كيف تعرف المدينة ما يحتاج إليه سكانها حقا؟ قد لا تكون الإجابة دائما في المخططات الكبرى التي ترسم مستقبلها.
فهل يعمل المصعد كما ينبغي؟ وهل تتوافر مواقف السيارات في الحي بصورة ميسرة؟ وهل يمكن إنجاز خدمة عامة من دون عناء؟ وما الذي ينقص خدمات رعاية المسنين والأطفال؟ قد تبدو هذه كلها تفاصيل صغيرة من الحياة اليومية، لكنها في كثير من الأحيان أكثر تأثيرا من ناطحات السحاب والطرق والمعالم الكبرى في تحديد نوعية الحياة في المدينة.
في بكين، يمثل الخط الساخن لخدمة المواطنين «12345» نافذة يمكن من خلالها النظر إلى الطريقة التي تبني بها المدينة صلتها بسكانها. ومنذ عام 2019، اعتمدت بكين هذا الخط الساخن قناة رئيسية لإطلاق إصلاح «الاستجابة للشكاوى ومعالجتها»، وأدرجت القضايا التي يطرحها المواطنون والشركات عبر الخط الساخن ضمن منظومة حوكمة المدينة.
وخلال السنوات السبع الماضية، تلقى هذا الخط الساخن أكثر من 180 مليون طلب، فيما ارتفعت نسبة حلّها من 53.1% في بداية الإصلاح إلى 97.3%، ونسبة رضا المواطنين من 64.6% إلى 97.7%. لكن ما تكشفه هذه الأرقام يتجاوز مجرد تحسن مؤشرات الاستجابة؛ فهي تعكس تغيرا في طريقة التواصل بين مدينة كبرى بحجم بكين وسكانها.
بالنسبة إلى المواطن العادي، يحل هذا الخط الساخن أولا مشكلة عملية للغاية: إلى من أتوجه عندما أواجه مشكلة؟ ففي السابق، كان الطلب الواحد قد يتداخل مع اختصاصات عدة جهات، وكان على المواطن أن يعرف أولا الجهة التي ينبغي أن يلجأ إليها. أما اليوم، فما عليه سوى أن يوضح المشكلة، فيما تتولى منظومة الحوكمة تحديد الجهة المسؤولة، وتنسيق العمل بين الإدارات المعنية، ومتابعة سير المعالجة.
لكن إذا كان الأمر لا يتجاوز معالجة كل ما يرد إلى الخط من طلبات، فإن الخط الساخن، مهما بلغت كفاءته، سيظل في نهاية المطاف مجرد قناة لتقديم الخدمات. وما تعرضه تجربة بكين هو أمر يتجاوز ذلك: كيف يمكن الانطلاق من طلب واحد لاكتشاف مشكلات أخرى؟
في عام 2021، أطلقت بكين آلية «موضوع واحد كل شهر»، بالاستناد إلى بيانات شكاوى وطلبات المواطنين المتراكمة عبر الخط الساخن خلال العام السابق، لاختيار المشكلات الأكثر تكرارا والأكثر شيوعا والأصعب حلا على المدى الطويل، ومعالجتها بصورة منسقة على مستوى المدينة. وقد تتحول مشكلة يطرحها شخص واحد إلى خيط يقود إلى اكتشاف مشكلة تمس فئة أوسع؛ كما يمكن لملاحظة فردية أن تدفع إلى تعديل السياسات وتحسين الآليات المؤسسية. وهكذا، لا تكتفي حوكمة المدينة بمعالجة المشكلة في موضعها، بل تتابعها بحثا عن الأسباب العامة الكامنة وراءها.
عند هذه النقطة، يتغير أيضا ما يسجله الخط الساخن. فهو لا يوثق فقط «أين توجد المشكلة»، بل يكشف كذلك كيف يعيش السكان مدينتهم ويشعرون بها: ما الخدمات العامة التي لم تواكب احتياجات الحياة اليومية، وما المطالب التي تبدو متفرقة في البداية لكنها تتجمع تدريجيا لتكشف عن حاجة مشتركة.
وفي هذه العملية، يتغير دور المواطن نفسه.
فالاتصال بالخط الساخن يبدأ عادة برغبة في حل مشكلة شخصية؛ لكن عندما تتجمع مطالب الملايين، فإنها لا تعود مجرد آراء فردية، بل تصبح مصدرا يساعد المدينة على اكتشاف المشكلات وتحسين أساليب الحوكمة. ولا تعني المشاركة في إدارة شؤون المدينة بالضرورة الانخراط في قضايا كبرى؛ فقد تبدأ باتصال، أو بملاحظة، أو حتى بتذمر بسيط من أمر يجعل الحياة اليومية أقل سهولة. المهم هو أن تجد هذه الأصوات طريقها إلى مسار الحوكمة، وأن تجد من يصغي إليها ويتعامل معها.
ومن هذا المنطلق، انتقلت بكين خطوة أخرى من «الاستجابة للشكاوى ومعالجتها» إلى الحوكمة الاستباقية، وصولا إلى معالجة المشكلات قبل أن يضطر السكان إلى طرحها. فلم تعد الحوكمة تقتصر على انتظار ظهور المشكلة ثم التعامل معها، بل باتت تعتمد على تحليل المطالب المتراكمة لفترة طويلة، واكتشاف المشكلات المتكررة والمخاطر المحتملة، والتحرك قبل أن تتفاقم أو تتسع دائرة الشكاوى بشأنها.
وتأتي التكنولوجيا الرقمية لتوسع هذه القدرة. فمع التحول الرقمي والذكي لمنصة «12345»، يمكن تحليل الكم الهائل من الطلبات والمطالب المتعلقة بحياة السكان بصورة مستمرة، وتحويلها إلى «خريطة ديناميكية لنبض المدينة». وبالنسبة إلى الجهات المسؤولة عن الحوكمة، لم يعد الخط الساخن مجرد قائمة يومية من الطلبات التي ينبغي التعامل معها، بل أصبح أيضا قناة لاستشعار التغيرات التي تشهدها المدينة والاستفادة منها في دعم عملية صنع القرار.
وقد أكد مؤتمر العمل الحضري المركزي لعام 2025 ضرورة الالتزام بمبدأ «المدينة يبنيها الشعب، والمدينة للشعب»، بما يعني أن يكون الناس شركاء في بناء مدنهم، وأن يكون تحسين حياتهم وتلبية احتياجاتهم غاية هذا البناء، مع تعبئة حماس المواطنين ومبادرتهم وقدرتهم على الإبداع للمشاركة في حوكمة المدن. وتقدم تجربة 12345 في بكين نموذجا ملموسا لذلك، فـ«مدينة الشعب» ليست مفهوما مجردا؛ إنها، في المقام الأول، مدينة تستطيع أن تسمع صوت الناس، وأن تعدل نفسها استجابة لاحتياجاتهم الحقيقية.
وكلما كبرت المدينة وتعقدت حوكمتها، ازدادت حاجتها إلى معرفة ما يجري في «شعيراتها الدقيقة».
ومع تحول التنمية الحضرية من التوسع القائم على إضافة المزيد من المساحات والمشروعات إلى تحسين جودة وكفاءة ما هو قائم، تتغير أيضا معايير قياس التحديث الحضري. فناطحات السحاب والطرق والمشروعات الكبرى ترسم الملامح الخارجية للمدينة، لكن مدى سهولة الحصول على الخدمات العامة، وسلاسة عمل المدينة، وقدرتها على معالجة المشكلات المتكررة من خلال حلول مؤسسية، هي أمور تؤثر بصورة أكثر مباشرة في تجربة السكان.
لذلك، إذا أردنا أن نفهم معنى «مدينة الشعب»، فربما يجدر بنا أن نبدأ من مشهد صغير للغاية: مواطن عادي يرفع سماعة الهاتف ويتصل بالرقم «12345» ليطرح مشكلة من مشكلات حياته اليومية. لكن الأهم ليس مجرد أن يجد من يجيب على اتصاله، بل أن تكون المدينة قادرة على أن تسمع، من صوت شخص واحد، احتياجات عدد أكبر من الناس، وأن تعدّل نفسها استنادا إلى ذلك.
خط ساخن واحد يصل إلى آلاف الأسر؛ وحين تتجمع عبره أصوات لا حصر لها، فإن ما تتصل به في نهاية المطاف هو الحياة اليومية للناس، وكذلك عملية المراجعة والتطوير المستمرين التي تمر بها المدينة. ولعل هذه هي إحدى أكثر صور التحديث الحضري تجسيدا ودفئا.
…………………………..
بقلم/ ليانغ سوو لي إعلامية صينية






