تتأهب الدولة في أواخر الشهر الحالي لتقديم كشف حسابها من الإنجازات، وبينما تُضبط الشاشات العملاقة في قاعات المؤتمرات لتعلن أرقاماً متتالية عن ملايين الأمتار المكعبة من الأسمنت وآلاف الكيلومترات من الأسفلت، في المقابل، يبدو الأفق العام مفتوحا على سجال متوقع ومكرر؛ فمن ناحية خطاب رسمي يستعد لاستعراض الإنجاز كدليل حاسم لا يقبل الجدل، ومن ناحية أخرى ترقب معارض يتهيأ لإظهار فاتورة الديون وتآكل القدرة الشرائية وموجات الغلاء. غير أن هذا الاشتباك المعتاد باستقطابه يوشك أن يحجب مجدداً جوهر ما جرى بالفعل طوال أكثر من عقد مضى. فالمسألة لم تكن يوماً مجرد سياسات عامة تنفذها حكومة، ولا حزمة مشروعات للبنية التحتية، الحقيقة الأكثر عمقاً هي أننا نقف أمام لحظة تأسيس تاريخيه غير مكتوبة أو متفق عليها أُعيدت بمقتضاها هندسة الدولة والمجال والمال العام، لتدشن القطيعة الفعلية مع الطور المتأخر لجمهورية يوليو 1952، وتضعنا وجهاً لوجه أمام جمهورية مختلفة البنية والملامح.
حين كانت الإذاعة المصرية تصدح في البدايات التأسيسية لثورة يوليو بأهزوجتها الأثيرة: "جمهورية.. جمهورية.. فكرة وراية وأغنية"، كانت تُلخص في هذا الرمزيات الثلاث وعياً كاملاً بطبيعة الدولة الوليدة، دولة ترتكز على "الفكرة" الأيديولوجية والعدالة الاجتماعية الرعوية، وكله استظلال بـ "الراية" الوطنية المستقلة، وفى الأثناء تتغذى على "أغنية" الشارع وتفاعله العاطفي، في مقابل تنازل طوعي عن المشاركة والتعددية السياسية المستقلة. كان ذلك عقداً اجتماعياً غير مكتوب لكنه واضح المعالم، لم تكن الديمقراطية وتداول السلطة واحد من بنوده إلا أن ذلك كان بتوافق واسع بين الدولة والمجتمع، وبموجبه تكفلت فيه الدولة الرعوية بالتعليم والصحة، ودعمت رغيف الخبز والوقود، وضمنت وظيفة حكومية مريحة تساعد على الصعود الاجتماعي، لتمنح الطبقات الوسطى والشعبية حزام أمان يحميها من السقوط الحر. وما أعلنه العقد المنقضي ليس إلا الوفاة الكاملة لهذا المثلث القديم؛ إذ تراجعت "الفكرة" الاجتماعية الرعوية لصالح منطق المطور والمدير التنفيذي، وخَفَتت "الأغنية" الرومانسية وحماس الشارع تحت وطأة الإنهاك اليومي، لتحل محلهما "الخرسانة" بما تحمله من ثقل مباشر؛ فالدولة لم تعد ترى نفسها كفيلاً اجتماعياً، بل تحولت إلى كيان تنفيذي من أعلى، تقاس شرعيته بما تبنيه على الأرض من كتل اسمنتية وطرق وموانئ ومدن تزرع في قلب الصحراء، لا بما يوفره من وظائف أو حماية لأسعار السلع أو تمثيل سياسي.
وهذا التحول لم يكن ليتحقق بأدوات البيروقراطية القديمة التي أدركت السلطة عجزها وترهلها، فاختارت ألا تخوض معركة إصلاحها البطيئة، والتفت عليها تماماً وذلك عبر إسناد حركة البناء السريعة إلى كيانات تنفيذية خاصة وكذا صناديق وهيئات لا تكبلها اللوائح الحكومية العقيمة، لتتسارع وتيرة التشييد بشكل غير مسبوق ترافق معها انقلاب موازٍ في يخص الجغرافيا والمجال؛ فالنزوح التاريخي نحو العاصمة الإدارية شرقاً وشق شبكات المحاور في عمق المدينة لم يكن هندسة مرورية فحسب، إنما فكاً جغرافياً واعياً للارتباط بمسرح القاهرة القديمة الذي احتضن، من ميدان التحرير إلى محيط الوزارات، تاريخاً طويلاً من الضغط والاحتجاج الشعبي والتفاوض. لقد صُمم المركز الجديد ليكون محصناً بتقنيات الرقابة الرقمية، بعيداً عن الكتل السكانية المكتظة والقابلة للتمرد، بينما أُعيد فرز المدينة القديمة نفسها عبر منطق التسعير الرأسمالي والتطوير العقاري، ليتحول المجال العام المفتوح إلى فضاء للحركة السريعة والخدمات المدفوعة التي تكرس الفرز الطبقي والمكاني وتُعيد صياغة شروط التواجد داخل المدينة.
في الأثناء، لم تسلم المالية العامة بطبيعة الحال من هذا المنطق الجديد؛ إذ سقط المفهوم الدستوري التاريخي للملكية العامة بوصفها مالاً محصناً له وظيفة اجتماعيه ومخصصاً للمنفعة الاجتماعية المباشرة، ليحل محله منطق تسييل الأصول وإعادة التدوير الاستثماري، لتصعد الصناديق السيادية كدولة مالية موازية تجمع مباني الوزارات التاريخية، وشواطئ البلاد، والموانئ، والشركات الرابحة، لتطرحها للشراكة والبيع والاستثمار كأصول رأسمالية حرة، لا بهدف تحفيز قطاع خاص محلي وُجد نفسه مهمشاً ومضطراً للعمل كمقاول من الباطن، انما لاجتذاب الصناديق الإقليمية والسيولة الدولارية الخارجية التي باتت الملاذ الأساسي لخدمة الديون المتراكمة وتأمين توازنات ميزان المدفوعات .
هنا بالضبط ينكشف كعب أخيل هذا المشروع التأسيسي برمته، ففي خضم هذا الاندفاع الهائل نحو تشييد دولة الإنجاز، سُحقت الطبقة الوسطى تحت وطأة التعويم المتتالي والتضخم الجامح، وتُركت وحيدة خارج أي شبكات أمان تحميها، وهي الطبقة التي كانت تاريخياً حزام الأمان الاجتماعي للدولة وحاملة قيمها وبيروقراطيتها وكتلتها الصلبة الرافضة للفوضى. وجدت هذه الطبقة نفسها تنزلق سريعاً نحو العوز وانهيار حيطان الستر عنها، وتفقد قدرتها على توريث مكانتها لأبنائها، وتغرق في شعور بالاغتراب والعجز والتيه، في وقت تنزف فيه الدولة خيرة عقولها وشبابها عبر الهجرة والرحيل، بالتزامن مع تصفية منهجية لكل أشكال الوسائط السياسية، فلا أحزاب حقيقية تملك تمثيلاً، ولا نقابات مستقلة تفاوض، ولا مجتمع مدني يمتص الاحتقان، لتصبح العلاقة بين رأس السلطة والشارع عارية ومكشوفة تماماً، يرتد فيها أي غضب معيشي أو إحباط يومي إلى قمة الهرم مباشرة دون أي مصدات صدمات تقي النظام هزات المستقبل .
في نهاية المطاف، ستنطفئ أضواء شاشات المؤتمر المزمع انعقاده، فيما تظل الحقيقة العارية شاخصة أمامنا: لقد شُيدت بنية تحتية مذهلة وتأسست هياكل عملاقة في زمن قياسي، لكن هذا التحديث تحقق بإنهاك الشريحة الاجتماعية الوحيدة المؤهلة تاريخياً لملء هذا الفضاء وإدارته واستدامته، ليغدو الاعتماد الحصري على الكفاءة الأمنية وتسييل الأصول لإدامة الاستقرار رهاناً قد يشتري وقتاً، لكنه رهان بالغ الحساسية أمام أي صدمة خارجية عاصفة؛ ليبقى السؤال الحقيقي الذي تعجز كل الرسوم البيانية عن الإجابة عنه: هل يمكن لجمهورية جديدة أن تحيا وتستقر وتزدهر بحداثة مبانيها وطرقاتها، إذا كان مجتمعها مغترباً فقيرا مقموعا، ووسائطها معطلة، وحاملها التاريخي يتآكل كل يوم؟
-----------------------------
بقلم: محمد الخولي






