بدون ألقاب نضعها أمام أسمائنا، فالألقاب جميعها تسقط أمام الخطب الجلل، وأعتقد أنه ليس ثمة خطب عظيم بعد مهابة الموت.
فالموت يأتي بغتة والقبر صندوق العمل.
فلا أحد منا يعلم متى سيكون وقته وسيحين أجله.
لكن ما يعلمه المؤمن أنه لا بقاء في هذه الحياة الدنيا، فجميعنا فى الموت وإليه سواء، وجميعنا يعلم أنه يوما ما سيفارق لكن متى، الله أعلم بوقت كل واحد منا.
خرج الفارس النبيل الأستاذ الدكتور صلاح الأكشر كعادته كل يوم بعد أن صلى الفجر بالناس في مسجد قريته مقتادا سيارته بعد أن ودع أهله واستودعهم الله، غادر قريته كرداسة متوجها إلى محبوبته ومعشوقته الأم جماعة حلوان قبل يتم العبث باسمها وتحويلها إلى جامعة العاصمة - وذات مرة تحدثت معه عن هذا التغيير فلم يجبني إلا بابتسامته وضحكاته المعهودة التي يخفي خلفها كلمات كبيرات بانت في عينيه لكنه لم يبدها لي.
توجه الفارس إلى قسمه وتوضأ وركع ركعتي الضحى وتوجه إلى محاضراته في كلية التربية، وصال وجال كعادته، لكنه لم يعلم ما يخبئه له القدر، ومن الذي كان ينتظره، إنه ملك الموت الذي لم يمهله حتى يعود إلى بلدته فعاد إليها محمولا على الأعناق، مكرما من تلاميذه ومن زملائه ومن كل من تعامل معه في جامعة حلوان.
وقبل ذلك كرمه الله تعالى ونال منزلة الشهداء، ألم يقل النبي صلى الله عليه وسلم، مداد العلماء كدماء الشهداء، ألم يقل صلوات ربي عليه، من مات دون أهله وولده فهو شهيد.
ألم يقل صلى الله عليه وسلم يبعث المرء على ما مات عليه.
والفارس الذي تعلم في بلاد أوروبا، ودرس في جامعات برلين، حصل على درجة الدكتوراة منها وعمل أستاذا زائرا فيها، لم ينبهر بمغريات الغرب الأوروبي ولم تخدعه مدنيتهم الحديثة الخداعة فعاد كما ذهب، الفارس الريفي البسيط الذي حفظ القرآن في قريته، والذي يصلي ويخطب فى الناس.
رأينا ذلك بأم أعيننا، فكلما وجب عليه وقت الصلاة توضأ ودخل علينا الكنترول مناديا فينا: هيا يا شباب إلى الصلاة كاد وقت العصر أن يحين.
فضلا عن ذلك ما سمعنا عن الرجل أنه حمل ضغينة لأحد ولا حقد على أحد ولا كره أحدا بل كان هينا لينا بشوشا، يساعد الصغير قبل الكبير، يسعى إلى فعل الخير قدر استطاعته وقد كلفه ذلك كثيرا لكنه لم يثنه ذلك عن مساعدة الآخرين.

زاملته سنوات طويلة في مجالس الكلية، وكان يتأخر عن حضور المجلس ويأتي محملا بأوراق كثيرة في يده وبسؤاله يرد قائلا إنه شغل الكنترول. لدرجة أنه أتى ليعتمد النتيجة أثناء انعقاد مجلس الكلية حتى لا يتأخر على الطلاب فى إعلان النتيجة.
لله درك أيها الفارس النبيل الذي ترك إرثا عظيما ضاربا أروع الأمثلة لأستاذ الجامعة، الذي يجمع بين محاسن ومكارم الأخلاق الذي لا يخشى فى الحق لومة لائم، الذي يعمل بجد وإخلاص في محاضراته، يحمل منهجا علميا رصينا، درس لطلابه جميع فروع اللغة الألمانية وآدابها، أشرف على العديد من الرسائل العلمية وناقش العديد أيضا.
رحل أستاذنا الحبيب الدكتور صلاح الأكشر بعد أن أنهى محاضراته بوجه مسفر ضاحك مستبشر. ( وجوه يومئذ مسفرة ضاحكة مستبشرة)
أولئك الذين قال عنهم الله تعالى (من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا) (إن المتقين في جنات وعيون آخذين ما آتاهم ربهم إنهم كانوا قبل ذلك محسنين).
والرجل من المحسنين، أحسن إلى طلابه، أحسن في عمله، تصدق وجاد بعلمه، عفا عمن ظلمه. متمثلا قوله تعالى ( فمن عفا وأصلح فأجره على الله)
رحلت يا صديقي الغالي، لكن مكانك محفور بأحرف من نور في قلوبنا، وكل مكان وطأته قدماك في كليتنا سيذكرنا بك. ولم لا وأنت الغائب الحاضر، التقي، النقي ،الورع، الطاهر، العلم.
هنيئا لك يا صديقي مظاهرات الحب التي رأيناها، فنحن جميعا شهداء الله على الأرض، ونشهد أنك رحلت عنا غير مبدل أو مغير، وإنما رحلت وأنت في محراب العلم.
وإلى لقاء يا حبيبي، (ويقولون متى هو قل عسى أن يكون قريبا)
(وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون).
-----------------------------
بقلم: عادل القليعي
* أستاذ ورئيس قسم الفلسفة بآداب العاصمة.






