14 - 10 - 2026

المقاومة بين حكمة التحرير ومخاطر الإبادة | قراءة في فلسفة الثورة والفقه المقاصدي

المقاومة بين حكمة التحرير ومخاطر الإبادة | قراءة في فلسفة الثورة والفقه المقاصدي

أكتب تلك الكلمات غاضباً و منحازاً فقط للدم الفلسطيني دون اي حياد.

وحيث أنه من المنطقي أن تتجسد غاية حركات التحرر الوطني عبر التاريخ في إنقاذ الإنسان والأرض وبناء مجتمع حرّ ومستقر غير أن المسار النضالي لبعض المجموعات يحيد أحياناً عن مقاصده كنتيجة لأجندات التمويل الدولي التي يلجأ إليها بعض الفصائل المشبوهة فحين تتحول الأفعال العسكرية من استراتيجيات تحرير محسوبة إلى مغامرات انتحارية تفتقر إلى خطط الحماية وتوقع المآلات تحدث نتائج تخدم فقط العدو ومصالحه ولهذا وجب علينا ان نعيد قراءة ما ألمّ بقطاع غزة عقب سنوات من الحرب الشاملة والإبادة المستمرة والوصول لمراجعة عميقة للفكر السياسي والفقهي الذي يحكم فعل المقاومة.

- الثوابت الاستراتيجية في تجارب التحرر الوطني

تُظهر جلياً لنا من خلال النظر في تجارب الشعوب من فيتنام والجزائر إلى جنوب أفريقيا والمقاومة الفرنسية أن الفعل الثوري المقاوم ليس اندفاعاً عاطفياً بل عقيدة سياسية وعسكرية صلبة تستند إلى أربعة أركان أساسية -:

الحاضنة الشعبية هي الأصل ؛ الشعب الذي هو مصدر وجود المقاومة وسندها الأكبر ، فلم يسجل التاريخ نجاح حركة تحرر ضحت بحاضنتها الشعبية أو خاطرت بوجودها المادي حيث أن حماية أرواح المواطنين وتوفير مقومات صمودهم تُعد المسئولية الأولى للقيادة الثورية

صيانة الأرض المحررة ؛ تُشكل المساحة المحررة من الوطن الملاذ الآمن ومركز إدارة المشروع الوطني و التسبب في تدمير هذه الرقعة وإعادتها لسيطرة الاحتلال نتيجة قرارات غير مدروسة يُعد في القواعد العسكرية تراجعاً استراتيجياً يعيد حركة التحرر خطوات إلى الخلف

التكتيك الذكي وميزان القوة ؛ لا يخوض الثوار معارك إبادة غير متكافئة النيران دون إعداد دفاعي وتخطيط لحماية الكوادر والبنية التحتية و يمثل التراجع المناور والحفاظ على القوة لحين تغير الظروف جوهر العبقرية العسكرية التي مارسها قادة مثل جياب في فيتنام وتشي جيفارا في كوبا

المسؤولية السياسية والأخلاقية ؛ تُقاس مشروعية القرار السياسي والميداني بقدرته على تحقيق البقاء والانتصار وتجنب التضحية المجانية بالمكتسبات الوطنية والأرواح

- ضوابط السياسة الشرعية وفقه المآلات

في الفقه الإسلامي، تتجاوز إدارة المعارك والسياسة العامة مجرد النيات الحسنة لتعتمد بالأساس على حساب المآلات ودرء المفاسد

شرط الاستطاعة والإعداد ؛ يرتبط الأمر القرآني {وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم} بوجوب توفير حد أدنى من القوة الحامية للناس، تجنباً للوقوع في النهي عن التورط فيما يجلب الهلاك {وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ}

الانحياز للسلامة والنواة الصلبة ؛ يُعد انسحاب خالد بن الوليد بجيش مؤتة نموذجاً فقهياً لحماية الأرواح من الإبادة وقد وصف النبي ﷺ هذا القرار بالحكمة، مما يؤكد أن الحفاظ على القوة البشرية يُقدم على الخسارة الشاملة

الأمانة القيادية وقاعدة المقاصد ؛ انطلاقاً من التوجيه النبوي {كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ} تصبح حماية المستضعفين وصيانة المقومات الحياتية للناس تطبيقاً أثيلاً للقاعدة الذهبية درء المفاسد مقدم على جلب المصالح

- مفهوم الجهاد في الفكر المقاصدي

يُقدم الفكر الإسلامي رؤية متكاملة تجعل عمران الأرض وبناء الإنسان هما الأصل بينما تُعد القوة العسكرية درعاً لحماية هذا البناء

شمولية المفهوم ؛ يبدأ العمل الحضاري من بناء الذات والعلم وإتقان العمل {جهاد الحياة} وهو فرض دائم يستهدف نمو المجتمع واستقراره.

استثنائية المواجهة المسلحة ؛ يُعد القتال حالة استثنائية غايتها رد العدوان وحماية الكرامة مع إعطاء الأولوية الدائمة للسلم متى تحقق {وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا}

حصرية القرار وأخلاقيات القتال ؛ ينيط الفقه قرار الحرب والسلم بسلطة الدولة والمؤسسات المنظمة منعاً للفوضى مع فرض حظر تام على استهداف المدنيين والمنشآت الحيوية، وهو ما يتكامل مع قواعد القانون الدولي الإنساني

[ قبل الختام أترك لكم في عُجالة نتائج ماحدث في غزة بعد ثلاث سنوات من الإبادة الصامتة مستمرة

حوالي 75 ألف شهيد من المدنيين وغالبيتهم من الأطفال والنساء

إصابة حوالي 175 ألف جريح غالبيتهم من الأطفال والنساء وكبار السن

هدم 330  ألف وحدة سكنية وتدمير شبه كامل للبنية التحتية وشبكات المياه والكهرباء، مما حول مدن القطاع إلى ركام هائل

اعتقال أكثر من 26 ألف فلسطيني منذ أكتوبر عام 2023

ولازال بالإعتقال أكثر من 10 آلاف أسير من بينهم 350 طفلا و 91 أسيرة

أكثر من 500 مؤسسة تعليمية

تم تدميرها وحرمان 600 ألف طالب من الدراسة النظامية

أكثر من 90% من المستشفيات والمرافق الصحية تعرضت للتدمير كليا أو جزئيا ويعمل عدد محدود جداً من المستشفيات حوالي 19 مستشفى بشكل جزئي فقط من أصل 36 مستشفى رئيسيا في القطاع]

وفي الختام ؛ إن المقاومة الحقيقية هي التي توازن بين الشجاعة والعقلانية الثورية لتحمي شعبها ليعيش حراً وتصون أرضها لبناء المستقبل ومن المؤكد أن جهاد الحياة هو البناء والغايات وجهاد الحرب هو الدرع والسياج ولا قيمة لدرع لا يحمي عمراناً ولا بقاء لعمران لا يحميه درع

"لا أحد حر حتى يتحرر"

"حرر نفسك"

"حرر عقلك"
--------------------------------
بقلم: حاتم نظمي
* فنان و كاتب فلسطيني

مقالات اخرى للكاتب

المقاومة بين حكمة التحرير ومخاطر الإبادة | قراءة في فلسفة الثورة والفقه المقاصدي