13 - 10 - 2026

تحب نذيع؟

تحب نذيع؟

ربما يظن أحدنا أنه إن أسبل عليه ثوبه، وكتم سره، وأغلق دونه بابه فقد استتر، وقد كان هذا الظن صحيحا قبل ثلاثين سنة أو نحو ذلك، أما اليوم فهذا الظن مكذوب وموهوم، فليس فى هذا الزمان أحد من الناس بمستتر ولا خفى الحال، بل أزعم أن كل أهل هذا الزمان عراة وإن تستروا، وتسربلوا، وتسرولوا بألف سربال وسروال!

إنك العارى، يا صاحبى، حين تتفرس وجهك، وترقب مشيتك ألف كاميرا فى كل شارع، وحارة، وزقاق!

إنك العارى حين يحتفظ هاتفك بتقاسيم وجهك، وبصمات أصابعك، وجرس صوتك، وحين يبيع أحاديثك مع أخيك وصاحبك للمعلنين!  

إنك العارى حين تحصى شريحة هاتفك، أو شريحة بطاقتك كل ما دخل إليك أو خرج منك من الأموال والنفقات!

إنك العارى حيث أعطوك الصفحات والمواقع؛ لتقول، وتكتب، وتنشر، وتبحث، وتطالع؛ ولكن مع كل بحث ومطالعة ونشر انت تكشف شيئا من مكنونات نفسك، وتهتك بعضا من مستودعات سرك، وتجود ببعض من خاطرات ضميرك!

إنك العارى حيث خطوتك من بيت إلى آخر تتقصاها شريحة هاتفك، فلا يمكنك أن تخلو بنفسك فى رأس جبل، ولا فى بطن وادٍ، ولا فى غور سحيق إلا وأنت مرصود مرقوب!  

إنك العارى حين تشكو أوجاعك، وتعرض فحوصاتك على بواحث الإنترنت، وعلى قرينك الاصطناعى، فيعرف هؤلاء من أحوال صحتك ومرضك ما لا يعلمه طبيبك!

أختى، إنك عارية حين تبثين همكِ وشكواكِ وحزنكِ إلى قرينك من الذكاء الاصطناعى، فيطالع من أسراركِ ما كنت تستحين أن تذكرينه لأمكِ وأختكِ!

إنك العارى حين تلتقط الصور والمرئيات أينما حللت أو ارتحلت، فتصير كل وجهاتك ومساراتك معلومة مرصودة!

إنك العارى عند أقوام كنت تظنهم يجهلونك، لكنهم بفضل شاشة، وشريحة، وعدسة صاروا يعرفون شجرة أقربائك، وأنسبائك، وأصهارك، وأصدقائك، وشركائك، وخصومك، وأعدائك أكثر مما تعلم أنت!

إنك العارى وإن أوهموك بأن ضبط إعدادات الخصوصية والأمان فيه الستر والأمان!

أخى، إن جميعنا مفضوح السر، منكشف الستر أمام مزودى الخدمة، ومراقبى الخوادم والحواسيب، وعند المعلنين، وعند التجار، وعند بعض من لصوص البيانات، وعند آخرين!

إن سجلات أحدنا لم يعد يكتبها الملكان وحدهما، بل صارت الخوادم والحواسيب فى هذا الزمان موكلة بأن تكتب وتحفظ كل أعمالك وأقوالك وخطرات نفسك ثانية بثانية، ودقيقة بدقيقة، وتنتظر الأمر بأن "تذيع"، وحينها ستذيع، ومن دون أن يستأذنوك: "تحب نذيع"؟
----------------------------
بقلم: محمد زين العابدين
[email protected]

مقالات اخرى للكاتب

تحب نذيع؟