. وكان الزار، حين يقام هناك، أوسع هذه المساحات وأكثرها غموضًا في نظرنا.

كانت أم سلمي تعيش على معاش زوجها القليل، وكان  بالكاد يكفيها وأبناءها الأربعة، لذلك كانت تقيم الزار أحيانًا، وتستضيفه لجارتها أحيانًا أخرى، ويتكرر ذلك عدة مرات في العام ، لم نكن نفهم وقتها أن تلك الليالي كانت تساعدها على تدبير البيت؛ فما يتبقى من طعام الزار كان يكفي الأسرة أيامًا، فيخفف عنها ضيق المعيشة ويمنحها بعضًا من السعة حتى يحين موعد المعاش من جديد، هكذا كان الزار بالنسبة إليها أكثر من طقس تقيمه النساء، فقد كان أيضًا وسيلة بسيطة تعينها على مواجهة احتياجات بيتها.

أما نحن الصغار فلم نكن نعرف من أين جاءت الدفوف، لم نكن نعرف أن الزار لم يولد في عطفة المحبة، كان طقسًا قطع رحلة طويلة قبل أن يصل إلى أزقة مصر، يرجح الباحثون أن جذوره تمتد إلى القرن الأفريقي، إلى الحبشة وبلاد السودان، ومن هناك عبر مع النيل والبحر الأحمر على أيدي القوافل والجواري والبحارة، حتى استقر في مدن مصر وأزقتها منذ القرن التاسع عشر، وتعددت الروايات حول أصل الاسم نفسه، ولم تنته الحيرة فيه إلى قول فصل.

وراء الزار اعتقاد قديم، وخرافات تقول إن المرأة المثقلة بالهموم، يمكن أن تكون منفذًا تنزل منه أرواح تسمى الأسياد أو أهل الهوى، هذه الأرواح لا تطرد، وفق اعتقاد أهل الزار، بل تسترضى. لذلك لا يكون العلاج باستئصال المرض، وإنما بالتفاوض مع من يقف خلفه.

وفي عرف من يعتقدون بالزار أن المرأة التي تشكو وجعًا لا يجد له الطبيب اسمًا، أو حزنًا بلا سبب، أو عقمًا، أو خمودًا في الروح، تُقاد إلى الزار باعتباره الدواء الأخير.

لم أر بعيني كل ما كان يجري في تلك الليالي، لكنني جمعت بعد ذلك ما سمعته وقرأته وتخيلت الباقي. كان الزار تقوده امرأة يسمونها الكودية يعتقد أنها، كانت تعرف أسرار الأرواح وطباعها، تعرف أي سيد يطلب أي لون وأي بخور وأي إيقاع.

تأتي الدفوف والطبول وآلات النقر، وتأتي الطنبورة وأجراس الأحزمة وهي الأدوات المستخدمة في الزار وتبدأ الموسيقى بطيئة، كأنها تطرق باب الروح، ثم تتسارع، ترتفع الأصوات، وتدخل الأجساد في إيقاع آخر.

يعتقد أن لكل سيد نغمته الخاصة، وحين تضرب الدفوف الإيقاع الذي يخصه يرتجف جسد المرأة التي تسكنها الروح، تبدأ في الرقص ويستمر الرقص حتى ينهار الجسد ويسقط.

لم تكن تلك فوضى كما كنا نراها ونحن أطفال، كانت لغة لها قواعدها بين الجسد والإيقاع، وكانت رائحة البخور لا تنقطع عن الغرفة، لكل روح بخورها كما لها لونها.

وفي ذروة الليلة، في ما يعرف بالليلة الكبيرة، يقدم القربان، يذبح خروف أو طير، ويؤخذ من دمه الساخن ليمسح به على وجه المريضة وصدرها وثوبها، وكان أهل الزار يرون أن السيد يستجيب للقربان فيرضى ويمنح صاحبته السلام مقابل وعد بأن تقيم له ليلة الزار  كل عام.

كان الدم عندهم عهدًا ولغة، أما نحن فلم نر فيه سوى الدم.. دم يسيل على وجه امرأة نعرفها وتعرفنا.

أتذكر الليلة التي دخلنا فيها خلسة، رأيت أم سلمي تغمس يديها في دم الخروف وتلطخ به وجهها وثيابها، وقفت متجمدة، وغابت الدنيا من حولي، لم أر طقسًا ولا عهدًا ولا حوارًا بين عالمين. رأيت الجارة التي كانت تعطيني حبات الحلوى تتحول أمام عيني إلى كائن آخر.

لم تنتهِ تلك الليلة بانتهاء الطقوس. ظلت الدفوف  تطاردنا نحن أطفال العطفة في المنام أيامًا، كنا نستيقظ فزعين، ونظن أن الصوت ما زال يتسلل من الجدران.

هكذا يسكن الخوف الأطفال. يدخل أحلامهم لأنهم لا يملكون اللغة التي تسميه وتروّضه.

أدرك اليوم أن الزار كان بالنسبة إلى أصحابه وسيلة لترويض الخوف نفسه، ما كان يرعبنا كان عند بعض نساء العطفة عزاءً.

وحين أنظر إلى الأمر من مسافة السنوات أرى جانبًا آخر لم أكن قادرةً على رؤيته وأنا طفلة، كان الزار رغم انه خرافة في اعتقادي.. يفتح للنساء مساحة أغلقها المجتمع في وجوههن، كان العالم خارج الباب للرجال. الأصوات العالية والقرارات والمجالس، أما في الداخل فكان يسمح للمرأة بأن تصرخ وتبكي وترقص وتخلع عنها الوقار.

كان بإمكانها أن تقول لا بجسدها حين لا تستطيع أن تقولها بلسانها، وكانت الأرواح قناعًا مقبولًا لوجع لا يجد اسمًا آخر. المجتمع في ذلك الوقت لم يكن يسمح للمرأة بأن تنهار علنًا، لكنه كان يتسامح مع سيد يسكنها ويفعل بها ما تشاء.

وربما كان هذا أحد أسرار تعلق نساء العطفة ببيت أم سلمي. لم يكن طلبهن للشفاء وحده هو ما يدفعهن إلى هناك، كن يبحثن عن مساحة من الأمان.. عن مكان يفرغن فيه ما حملنه سنوات.

حين كنت طفلة لم أر في أم سلمي إلا الزار، أما الآن فأرى خلفه امرأة أرملة تكافح لتربية أربعة أبناء، أرى بيتًا لا يكفيهم معاشه، وأرى نساء وجدن في بيتها مكانًا للجلوس والتعبير عن أوجاعهن بعيدًا عن عيون الرجال.

وربما كانت أم سلمي نفسها تقيم الزار لتصالح أرواحًا لم يرها أحد، ولتستمع إلى أوجاع لم تجد من يسمعها، ومن يدري إن كان ما فعلته في تلك الليالي علاجًا لغيرها أم لنفسها أولًا.

لهذا لا أريد أن أختصر حكايتها في مشهد دم أو دفوف أو امرأة ترقص تحت تأثير الزار، وراء ذلك كله كانت هناك حياة كاملة، كانت هناك أرملة وأربعة أبناء وبيت صغير ونساء يأتين محملات بما لا يستطعن قوله في بيوتهن، وكانت هناك عطفة تحفظ أسرار أهلها أكثر مما تحفظ أسماءهم.

في الجزء الأول من حكاية أم سلمي نراها كما بقيت في ذاكرتنا ونحن أطفال، امرأة يسبقها صوت الدفوف ورائحة البخور. امرأة كان بيتها يثير فضولنا وخوفنا في الوقت نفسه.

أما الجزء الثاني فسيكون أقرب إليها. سنترك الدفوف قليلًا ونقترب من حياتها، من أبنائها.. من أيامها ومن الفقر الذي واجهته، ومن النساء اللواتي وجدن عند بابها مكانًا لم يجدنه في أماكن أخرى.

لأن بعض الحكايات لا يكفي أن نعرف كيف بدأت، علينا أن نعرف كيف عاش أصحابها، وحكاية أم سلمي واحدة من هذه الحكايات.
------------------------------
بقلم: سحر الببلاوي


مقالات اخرى للكاتب

عطفة المحبة